الأكثر قراءةمصر

قراءة في الهيكل المستحدث لوزارة التربية والتعليم

بالتزامن مع بدء حقبة وزارية جديدة وانطلاق العام الدراسي الحالي، شرعت وزارة التربية والتعليم في تطبيق عدة قرارات ارتبطت بسياسات تعليمية جذرية لها آثار ممتدة كونها اعتمدت على إعادة التنظيم الإداري للوزارة، فقد أعلنت الوزارة منذ بضعة أيام عن الهيكل الإداري الجديد لديوانها العام، اشتمل على إلغاء القطاعات بشكل كامل واستبدال إدارات مركزية محلها، ودمج بعض الإدارات الأخرى، واستحداث بعض الوظائف. لم تكن هذه المرة الأولى التي يشهد فيها هيكل الوزارة تحولات جذرية، لكن السؤال هنا ما جدوى إعادة الهيكلة الإدارية؟ وما هي مبرراتها وأسبابها؟ وهل تساعد في التأصيل نحو اللا مركزية أم هي تعميق للمركزية؟

تحولات الهيكل الإداري للوزارة

تشير نتائج تقرير صادر عن البنك الدولي عام 2005 إلى أن الجهاز الإداري لقطاع التعليم قبل الجامعي في مصر يعاني من التضخم والترهل، وأن مؤشرات الهيكل الإداري بديوان عام الوزارة والمديريات والإدارات التعليمية التابعة قد سجلت زيادة في الحجم تخطت المستويات العالمية. في سبيل خفض هذه المعدلات، شهد الهيكل الإداري للوزارة تحولات متعددة عكست أدوار ومهام الوزارة تارة وتطور خططها الاستراتيجية تارة أخرى.

وقد حدد قانون (139) لعام 1981 وتعديلاته رقم (233) لعام 1988 أدوار ومهام وزارة التربية والتعليم في ثلاث مسؤوليات هي: تخطيط التعليم ورقابته وتقويمه وتطويره، وتحديد المناهج التعليمية المختلفة وتوفير المواد التعليمية اللازمة في جميع مراحل التعليم قبل الجامعي، وتحديد مسؤوليات المعلمين ومؤهلاتهم. ولتنفيذ هذه المهام، تضمن الهيكل الإداري للوزارة أربعة قطاعات رئيسة وإدارة واحدة مركزية على النحو الموضح بالشكل (1).

شكل (1): قطاعات ديوان عام الوزارة قبل عام 2014

توالت قوانين التعليم والقرارات الوزارية المنظمة، وأسهمت في استحداث مراكز متخصصة تابعة لوزارة التربية والتعليم مثل: المركز القومي للبحوث التربوية والتنمية، والهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار. وفي عام 2007، أطلقت الوزارة الخطة الاستراتيجية القومية لإصلاح التعليم قبل الجامعي، والتي تضمنت اثني عشر برنامجًا إصلاحيًا منها برنامج مخصص للتأهيل المؤسسي نحو تطبيق اللا مركزية في إدارة منظومة التعليم المصري. استهدف البرنامج دعم القدرة المؤسسية للمنظومة التعليمية من خلال تطوير الهيكل التنظيمي والأداء المالي للوزارة عبر نقل الصلاحيات من أعلى إلى أسفل لتمكين المدرسة كوحدة إدارية ومالية مستقلة، وحصر دور ديوان الوزارة في التخطيط ووضع السياسات والتسويق المجتمعي لخطة الإصلاح.

لم تحقق الخطة الاستراتيجية القومية لإصلاح التعليم قبل الجامعي 2007/2008 و2011/2012 بعض أهدافها المنشودة والخاصة ببرنامج التأهيل المؤسسي نحو اللا مركزية، وأسفرت ثورتا 25 من يناير 2011 و30 يونيو 2013 عن مزيد من التضخم في الجهاز الإداري للدولة بشكل عام، ولا سيما وزارة التربية والتعليم.

وفي عام 2014، دشنت وزارة التربية والتعليم الخطة الاستراتيجية للتعليم قبل الجامعي تحت عنوان “التعليم: المشروع القومي لمصر (معًا نستطيع أن نقدم تعليمًا جيدًا لكل طفل)”، التي تضمنت تطوير الهيكل المؤسسي لنظام التعليم ما قبل الجامعي في إطار يجمع ما بين المركزية واللا مركزية وفق نهج تشريعي، فصدر على إثر ذلك القرار الوزاري رقم (274) بتاريخ 19/6/2014 بشأن استحداث خريطة الهيكل التنظيمي والوظيفي لديوان عام وزارة التربية والتعليم.

نظم القرار تبعية الوظائف داخل ديوان عام الوزارة، فانقسمت إلى وظائف تتبع وزير التربية والتعليم بشكل مباشر ووظائف تتبع رؤساء القطاعات والإدارات المركزية، وتكونت خريطة الهيكل الإداري والوظيفي لديوان عام الوزارة وفق هذا القرار من ستة قطاعات وإدارتين مركزيتين تتبع وزير التربية والتعليم بشكل مباشر، بالإضافة إلى 72 إدارة عامة تتبع رؤساء القطاعات والإدارات المركزية على النحو الموضح بالشكل (2).

شكل (2): خريطة الهيكل الإداري لديوان عام وزارة التربية والتعليم عام 2014

في أكتوبر الجاري، أعلنت الوزارة عن اعتماد هيكل إداري جديد لديوانها يقضي بإلغاء القطاعات بكل أشكالها داخل الديوان، والاستعاضة عنها بالإدارات المركزية، واستحداث وظيفة الوكيل الدائم للوزارة كمنصب جديد. وعلى الرغم من إلغاء القطاعات فإن حجم الهيكل الإداري الجديد تضخم مقارنةً بالهيكل الإداري المدرج بالقرار الوزاري السابق، فقد تضاعف عدد الإدارات المركزية إلى 17 إدارة، وازدادت الإدارات العامة من 72 إدارة إلى 82 إدارة بواقع عشر إدارات إضافية كما هو موضح بالشكل (3).

شكل (3): خريطة الهيكل الإداري لديوان عام وزارة التربية والتعليم عام 2022

عللت وزارة التربية والتعليم الهدف من إعادة هيكلة ديوانها العام بأنه يأتي في ضوء حرصها على ضبط الأداء الإداري، وتطوير الأنشطة، ومتابعة المشروعات، علاوة على ضخ دماء جديدة من القيادات العليا بالوزارة، والاستفادة منهم في تنفيذ مشروع اصلاح التعليم المصرى بالتعاون مع البنك الدولي. 

دلالات واستنتاجات

في ضوء ما تقدم، ثمة دلالات أساسية واستنتاجات مهمة يمكن تناولها على النحو التالي:

● تنم تحولات الهيكل الإداري لوزارة التربية والتعليم المستعرضة آنفًا عن تأرجح القدرة المؤسسية ما بين المركزية المفرطة ومحاولات تطبيق اللا مركزية غير المكتملة والتي حالفها الفشل لأسباب مختلفة.

● يمكن القول إن المركزية هي السمة السائدة لإدارة التعليم المصري، وأن محاولات تطبيق اللامركزية اقتصرت على ما جاء بالفصل الرابع من الخطة الاستراتيجية القومية لإصلاح التعليم قبل الجامعي لعام 2007، وشهدت حيز التنفيذ على مستوى تجريبي فقط، فانحصر تطبيقها في محافظة الإسكندرية، وأسفرت نتائجها عن معوقات وتحديات متباينة أبرزها احتمالية تغلغل الأيديولوجيات المتطرفة للجماعات الإرهابية في التعليم.

● يعمق الهيكل الجديد للوزارة مركزية التعليم؛ فتضخم الهيكل التنظيمي بهذا العدد الهائل من الإدارات سواء العامة أو المركزية سيضعف التنسيق فيما بين الإدارات المختلفة، وسيقلل من إمكانية إحكام المتابعة والتقييم بسبب تداخل المهام والمسؤوليات وازدواجية الاختصاصات، خاصة وأن بعض الوظائف لا توجد لها بطاقات وصف وظيفي محددة كتلك المدرجة بالقرار الوزاري رقم (164) لعام 2016، ولا يتم شغلها من العاملين بالتربية والتعليم كوظائف المستشارين أو المعاونين أو المساعدين للوزير.

● يفرض استحداث منصب الوكيل الدائم للوزارة تحديدًا دقيق للاختصاصات وفق بطاقة وصف وظيفي، خاصة وأن بعض الإدارات العامة التابعة للوكيل الدائم تتعارض واختصاصات إدارات مركزية وعامة أخرى، مثل: إدارة نظم المعلومات والتحول الرقمي، وإدارة النظم وتطبيقات الدعم الفني، وإدارة الإحصاء والتقارير والنشر الإلكتروني، وادارة التطوير المهني.

● الهيكل الجديد للوزارة هو هيكل هجين يجمع ما بين الهياكل الحيوية، وهياكل الاختصاصات، وفي جزء منه هيكل عمليات وآخر يعكس هيكلًا لتقديم الخدمة. هذا التداخل يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع النفقات، وصعوبة تحديد وقياس التكاليف، بالاضافة إلى بطء اتخاذ القرارات؛ نظرًا إلى طول تسلسل الهرم الوظيفي.

● إلغاء تصنيف المديريات المبني على إلغاء مسمى وكيل أول وزارة والإبقاء على مسمى وكيل وزارة فقط وفق الهيكل الجديد يعكس قصور مرجعية تحديد معايير تصنيف المديريات التعليمية، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في تصنيف المديريات ليس فقط وفق المسميات الوظيفية ولكن وفق معايير أخرى قد يكون من بينها الكثافة السكانية ونوع الاقتصاد السائد بالمحافظة (زراعي، سياحي، فندقي… إلخ) أو غيرها من المعايير.

● لا يوضح الهيكل الجديد توظيف الربط الشبكي للبنية التكنولوجية لإدارة منظومة التعليم والمدرج بوثيقة البنك الدولي لمشروع إصلاح التعليم، ما يعني أهمية مراجعة هندسة العمليات الإدارية للهيكل وفق خريطة الربط الشبكي المنشودة.

ختامًا، بشكل عام، تسهم هندسة الهيكل الإداري والوظيفي لديوان عام الوزارة في حوكمة سياسات التعليم وإدارة المنظومة التعليمية، وكلما اقتربت من الأفقية والشبكية وابتعدت عن الهرمية والرأسية كلما قل تداخل الاختصاصات وضعفت الثغرات والفجوات الوظيفية، كذلك كلما زاد توظيف الإدارة الإلكترونية كلما قلت أخطاء صناعة القرارات ونجحت المعاملات الإدارية وتحققت أهداف التحول الرقمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى