أوروبا

ملفات متشابكة: كيف ستكون السياسة الخارجية لرئيس الوزراء البريطاني الجديد؟

أصبح “ريشي سوناك” أول رئيس وزراء بريطاني آسيوي، يدين بالهندوسية، وأصغر شخص يتولى المنصب منذ أكثر من 200 عام بعمر الـ 42. إلا أن هذه السوابق التاريخية لتولي “سوناك” المنصب تتقاطع مع تحديات عميقة وتاريخية تواجه المملكة المتحدة. وبالرغم من أن أغلب التحليلات قد ركز على ملفات الجانب الداخلي لحكم “سوناك” بوصفها الأكثر تأثيرًا، فإنه من الضروري كذلك بحث تعامله مع الملفات الخارجية التي قد تكون مؤثرة هي الأخرى أثناء حكمه. 

بالبداية، قبل الانخراط في توضيح مواقفه من مختلف القضايا الخارجية، يجب أن نوضح أبرز السمات التي يتصف بها “سوناك”، ويأتي على رأس تلك القائمة: أولًا، أنه يوصف بالشخص “البراجماتي”؛ فبالرغم من أنه على سبيل المثال من أوائل الداعمين لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلا أنه كان من القلة ذات التأثير المعتدل على الجناح الأكثر تطرفًا في حزبه الداعين لخروج خشن. ثانيًا، بالرغم من أن “سوناك” يتبني رؤية أيديولوجية ترى ضرورة التدخل المنخفض للدولة، وإطلاق قوى السوق، إلا أنه يتسم “بمرونة” دفعته إلى اتخاذ سياسة مناوئة وقت توليه منصب “وزارة الخزانة” أثناء أزمة جائحة فيروس كورونا المستجد. وأخيرًا، يغلّب على رؤية “سوناك” الطابع الاقتصادي عن السياسي، لخلفيته العملية والعلمية. وبهذا، فإن تلك المنطلقات الفكرية هي التي ستبلور سياسة “سوناك” الخارجية إلى حد كبير. 

وفيما يلي أبرز الملفات الخارجية الأكثر تشابكًا المحتمل أن تكون أكثر تأثيرًا على السياسة الخارجية لفترة حكم “ريشي سوناك”:

  • حدود حجم الدعم لأوكرانيا 

كانت المملكة المتحدة في طليعة الدول الغربية التي قدمت دعمًا لكييف، إذ قدمت 2.3 مليار جنيه إسترليني في صورة دعم عسكري خلال الفترة المنقضية من هذا العام. ولا يمكن أن نتوقع تغيًرا في سياسة المملكة المتحدة تجاه أوكرانيا في عهد “سوناك” بحسب تصريحات “رئيس الوزراء نفسه؛ فأثناء ترشحه للقيادة في الصيف، قال إنه سيحافظ على دعم بريطانيا ويقوم بزيارة مبكرة إلى كييف، وقال: “إذا أصبحت رئيسًا للوزراء، فسوف أضاعف جهودنا وسأعزز سياستنا الخاصة بالدعم الكامل لأوكرانيا التي قادها بوريس باقتدار”.  

ولكن في ظل أزمة اقتصادية طاحنة، لا يمكن معرفة المدى الذي سيصل له “سوناك” في دعمه لأوكرانيا ابتداءً، وحتى تحديد الحجم المناسب للإنفاق الدفاعي، خاصة وأنه قد وصف وعد رئيسة الوزراء السابقة ليز تراس بزيادة الإنفاق الدفاعي من 2٪ إلى 3٪ من إجمالي الناتج المحلي بحلول عام 2030، بأنه “تعسفي”. إلا أنه بالوقت ذاته، قال إنه ينظر إلى مستوى الإنفاق الدفاعي الحالي البالغ 2% بأنه حد أدنى للإنفاق، بما يترك المجال لاحتمال رفعه حسب الظروف.

  • الموقف المتذبذب من الصين

بالرغم من أن “سوناك” دافع سابقًا عن توثيق العلاقات الاقتصادية مع الصين، ورأى أن المملكة المتحدة يجب أن تتبنى “علاقة ناضجة ومتوازنة مع الصين”.، فإنه أثناء حملته الانتخابية قد تّبنى موقفًا أكثر تشددًا، بل إن طرفي السباق، سوناك وتراس، اتهما بعضهما البعض بالتعامل بليونة مع الصين. أثناء الحملة، وصف سوناك الصين بأنها “التهديد الأول” للأمن المحلي والعالمي، معددًا سلسلة من الخطوات يجب اتخاذها لكبح نفوذها المتنامي بسرعة. وتضمنت مقترحات سوناك إغلاق جميع معاهد كونفوشيوس الثلاثين في بريطانيا، ومنع انتشار القوة الناعمة للقيم الصينية من خلال برامج الثقافة واللغة.

إلا أن الظرف الاقتصادي العصيب، مع طبيعة رئيس الوزراء البراجماتية، وضرورة التواصل مع الصين لحلحلة عدد من القضايا العالمية على رأسها قضية مثل “تغير المناخ”؛ قد تنذر بخط حكومي أكثر ليونة في ملفات محددة مع الصين.

  • أزمة بروتوكول أيرلندا الشمالية

تُعد تلك الأزمة هي المؤثر الأكثر تعقيدًا على علاقات المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي أولًا والولايات المتحدة ثانيًا، بخلاف تعقيدها وتأثيرها الداخلي؛ ويرجع ذلك التعقيد إلى رفض الحزب الوحدوي –الموالي لمزيد من الانخراط مع المملكة المتحدة على حساب الاتحاد الأوروبي- المشاركة في الحكومة الأخيرة لأيرلندا الشمالية، والتي فاز بأغلب مقاعد برلمانها بأغلبية طفيفة في سابقة تاريخية حزب “شين فين” –الموالي لمزيد من الاندماج مع الاتحاد الأوروبي- والذي يمثل الجناح السياسي للجيش الأيرلندي الحر الذي دعا سابقًا إلى اندماج أيرلندا الشمالية مع أيرلندا، ولكن جاءت اتفاقية “الجمعة العظيمة” عام 1998 لتنهي قتالًا استمر ثلاثة عقود.

ويرجع رفض الحزب الوحدوي للانخراط في الحكومة إلى اعتراضه على بروتوكول “أيرلندا الشمالية” الذي تم توقيعه، على خلفية خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي؛ لقناعته بأن البروتوكول يعمّق اندماج أيرلندا الشمالية مع سوق الاتحاد الأوروبي، ويعمق انفصالها عن سوق المملكة المتحدة.

انعكس ذلك التعقيد على دعوة الحكومة البريطانية لانتخابات تشريعية مبكرة في 28 أكتوبر الماضي، إلا أنها سرعان ما تراجعت في 4 نوفمبر الجاري عن دعوتها لتلك الانتخابات التي لن تغير من الأمر شيء، مالم يتم التواصل إلى اتفاق أكثر عملية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي يراعي مصالح الطرفين، ويضغط على الحزب الوحدوي لحلحة الأمور.

ويظل الطرف الأمريكي حاضرًا في تلك المعادلة، ويعقدها بشكل ما؛ إذ إن الرئيس الأمريكي “جو بايدن” ذا الجذور الأيرلندية يؤكد في كل وقت على ضرورة الحفاظ على مكتسبات اتفاقية الجمعة العظيمة، وضرورة تجاوز الانقسامات والخلافات بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، بعكس موقف سلفه “ترامب” الذي بارك الموقف المتشدد للمملكة المتحدة في وجه الاتحاد الأوروبي.

توجهاته من قضايا الشرق الأوسط

تتعدد القضايا التي تشتبك فيها المملكة المتحدة في الشرق الأوسط؛ نظرًا إلى وجودها التاريخي في المنطقة، وكذلك نظرًا إلى أنها الحليف الأقرب للولايات المتحدة وأحد القوى الأوروبية المؤثرة بالعديد من الملفات. إلا أنه يمكن ألا نتوقع انخراطًا متزايدًا على الأرض أو بتلك القضايا إلا في الجانب الاقتصادي عن السياسي منها؛ نظرًا إلى طبيعة رئيس الوزراء نفسه، ولأن ذلك يتبع نهجًا أشمل يحكم علاقات المملكة المتحدة الخارجية، لعقود طويلة: 

إسرائيل، مثل الآخرين في حزب المحافظين، يعد “سوناك ” داعمًا قويًا للعلاقات بين المملكة المتحدة وإسرائيل. وفي مقابلة سابقة مع صحيفة “جيويش كرونيكل” في لندن، رفض سوناك المزاعم التي تقول إن “إسرائيل” دولة فصل عنصري كما أطلقت عليها العديد من جماعات حقوق الإنسان في السنوات الأخيرة. وزعم أن “ادعاء الفصل العنصري ليس فقط غير صحيح من الناحية الواقعية، ولكنه هجوم صريح تمامًا. فمثل أي أمة، فإن إسرائيل ليست مثالية، لكنها ديمقراطية نابضة بالحياة متعددة الأعراق تتمتع بصحافة حرة وسيادة القانون. وإنها تقف كمنارة مشرقة للأمل في منطقة ذات أنظمة استبدادية ومتطرفين دينيين”. بالإضافة إلى أن سوناك سبق وناقش اتفاقية التجارة الحرة مع وزير المالية الإسرائيلي “أفيجدور ليبرمان” في أبريل 2022 عندما كان مستشارًا لجونسون، بما قد ينبئ بمزيد من التقارب.

إلا أن هذا لا يعني أن هذا التقارب قد يأتي على حساب خسارة المملكة المتحدة لحلفاء آخرين؛ فبالرغم من أن سوناك أثناء حديثه في اجتماع “أصدقاء إسرائيل” في حزب المحافظين أغسطس الماضي قال إن هناك “حجة قوية للغاية” لنقل سفارة بريطانيا، والتي من شأنها أن تعني اعتراف المملكة المتحدة بـ “القدس كعاصمة لإسرائيل”، فقد رفضت حكومته يوم الخميس الموافق 3 نوفمبر الجاري اقتراحًا من رئيسة الوزراء السابقة “ليز تراس” بإمكانية نقل سفارة المملكة المتحدة في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس.

وقالت الناطقة باسم رئيس الوزراء “ريشي سوناك” للصحفيين: “لا توجد خطط لنقل السفارة البريطانية في إسرائيل من تل أبيب”. وهو ما يمكن تفسيره برغبة سوناك في عدم استدعاء سجالات خارجية في وقت أزمة خارجية، وكذلك يمكن إرجاعه جزئيًا إلى تصريح الكويت بأنها ستصوت ضد أي اتفاقية للتجارة الحرة مع دول مجلس التعاون الخليجي إذا ما شرعت المملكة المتحدة في نقل سفارتها.

الخليج العربي: يدعم سوناك علاقات المملكة المتحدة مع دول الخليج بوصفها من أهم شركاء المملكة المتحدة في الشرق الأوسط؛ فقد شهدت التجارة الثنائية بين لندن ودول مجلس التعاون الخليجي زيادة ملحوظة في أعقاب التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في عام 2016 (من 19.1 مليار دولار في عام 2010 إلى حوالي 61 مليار دولار في عام 2019). ولهذا فمن المتوقع أن يدفع سوناك نحو استكمال المفاوضات مع مجلس التعاون الخليجي بشأن اتفاقية تجارة حرة والتي بدأت في يونيو الماضي. وستكون اتفاقية التجارة الحرة بين المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي أول اتفاقية من نوعها بين الكتلة وأي قوة أوروبية. 

وبالنسبة لإيران، ففي مواقفه السابقة، سبق وأن أبدى سوناك قلقه بشأن سعي إيران إلى امتلاك سلاح نووي، ورأى أن المملكة المتحدة لم تأخذ التهديد الذي تشكله إيران على محمل الجد، مؤكدًا أنه سيدعم “عقوبات قصوى” على إيران للضغط عليها للتوصل إلى اتفاق يتجاوز برنامجها النووي، فقال وزير الدفاع السابق “ليام فوكس” عن سوناك “إنه يريد فرض أقصى العقوبات ليرى ما إذا كان يمكن إقناع إيران أو إجبارها على اتفاق أوسع يتجاوز البرنامج النووي فقط، وإنه يعتقد أن خطة العمل الشاملة المشتركة لا تُوقف في الواقع برنامج إيران النووي، بل تؤخره. 

في الختام، يمكن ألا نعول كثيرًا على إفراد سوناك الكثير من طاقته في إدارة ملف السياسة الخارجية، بعكس سلفيه تراس وجونسون، لتعقد الملفات الداخلية من ناحية، ومن ناحية أخرى لمحدودية خبرته في هذا الملف. ولهذا فإن تحركات المملكة المتحدة الخارجية ستكون مدفوعة إلى حد كبير بمصالحها وأوضاعها الاقتصادية الداخلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى