قمة المناخ COP27

بند “الخسائر والأضرار”.. إنجاز الإدراج على جدول أعمال كوب 27 وتحدٍ تفاوضي

بدأت الدورة السابعة والعشرين من مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ “كوب 27” بحضور دولي واسع؛ بهدف التكاتف والتعاون لوضع خارطة طريق لإنقاذ العالم من التغيرات المناخية التي أصبحت تشكل تهديدًا للبشرية. وقد قدمت مصر في الجلسة الإجرائية للمؤتمر التي عُقدت في 6 نوفمبر 2022 مقترحًا بإدراج بند الخسائر والأضرار على جدول أعمال المؤتمر، وهو المتعلق بتمويل الأضرار الناجمة عن تغير المناخ بالدول النامية. وبالفعل أُدرج بند الخسائر والأضرار لأول مرة على جدول أعمال مؤتمر كوب؛ لمعالجة الخسائر والأضرار والتعويضات التي تقدمها الدول المتقدمة للدول النامية والمتضررة بشكل أكبر من مخاطر التغير المناخي والتي لم تسهم بشكل كبير في الانبعاثات الضارة التي أدت إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض.

ما هو بند “الخسائر والاضرار”؟

كانت هناك مطالب متكررة من جانب الدول النامية بإدراج بند الخسائر والأضرار على جدول أعمال مؤتمرات الأمم المتحدة لتغير المناخ، وقد زادت هذه المطالبات بشكل كبير قبل أسابيع قليلة من انعقاد قمة “كوب 27″، فماذا يعنى بند “الخسائر والاضرار”؟، يعنى التكاليف الاقتصادية والمادية التي تواجهها الدول النامية من آثار تغير المناخ. لم يفعل العديد من دول العالم الأكثر عرضة للتأثر بالمناخ سوى القليل للتسبب في تغير المناخ، ومع ذلك فهي تعاني من موجات الحر الشديدة والفيضانات والكوارث الأخرى المرتبطة بالمناخ، ومن ثم تريد من الدول المتقدمة ذات أكبر مصادر لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري أن تدفع ثمن ذلك الضرر.

ويمكن تقسيم “الأضرار” التي تحدث نتيجة تغير المناخ إلى خسائر اقتصادية وخسائر غير اقتصادية:

  • الخسائر والأضرار الاقتصادية: التي تؤثر بشكل مباشر على الموارد والسلع في مجالات الزراعة والغابات ومصايد الأسماك والسياحة، أو تضر بالبنية التحتية الحيوية والممتلكات، وتعطل سلاسل الإمداد والتوريد. مثال ذلك، الأعاصير المتكررة والأمطار الغزيرة التي أثرت على إنتاج الملح في بنجلاديش، مما أدى إلى تآكل الاكتفاء الذاتي، والتوجه نحو استيراد الملح.
  • الخسائر والأضرار غير الاقتصادية: والتي تعد الأكثر تدميرًا والأقل تعويضًا، مثل الخسائر التي ترتب عليها فقدان أفراد الأسرة، أو الأراضي، وبالتالي من الصعب تحديد حجم الأضرار وحجم التعويض بشكل كامل.

وقد ظهر مفهوم “الخسائر والأضرار” لأول مرة أثناء صياغة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في 1991، بناء على اقتراح من تحالف الدول الجزرية الصغيرة؛ بهدف إنشاء خطة لتأمين توفير الموارد المالية للدول التي تأثرت من ارتفاع مستوى سطح البحر والتي يجب أن تسهم فيها كل دولة على أساس مساهمتها في نسبة الانبعاثات. ومع ذلك، تم رفض الاقتراح، ولم يتم ذكر بند “الخسائر والأضرار” عند اعتماد نص الاتفاقية الإطارية في عام 1992.

ثم بدأ ذلك المصطلح في الظهور مرة أخرى في محادثات الأمم المتحدة بشأن المناخ في عام 2007، كجزء من خطة عمل “بالي”، لكن لم تحصل على الزخم الدولي والإعلامي بشكل يلائم أهميتها. ثم طرحت مرة أخرى في 2013 عندما شكلت الأطراف “آلية وارسو” الدولية بشأن الخسائر والأضرار، وقد ضمت اللجنة 10 أعضاء من الدول النامية و10 من الدول المتقدمة؛ لتبادل النقاش بين الدول أصحاب المصلحة “المتضررة” والدول المتقدمة، بهدف العمل لمعالجة الخسائر والأضرار، مع الاخذ في الحسبان أن “آلية وارسو” ليس لديها أي سلطة في تقديم تمويل للدول المتضررة.

وفى قمة “كوب 25″، دعا العديد من الدول النامية إلى تعزيز دورها وتقديم التمويل لتقليل الخسائر والأضرار ومعالجتها. ومع ذلك، لم يتم التوصل إلى توافق. وفى عام 2021، خلال قمة جلاسكو “كوب 26″، دعا تحالف كبير من الدول المتضررة إلى إنشاء صندوق مخصص للخسائر والأضرار، خاصة في ظل عدم وجود التزامات من الدول للحد من ارتفاع درجة الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية، وتقليل استخدام الوقود الأحفوري، مما جعل الدول النامية تشعر بالتهديد، ومع ذلك رفضت الدول المتقدمة مرة أخرى هذا الاقتراح.

وفى مؤتمر بون بألمانيا 2022 ، صرحت الدول النامية مرة أخرى بحاجتها إلى تمويل الخسائر والأضرار، لكن الدول المتقدمة فشلت في توضيح الخطوات التي ستكون على استعداد لاتخاذها لمعالجة المشكلة، وأعربت الدول النامية عن مخاوفها من أن الحوار ينتهي إلى تقدم غير ملموس وهو ما حدث بالفعل.

وعلى الرغم من أن جميع الدول ستتأثر بالتغير المناخي، لكن مدى التأثر سيختلف من دولة إلى أخرى، وهناك اختلاف في وجهات النظر بين الدول المتقدمة والنامية بشأن “الخسائر والأضرار”، ومن هنا كان دور قمة “كوب 27″، في أن يكون بند “الخسائر والأضرار” هو المتصدر على أجندة القمة، وتم إدراج هذا البند بشكل رسمي على جدول أعمالها للمرة الأولى في مؤتمرات الأمم المتحدة للمناخ.

الدول النامية والظلم المناخي

إن إدراج بند الخسائر والأضرار على جدول أعمال القمة كان على قمة أولويات مصر في إعدادها لكوب 27، خاصة وأنها تتحدث بلسان أفريقيا التي تعد القارة الأقل في الانبعاثات الضارة بالمناخ، ولكنها في المقابل تدفع العديد من الخسائر التي قد تتفاقم مع ارتفاع معدلات الاحتباس الحراري، بما يسبب المزيد من التأثيرات على الموارد المائية والأمن الغذائي وانخفاض إنتاجية المحاصيل وتأثر الثروة الحيوانية ومصايد الأسماك.

وقد تشمل التأثيرات كذلك زيادة معدل الوفيات والأمراض؛ بسبب زيادة الحرارة والأمراض المعدية، ومعدلات عدم المساواة والفقر، والمخاطر على أمن المياه والطاقة بسبب الجفاف والحرارة، وانخفاض معدلات النمو والناتج الاقتصادي، كذلك الكوارث المناخية، وبالتالي تحتاج حينها أيضًا الدول النامية إلى المساعدة المالية لتغطية جهود الإغاثة وإعادة إصلاح البنية التحتية، ويدخل ذلك أيضًا تحت بند الخسائر والاضرار، أي أن الخسائر اقتصادية وغير اقتصادية.

وهو ما أكده الرئيس السنغالي ورئيس الاتحاد الأفريقي ماكي سال خلال قمة شرم الشيخ “كوب 27″ بقوله إن العالم يعيش ظواهر مناخية قاسية، وهناك حاجة إلى تحرك عاجل ضد تغير المناخ، وإن الدول الأفريقية ليست مسؤولة عن أكثر من 4% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وهي تدعم تحولًا صديقًا وعادلًا للبيئة نظرًا لأنه لا يزال هناك حوالي 600 مليون أفريقي بدون كهرباء”.

وبناء على ذلك، فإن دول هذه القارة تحتاج إلى القيام بالاستثمار في تدابير التكيف، في مجال البنية التحتية لكي تكون أكثر مقاومة لتلك التغيرات المناخية في المستقبل. وقد أشار أحدث تقرير صادر عن الأمم المتحدة بأن الدول النامية تحتاج إلى تمويل تكيف دولي يزيد بمقدار خمسة إلى عشرة أضعاف عما تقدمه الدول المتقدمة.

كذلك الوضع بالنسبة للجزر الصغيرة، وهي إحدى المناطق التي تواجه بالفعل خسائر وأضرارًا بشكل مرتفع، وبالتالي فإن ارتفاع درجة حرارة الأرض قد يجعل هذه الجزر غير قادرة على التكيف مع تغير المناخ، حيث يشكل ارتفاع مستوى سطح البحر تهديدًا وجوديًا، وبالتالي هذه الخسائر ستكون دائمة غير قابلة للإصلاح، وتؤثر بالتبعية على توفير سبل للعيش مثل مصايد الأسماك.

وعلى صعيد الخسائر والأضرار الاقتصادية، قد تؤدى تلك الخسائر إلى تدهور العديد من القطاعات، مثل الزراعة والسياحة، مما يعنى أنه ستكون هناك هجرة جماعية للمواطنين من بيوتهم، علاوة على الخسائر غير الاقتصادية مثل فقدان جزء من هوية المجتمع. وطبقًا للإحصائيات، تسببت الكوارث الطبيعي خلال العشرين عامًا الماضية في خسائر اقتصادية وصلت قيمتها إلى 2.97 تريليون دولار، وإذا لم يقم العالم بدوره في الحد من الانبعاثات الضارة فإن التأثيرات المناخية الكبيرة ستكون أمرًا لا مفر منه في 2040.

هدف ال 100 مليار دولار

سبق وأن التزمت الدول المتقدمة بتقديم دعم مالي يقدر بـ100 مليار دولار أمريكي سنويًا بحلول عام 2020 لمساعدة الدول النامية على التكيف مع تغير المناخ والتخفيف من حدة الارتفاع الإضافي في درجات الحرارة، وكان هذا الالتزام بندًا محوريًا في المؤتمر الخامس عشر لأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ “كوبنهاجن 2009”. وفي عام 2020، بلغ إجمالي التمويل المتعلق بالمناخ الذي قدمته الدول المتقدمة للدول النامية 83.3 مليار دولار أمريكي، أي بمعدل زيادة بنسبة 4٪ عن عام 2019، ويتم توجيه غالبية تمويل المناخ نحو التخفيف بمقدار 50.8 مليار دولار أمريكي، وحصة أصغر للتكيف بقيمة 20.1 مليار دولار أمريكي، وهذا يعني أن إجمالي تمويل المناخ في الدول المتقدمة ظل أقل من الهدف بمقدار 16.7 مليار دولار أمريكي.

إلا أن الأزمة الروسية – الأوكرانية، وما سبقها من أزمة جائحة “كوفيد -19″، أحدثت خللًا في ذلك الاتفاق، خاصة وأنها سببت العديد من الأزمات على كافة المستويات سواء الاقتصادية أو الاجتماعية، سواء على الدول المتقدمة أو النامية. لكن مع عدم الوفاء بهدف 100 مليار دولار خلق العديد من العوائق التي تحول بين الدول النامية والتكيف مع الأضرار الناتجة عن التغير المناخي. وبدأ الحديث عن مد فترة الوفاء إلى عام 2025، بحيث يصل إجمالي تمويل أهداف المناخ للدول النامية إلى 6 تريليونات دولار حتى 2030.

وبالتالي فإن الوضع المفترض هو وجود مسارين للعمل، الأول هو معالجة تغير المناخ، والثاني هو التعويض عن الخسائر والأضرار. ويمكن للدول المتقدمة من خلالهما معالجة تغير وتأثير المناخ وتعويض الدول النامية بوصفها الأكثر تسببًا في ذلك الأمر. وعلى الرغم من ذلك، فإن اتخاذ خطوات جادة أصبح موضع خلاف كبير ونقاش حاد، إلا أن الأمر في غاية الأهمية وعنصرًا مهمًا لمواصلة بناء الثقة بين الدول المتقدمة والنامية وتسريع العمل المناخي، ولذلك طالب الرئيس السنغالي ورئيس الاتحاد الأفريقي ماكي سال زيادة المبلغ الإجمالي المخصص للتكيف مع المناخ حتى 2030 والبالغ نحو 100 مليار دولار؛ إذ إنه “لا يمثل سوى ربع ما هو مطلوب”، مطالبًا بزيادته ليكون نحو 200 مليار دولار.

ولكن في المقابل، يعد هذا المطلب أمرًا شاقًا في التفاوض عليه، خاصة في ظل الازمة الروسية- الأوكرانية، وما ترتب عليها من سوء الأوضاع الاقتصادية عالميًا، سواء من نقص في سلاسل الإمداد، أو انعدام الامن الغذائي أو أزمة الطاقة وما ترتب عليها من عودة استخدام الوقود الأحفوري، وبالتالي فإن الحصول على تمويل جاد ل”بند الخسائر والأضرار” يعد تحديًا كبيرًا في المفاوضات التي يشهدها مؤتمر كوب 27، وفى حال تحقيقه سيعد خطوة مهمة حققتها القمة خلال هذه المرة، سواء من خلال توفير تمويل بقيمة 100 مليار دولار سنويًا، ومضاعفة تمويل التكيف العالمي مع التداعيات الناجمة عن التغيرات المناخية، كذلك العمل على محاولة توفير تمويل للدول الأفريقية، خاصة وأنها أكثر القارات تضررًا في ظل الأزمات المتعاقبة، وبالتالي التحول من مرحلة التعهد إلى التنفيذ هو مهمة شاقة تتبناها الدولة المصرية.

منى لطفي

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى