القضية الفلسطينية

حل الدولتين من منظور يائير لابيد

بعد سنوات من تَجنُب القادة الإسرائيليين ذكر القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، أثارت دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي، يائير لابيد، خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى حل الدولتين العديد من الانتقادات في الأوساط الإسرائيلية والفلسطينية. فقد ذكر أن الاتفاق مع الفلسطينيين على أساس دولتين لشعبين هو الشيء الصحيح لأمن إسرائيل واقتصادها ومستقبل أطفالها، مضيفًا أن أي اتفاق سيكون مشروطًا بدولة فلسطينية سلمية لا تهدد إسرائيل. وقد جاءت كلمة لابيد قبل أقل من ستة أسابيع من الانتخابات الإسرائيلية المقرر إجراؤها في نوفمبر المقبل.

‎وفي ظل تعالي الأصوات الناقدة لتصريح لابيد الداعي إلى حل الدولتين، وفي توقيت استمرت فيه الممارسات الإسرائيلية الاستفزازية على أرض الواقع؛ أُثيرت بعض التساؤلات حول توقيته وطبيعة الدولة الفلسطينية من وجهة النظر الإسرائيلية، والدوافع الحقيقية وراء طرح إسرائيل لحل الدولتين لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

أية دولة فلسطينية يريدها لابيد؟

يمكن قراءة ملامح الدولة الفلسطينية التي يقترحها لابيد في إطار دعوته إلى حل الدولتين، حيث تعد كيانًا تمزقه المستوطنات، فارغةً من مضمونها مقتطعة الأركان وليست جسمًا متماسكًا كأي دولة في العالم. من جانب آخر، تريدها إسرائيل أن تكون دولة سلمية، وفق ادعائها، وهو ما يمكن تفسيره بأن تتسم بالصفات التالية: أولها أن تكون منزوعة السلاح غير قادرة على الدفاع عن أمنها، وثانيها أن تعتمد بشكل كامل على إسرائيل أي تكون بمثابة كيان تابع وليس دولة. باختصار، فإن الدولة التي يتحدث عنها لابيد، هي دولة منقوصة ولا يمكن توصيفها بأنها دولة فعلية وفق محددات القانون الدولي.

فضلًا عما سبق، فإن الدولة المقترحة من قبل إسرائيل هي دولة غير واضحة الحدود تُبقي الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وتضم في داخلها ‏المستوطنات والأراضي التي فرضت إسرائيل سيطرتها عليها، وتستمر سيطرتها على مواردها الطبيعية. وبشكل عام، فإن دعوة لابيد لم تكن الأولى، فقد سبق وأعلن رئيس الحكومة الأسبق بنيامين نتنياهو تأييده لحل الدولتين في عدة مناسبات دون أن يقدم على أي خطوة عملية في هذا الاتجاه، بل أنه تباهى ‏بقدرته على طي هذا الملف على مدار سنوات طويلة‎.‎

التأييد اللفظي وعدم جدية الدعوة

في الوقت الذي يدعو فيه لابيد إلى حل الدولتين كحل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يزداد تغول الاستيطان الإسرائيلي، وتستمر الممارسات الإسرائيلية القمعية، وهو ما قضى على أية آمال فلسطينية بإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية؛ إذ قضت إسرائيل على مقومات وجود دولة فلسطينية مستقلة متصلة جغرافيًا، وعززت سياستها لتهويد القدس والمناطق الفلسطينية.

وبالتالي فإن دعوة لابيد تأتي في هذا التوقيت لأسباب ودوافع خفية، تقع خلف إطلاقة شعار “حل الدولتين” بصورة خاوية من مضمونه الأساسي، ومن الواضح أن تلك الدعوة جاءت بعيدة كل البعد عن المصداقية، ومن المؤكد عدم وجود نية إسرائيلية لتطبيق حل الدولتين بشكل جدي؛ ويرجع ذلك إلى الآتي:

أولًا: إن حكومة لابيد هي حكومة انتقالية مؤقتة، ولا تملك قرار تطبيق حل الدولتين، وهو ما يدركه لابيد جيدًا؛ لذلك، فإن تصريحه ليس إلا تأييدًا لفظيًا فقط يحمل خلفه أهدافًا ونوايا أخرى، تصب لا محالة في مصلحة إسرائيل بالأساس.

ثانيًا: إن كانت هناك نية إسرائيلية حقيقية لتطبيق حل الدولتين، لقام لابيد بالدعوة إلى الجلوس على طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين، وكسر الجمود الذي لطالما أصاب العملية التفاوضية لأعوام.

ثالثًا: لا تستطيع الحكومة الإسرائيلية تنفيذ حل الدولتين بشكل فعلي في ظل المعارضة الشعبية للفكرة، فقد أظهرت استطلاعات الرأي العام في إسرائيل، ومنها استطلاع أجرته القناة العبرية 13‏، أن 49% من الاسرائيليين لا يؤيدون حل ‏الدولتين ‏واقامة دولة فلسطينية مقابل تأييد 28‏‎%‎، وأشار استطلاع أجرته صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” أن أغلبية الإسرائيليين اليهود يعارضون الدفع قدمًا بحل الدولتين بين ‏إسرائيل والفلسطينيين، على الأقل في ‏المدى القريب‎.

رابعًا: بالنظر إلى الواقع، فإن الحكومات الإسرائيلية المتتالية لم تؤمن قط بحل الدولتين، وهناك صراع دائر في الأوساط السياسية الإسرائيلية بين مؤيدي إطلاق شعار حل الدولتين لاعتبارات تكتيكية ‏مؤقتة، وبين من يرون أن مسألة الدولة الفلسطينية انطوت إلى غير رجعة وتم تجاوزها ولا مجال ‏للعودة إلى حل الدولتين‎.‎

الدوافع الحقيقية وراء دعوة لابيد

1 – تسويق لابيد لنفسه قبيل الانتخابات: لعل أبرز ما تخفيه دعوة يائير لابيد إلى تطبيق حل الدولتين كسبيل لإنهاء الصراع هو اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، وما يستتبع ذلك من حاجته إلى الأصوات العربية داخل إسرائيل؛ إذ يطمح في جذب أكبر نسبة ممكنة من أصوات العرب في إسرائيل، خاصة في ظل وجود الأحزاب العربية الممثلة في القائمة المشتركة، والتي ستجذب أصواتًا ممن يذهبون للإدلاء بأصواتهم من فلسطينيي الداخل. ومن المقرر أن تجرى الانتخابات في الأول من نوفمبر المقبل، وسط استطلاعات تشير إلى احتمالية استمرار ‏الجمود السياسي الذي أدى إلى أن تخوض إسرائيل أربعة انتخابات برلمانية منذ عام 2019 لم تسفر عن أي نتائج حاسمة، ‏فيما تم تشكيل حكومتين ائتلافيتين لم تستمرا طويلا‎.‎

2 – امتصاص الغضب الفلسطيني: باتت العمليات الفردية التي يقوم بها فلسطينيون في الداخل الإسرائيلي من أكثر ما يقلق إسرائيل، حيث تزايدت تلك العمليات في الآونة الأخيرة وأصبحت من أبرز مصادر تهديد الأمن القومي الإسرائيلي، وقد أخفقت إسرائيل في السيطرة على تلك العمليات. على الصعيد الآخر، تتزايد حالة الغضب الفلسطيني جراء الممارسات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية وإصرار إسرائيل على الاستمرار في انتهاكاتها لحقوق الفلسطينيين، وهو ما يدركه المسؤولون الإسرائيليون، وبالتالي فقد جاء إطلاق الدعوة في هذا التوقيت على منبر الأمم المتحدة كمحاولة لامتصاص الغضب الفلسطيني وإرسال رسالة وهمية مفادها أن إسرائيل على استعداد لتهدئة الأوضاع والسماح بحل الصراع عبر تنفيذ “حل الدولتين” من وجهة نظرها.

3 – كسب ود إدارة بايدن: كرر الرئيس الأمريكي جو بايدن موقفه بأن الحل الوحيد للنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني هو في قيام دولة ‏فلسطينية تعيش جنبًا إلى جنب مع إسرائيل، وأكد بايدن في يوليو الماضي على دعم الولايات المتحدة لحل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني المستمر منذ عقود. وتأتي دعوة لابيد الآن تماشيًا مع التصريحات الأمريكية في هذا الشأن؛ رغبة في إظهار إسرائيل أمام الإدارة الأمريكية كدولة راعية للسلام للحصول على دعم أمريكي قبل إجراء الانتخابات الإسرائيلية.

4 – إظهار اسرائيل كدولة داعية للسلام: تأتي دعوة لابيد خلال كلمته بالأمم المتحدة استمرارًا لسياسة إسرائيل الدائمة التي تعتمد على استخدام لغة ماكرة تظهر إسرائيل كدولة داعية للسلام أمام المجتمع الدولي. ففي ظل تزايد الانتقادات الموجهة لإسرائيل نتاجًا لممارساتها القمعية على الأراضي الفلسطينية، تسعى إسرائيل لتجميل صورتها كمحتل للأراضي الفلسطينية تؤيد حل الدولتين وتخطو في طريق التسوية السلمية للصراع، من دون إعلانها عن أية آليات لتطبيق حل الدولتين الذي دعت إليه، وهو ما يؤكد صورية تلك الدعوة.

ردود الأفعال الإسرائيلية

فور انتهاء كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، تزايدت الانتقادات الموجهة إليه على خلفية دعوته لحل الدولتين، ولعل من أبرز المنتقدين لقرار لابيد، رئيس الوزراء المنتهية ولايته نفتالي بينيت، الذي كتب في منشور على “فيسبوك”: “ليس هناك أي مكان أو منطق لإعادة تعويم فكرة الدولة الفلسطينية على سطح الأجندة السياسية”، مشيرًا إلى أن الحكومة بقيادته حققت إنجازات دون تنازلات من شأنها أن تلحق الضرر بأمن دولة إسرائيل، وأكد أنه “لا يوجد مكان لدولة إضافية بين النهر والبحر ولا احتمال أو حياة لعملية سياسية مع الفلسطينيين”. وأضاف بينيت أن “الشعارات الفارغة مثل دولتان لشعبين يجب أن تبقى هناك في تسعينيات القرن الماضي إلى جانب صراعات أخرى ولّت وغابت”.

ومن جانبه، اتهم رئيس الوزراء الإسائيلي الأسبق بنيامين نتنياهو لابيد بمساعدة الفلسطينيين من خلال إثارة ‏قضيتهم في الأمم المتحدة‎.‎ وقال نتنياهو إن رئيس الوزراء يضع “الفلسطينيين مرة أخرى في قلب المسرح الدولي ويعيد إسرائيل إلى ‏الحفرة الفلسطينية‎”، ‎وأضاف: “اليوم يريد لابيد منح الفلسطينيين دولة إرهابية في قلب إسرائيل وهذه الدولة ستهددنا، لكن دعني ‏أقول لك هذا يا سيد لابيد: أنا وشركائي لن نسمح لك”، في إشارة إلى المحافظين المتشددين والمشرعين ‏الدينيين اليهود الذين يأمل أن يشكلوا ائتلافه المقبل، وهو الساعي جاهدًا للعودة إلى منصب رئاسة الوزراء‎.‎ وأشار نتنياهو إلى أن حديث لابيد يأتي في ظل ارتفاع وتيرة العمليات واعتراف قيادة جيش الاحتلال بأنهم لن ‏يتمكنوا من إنهاء حالة التوتر أو خفضها دون الاستعانة بأجهزة أمن السلطة لكي تقوم بدورها التقليدي في ‏مناطق الضفة لإحباط العمليات‎.‎

أما وزيرة الداخلية أيليت شاكيد، فعارضت بدورها الخطاب، وقالت إن لابيد لا يملك “شرعية جماهيرية ليورط إسرائيل بتصريحات من شأنها إلحاق الضرر بالبلاد”، مشددة على أن “لابيد يمثل نفسه فقط في هذا البيان وليس الحكومة، وأكدت أن الدولة الفلسطينية تشكل خطرًا على دولة إسرائيل”. وانتقد وزير القضاء جدعون ساعر، العضو في حكومة لابيد الانتقالية، تلك الدعوة المرتقبة بقوله إن “إقامة دولة إرهابية ستعرض أمن إسرائيل للخطر، ولن تسمح غالبية الشعب بحدوث ذلك”. 

وكذلك، استنكر وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني جانتس عرض لا بيد قائلًا “لا يمكن خلال المستقبل القريب التوصل إلى ‏تسوية دائمة، لكن يجب أن نسعى إلى تقليص الصراع، والحفاظ على الأمن، ومنع خطر دولة ثنائية القومية، ‏والحفاظ على علاقة مع الفلسطينيين”. ‏أما الصوت الوحيد الذي رحب بقرار لابيد فكان حزب “ميرتس”، حيث قالت رئيسة الحزب زهافا جلئون على تويتر: “ملايين الإسرائيليين والفلسطينيين يترقبون أفقًا سياسيًا يضع حدًا لحلقة الدماء”.

ردود الأفعال الفلسطينية

اتفق أغلب آراء المسؤولين الفلسطينيين على عدم جدية يائير لابيد في تنفيذ دعوته، فاعتبر الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير ‏لابيد، تأييده حل الدولتين “فارغا من مضمونه”، وتساءل على أي حدود سيكون حل الدولتين ومتى سينفذ‏؟‎ مضيفًا أن الشعب الفلسطيني وقيادته يريدون دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها ‏القدس الشرقية، مؤكدًا على ضرورة فهم إسرائيل أن السلام يجب أن يكون قائمًا على حدود 67 على رأسها ‏القدس الشرقية‎.‎ وأشار أبو ردينة إلى أن الجانب الفلسطيني ليس لديه أي ثقة بكل قرارات الحكومة الإسرائيلية، خاصة وأنها ‏تعلن يوميًا التزامها بالسلام ثم تقوم بعمليات قتل واقتحامات مدن وبناء مستوطنات‎.‎

في السياق ذاته، قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس إن دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لابيد لتنفيذ حل الدولتين “أمر إيجابي”، لكنه أوضح أن الاختبار الحقيقي لهذا هو العودة الفورية لطاولة المفاوضات. وركز عباس في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة على انتقاد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وقال: “الاختبار الحقيقي لجدية ومصداقية هذا الموقف، هو جلوس الحكومة الإسرائيلية إلى طاولة المفاوضات فورًا، لتنفيذ حل الدولتين على أساس قرارات الشرعية الدولية ذات العلاقة، ومبادرة السلام العربية، ووقف كل الإجراءات أحادية الجانب التي تقوض حل الدولتين”. ووصف سياسيون فلسطينيون، إعلان لابيد عن دعمه لـ”حل الدولتين” بـ”الخداع السياسي”، موضحين أن حكومة الاحتلال التي يرأسها لابيد ماضية في ارتكاب الجرائم بحق الشعب الفلسطيني. 

الخلاصة، يمكن القول إن دعوة يائير لابيد إلى حل الدولتين لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يمكن أن تكون مجرد شعار خاوٍ من مضمونه، إلا أن الأيام القادمة سوف تظهر مدى جدية الحكومة الإسرائيلية في تنفيذ دعوة لابيد من عدمها. وفي كل الأحوال يبقى حل الدولتين هو السبيل إلى تسوية القضية الفلسطينية والحفاظ على أمن إسرائيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى