الأكثر قراءةالأزمة الأوكرانية

كنوز اقتصادية: كيف ستستفيد روسيا من ضم المناطق الأوكرانية الأربع؟

أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم 30 سبتمبر 2022 ضم أربع مناطق أوكرانية إلى روسيا، بعد أن أجرت هذه المناطق استفتاءات أظهرت رغبة قاطنيها في الانضمام إلى الاتحاد الروسي؛ في تصعيد جديد للحرب قد يطيل أمدها، ولكن يدور في الأذهان سؤال عميق، وهي لماذا هذه المناطق الأربع بالذات؟ وما المنافع التي قد تحصل عليها موسكو من هذه المناطق تحديدًا؟

أربعة أقاليم تخضع للسيطرة الروسية

وسط احتفالية وطنية أشعلتها حماسة الحرب بالكرملين، وقّع الرئيس فلاديمير بوتين وثيقة حملت اسم “معاهدات الانضمام”، وهو قرار من شأنه أن يسمح باستيعاب أربع مناطق أوكرانية خاضعة لسيطرة القوات الروسية وهي مدينتي “خيرسون” و”زابوريجيا” الجنوبيتين، بالإضافة إلى “دونيتسك” و”لوهانسك” الواقعتين في إقليم دونباس شرق أوكرانيا.

ومما لا شك فيه أن السيطرة على منطقتي دونيتسك ولوهانسك تحديدًا شكّلت منذ انطلاق العملية العسكرية الروسية على الأراضي الأوكرانية في 24 فبراير 2022 هدفا أساسيًا للروس، من أجل ربط المناطق الشرقية تدريجيًا مع شبه جزيرة القرم التي تسيطر عليها جنوبًا. ومع توجه الأمور في روسيا نحو إعلان القرار الحاسم، برزت عدة أسئلة حول أهمية هذه المناطق بالنسبة إلى الكرملين ولماذا يحمل قرار إلحاقها بروسيا أبعادًا تاريخية واقتصادية واستراتيجية لها أهمية خاصة بالنسبة لبوتين حاليًا؟ خاصة وأن هذه المناطق تمثل حوالي 40 ألف ميل مربع، أو حوالي سُبع الأراضي الأوكرانية.

أبعاد استراتيجية تتعلق بأهمية الموقع الجغرافي

في البداية، يجب التوقف عند الأبعاد التاريخية والجغرافية التي جعلت إقليم دونباس ومحطيها محورًا أساسيًا ومهمًا للحرب في أوكرانيا؛ فمنطقتا لوهانسك ودونيتسك الإداريتان تنتميان إلى مناطق أوكرانيا التي تعد فيها اللغة الروسية هي اللغة الأم لكثير من المواطنين، بجانب أن نسبة السكان ذوي الأصول الروسية أيضا عالية فيها مقارنة بالمناطق الأخرى. ولهذا نجد أن بوتين يسعى بإصرار إلى استعادة تاريخ روسيا الذي كان في الحقبة السوفيتية، وروسيا القيصرية، وهذا واضحٌ من ضمه شبه جزيرة القرم عام 2014 لنفس السبب، والآن هو يحاول أن يوسع الرقعة، ويستحوذ على الأجزاء الشرقية والجنوبية من أوكرانيا، من أجل الحصول على مزايا جيوسياسية، وأمنية، واقتصادية أيضًا.

ولعل الهدف الأساسي يكمن في “أهمية الموقع” الذي يضمن أمان الحدود الغربية لروسيا، وبالتأكيد هذا لن يتحقق إلا بتوسع جغرافي يضمن بشكل كامل السيطرة على الممرات البحرية الجنوبية في حوض آزوف والبحر الأسود، وبما يؤمن أيضًا إقامة رابط بري مستقر للأراضي الروسية مع شبه جزيرة القرم؛ إذ إن هذه المنطقة تحديدًا مع اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا سرعان ما تحولت إلى منطقة ضعيفة ورخوة يسهل الهجوم عليها واستهداف روسيا من خلالها.

لذلك كان التركيز منذ بداية الحرب على أهمية السيطرة المطلقة على منطقتي دونيتسك لوهانسك، وفرض سيطرة مماثلة على مدينة خيرسون التي تعد الرئة الأساسية التي تربط شبه الجزيرة ببقية مناطق البلاد عبر البر، فضلًا عن خطة تحويل بحر آزوف إلى بحيرة روسية مغلقة، ما يمنح الروس حرية الحركة على الصعيد العسكري البحري، وتمكنهم من مواجهة تزايد الحضور العسكري الغربي في البحر الأسود. ومع ضمان أن هذه المناطق ستكون ضمن الحدود الروسية، ستحصل موسكو على حزام جغرافي واسع النطاق يعزز مجالها الأمني، حتى لو نجح الغرب في تعزيز حضور عسكري على الضفة الغربية لنهر “دنبير”.

الاستفادة الاقتصادية وراء قرار الكرملين

الأبعاد التاريخية والجغرافية ليست وحدها وراء القرار بضم المناطق الأربعة، فموسكو لديها نظرة أعمق من ذلك بكثير، فبالإضافة إلى ما تتمتع به أوكرانيا من موقع عسكري وجغرافي فريد، إلا أن اقتصاد أوكرانيا له أهمية عالمية تكمن في مواردها الطبيعية المتركزة في قطاعي الزراعة والتعدين، إضافة إلى بعض القوة الصناعية الموروثة من الاتحاد السوفيتي السابق، فضلًا عن أنها مركز بحري مهم لروسيا.

وبالتفصيل، سوف نستعرض كيف يطمح الروس من خلال عملياتهم في أوكرانيا إلى جعلها رافعة اقتصادية تسهم في تنوع وتكامل اقتصادهم المعتمد إلى حد كبير حتى الآن على عوائد الطاقة، فبتقسيم أوكرانيا اقتصاديًا نجد أنها تنقسم إلى مناطق استراتيجية تكمن في:

1- إقليم “الدونباس”، وهو قلب أوكرانيا الصناعي، ويعد من أبرز الأقاليم الصناعية في أوكرانيا، فهو يقدم نحو 4/5 من الإنتاج الصناعي فيها، لا سيما الصناعات الثقيلة والتعدينية، إلى جانب غناه بمصادر الطاقة الحرارية والكهربائية، وبثرواته الزراعية. وعندما كانت دونباس تابعة لروسيا في العهد السوفيتي، كانت مركزًا للصناعة الروسية وقلبًا للثورة الصناعية بعد اكتشاف الفحم الحجري، وبعد الانفصال، كافح الاقتصاد الأوكراني من أجل إنتاج السلع الأساسية والمعدات التي تعتمد على المعادن الطبيعية، فبلغ الناتج المحلي من هذا القطاع عام 2021 نحو 200 مليار دولار.

2- الإقليم الجنوبي الغربي، الذي يجمع بين التربة الغنية (السوداء) والمناخ الحار الرطب، وهذا ما يساعد على نشوء الزراعات الكثيفة، ويتصف هذا الإقليم كذلك بتخصصه الصناعي، وخاصة صناعة الآلات والمعدات والأجهزة والصناعات الخفيفة والصناعات الغذائية.

3- الإقليم السهبي على مشارف البحر الأسود، الذي يتصف بأهميته الزراعية، لا سيما زراعة الحبوب، إلى جانب أهمية الإقليم من الناحية الصناعية في مجال صناعة السفن والمعدات والآلات الزراعية، والصناعات الكيمياوية والخفيفة. 

  • دونباس “دونيتسك ولوهانسك”

تربط دونيتسك ولوهانسك حدود مشتركة طويلة مع روسيا، وتقطنهما أغلبية ناطقة بالروسية، علمًا بأن عدد السكان من أصول روسية لا يزيد على 40%. وتبلغ مساحة “دونيتسك” حوالي 26.52 ألف كيلو متر مربع، ويسيطر على نصف هذه المساحة الانفصاليين منذ 2014، ما يعني ان قرار ضمها إلى روسيا سوف يجعل نحو نصف أراضيها مصنفة كـ “أراض محتلة من جانب أوكرانيا”، ويقطن بها وفقا لدائرة الاحصاء نحو 2.2 مليون نسمة، أما “لوهانسك”، فتبلغ مساحتها نحو 26.68 ألف كيلو متر مربع، وتضم نحو 1.4 مليون نسمة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يعد هذا الإقليم من أبرز الأقاليم الصناعية في أوكرانيا، ويسمى بـ “سلة الصناعة والغذاء”، لا سيما الصناعات الثقيلة والمعدنية، وتشير الإحصائيات إلى أن نحو 70% من ثروات أوكرانيا تتركز في هاتين المنطقتين، ويضمان أكبر مناجم الفحم الحجري والحديد والصلب في أوكرانيا.

حقل الفحم الذي يمتد عبر الشرق إلى الأراضي الروسية، هو رابع أكبر حقل في أوروبا، مع احتياطيات قابلة للاستخراج تقدر بأكثر من 10 مليارات طن. وتشتهر منطقة دونيتسك بكثرة مناجم الفحم الحجري ومعامل الحديد والصلب التي يعمل فيها معظم السكان، حيث فيها 13 منجما كبيرا للفحم، وعشرات المناجم الصغيرة، وفيها 9 مصانع لإنتاج فحم الكوك، و10 مصانع لإنتاج القضبان وغيرها من منتجات الصناعات الحديدية.

ينتج سكان المنطقتين حوالي 20% من الناتج المحلي الإجمالي وحوالي ربع حجم الصادرات الأوكرانية. وعلاوة على ذلك، توفر العديد من الشركات في شرق أوكرانيا موادًا خام ومنتجات مهمة لروسيا، خاصة لصناعات الفضاء والدفاع الروسية، مثل تلك التي تدخل في صناعة اثني عشر نوعًا من الصواريخ الباليستية الروسية العابرة للقارات، إلى جانب قطع الغيار والصيانة، فضلًا عن إنتاج فولاذ خاص لدبابات القوات المسلحة الروسية. 

هذا بالإضافة إلى مدينة “ماريوبول” الاستراتيجية المطلة على الساحل الشرقي لأوكرانيا، والتي تعد من بين أهم موانئ التصدير في البلاد التي تقع ضمن الحدود الإدارية لدونيتسك، وبالسيطرة على “ماريوبول”، سيتحقق لروسيا ما يلي:

تأمين ممر بري بين القرم ودونباس: بنجاح موسكو في الاستحواذ على الميناء، فهذا يعني سيطرتها على أكثر من 80% من الساحل الأوكراني على البحر الأسود، ما سيمكنها من قطع نشاط أوكرانيا التجاري البحري، وزيادة عزلة كييف عن العالم الخارجي، فضلًا عن حرمان أوكرانيا من شواطئها على بحر آزوف والبحر الأسود.

خنق الاقتصاد الأوكراني: ماريوبول أكبر الموانئ في منطقة بحر “آزوف” وتضم مصانع كبرى للحديد والفولاذ فيها، فضلًا عن أنها مركز مهم لتصدير الفولاذ والفحم والحبوب من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط ومناطق أخرى.

  • زابوريجيا وخيرسون

تضم منطقة زابوريجيا 5 مقاطعات و14 مدينة، وتبلغ مساحتها 27.18 ألف كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها 1.636 مليون شخص، يعيش 43% منهم حاليًا في المنطقة. وتكمن أهمية هذه المنطقة الاستراتيجية في كونها تشكل عقدة الربط والمواصلات البرية والنهرية ونقل البضائع.  فضلًا عن ذلك، تضم المقاطعة محطة “ زابوريجيا النووية” الأكبر في أوروبا والرابعة على مستوى العالم، وحاليًا تسيطر روسيا على المحطة بالكامل وعلى 70% من المقاطعة ككل.

أما منطقة “خيرسون” فتبلغ مساحتها 28.46 ألف كيلومتر مربع، وتقع شمال شبه جزيرة القرم، ويبلغ عدد سكانها أقل بقليل من مليون نسمة يعيش نحو ربعهم تقريبًا حاليًا فيها، وتضم 5 مناطق، وتربطها حدود مع شبه جزيرة القرم من الجنوب، وبحر آزوف من الجنوب الشرقي، والبحر الأسود من الجنوب الغربي. وتعد منطقة ميناء خيرسون منطقة متخصصة في بناء السفن وتشتهر بالمنتجعات والزراعة.

وبناء على ذلك، تستفيد روسيا بشكل كبير من ضم المناطق الأربع دونيتسك ولوهانسك وخيرسون وزابوريجيا إلى أراضيها على مختلف المستويات الاقتصادية والتجارية والاستراتيجية، وهو ما يتكامل بشكل كبير مع ضمها لشبه جزيرة القرم في عام 2014. ومن شأن قرار ضم هذه المناطق أن يصبح ورقة اقتصادية مهمة تسهم في تعزيز القوة الشاملة الروسية بناء على ما تحكم به مجريات الحرب الدائرة.

مي صلاح

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى