الاقتصاد الدولي

هل يتجه العالم إلى موجة ركود اقتصادي؟

تتعرض القوى الاقتصادية الثلاث الرئيسة في العالم (الولايات المتحدة والصين والاقتصادات الأوروبية الرئيسة) لمخاطر مستقبلية نتيجة تباطؤ نمو اقتصاداتها، وانعكس ذلك على الاقتصاد العالمي الذي يدفع ثمنًا باهظًا للحرب الروسية الأوكرانية، خاصة وأن دول العالم لم تتعافَ بالكامل من آثار جائحة كورونا. وازدادت الرياح المعاكسة للاقتصاد العالمي مع ضعف مؤشرات النمو وارتفاع معدلات التضخم واتجاه أسعار الطاقة والغذاء للتصاعد، مما دفع البنوك المركزية إلى اتخاذ سياسة تشددية أسهمت في ضغوط مالية كبيرة على الدول وتراجع في تصنيفات بعضها الائتمانية. ومع تعرض النشاط العالمي لصدمة سلبية هذا العام، جاءت التوقعات تشاؤمية بأنه لا يوجد في الأساس أي انتعاش متوقع في العام المقبل، بل وأن العالم قد يتعرض لركود وتزايد عدم الاستقرار المالي، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي.

مفهوم الركود العالمي

بحسب صندوق النقد الدولي، فإنه للقول بأن العالم يشهد ركودًا عالميًا يجب أن يحدث تراجع للنمو العالمي يتزامن معه ضعف مؤشرات الاقتصاد الكلي الأخرى لفترة زمنية طويلة، مثل: التجارة، وتدفقات رأس المال، والعمالة، وغيرها. وحدد صندوق النقد الدولي خمس مرات شهد العالم فيها ركودًا اقتصاديًا بعد الحرب العالمية الثانية وهي بدءًا من 1975، و1982، و1991، و2009 وأخيرًا في عام 2020 والذي يعد أسوأ ركود عالمي على الإطلاق منذ الكساد الكبير؛ بسبب التنفيذ الواسع لسياسة الإغلاق للسيطرة على انتشار فيروس كورونا المستجد، والتي أثرت على معدلات التبادل التجاري والنشاط الاقتصادي العالمي بشكل عام.

وبمقارنة تلك الفترات بالفترة الحالية، فقد أدت الحرب إلى مزيد من الضغط التصاعدي على الأسعار الدولية للطاقة والسلع الأولية، مما أدى إلى إرهاق ميزانيات الأسر وزيادة تكاليف الإنتاج. وبالإضافة إلى ذلك، تسببت الاضطرابات في التجارة وآثار العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا إلى هروب الاستثمارات وتركت تأثيرًا مخيفًا على الاستثمار طويل الأجل في الدول، مما أدى إلى حدوث تباطؤ في النمو بأكثر من المتوقع، ودفع صندوق النقد الدولي إلى تعديل توقعاته بالسلب بشأن النمو والتضخم العالمي للمرة الثالثة خلال العام في تقرير يوليو 2022.

تطور النمو العالمي ومعدلات التضخم لعام 2022

خفض صندوق النقد والبنك الدوليين وعدد من المؤسسات الدولية الأخرى ومنها هيئة التجارة والتنمية التابعة للأمم المتحدة من توقعاتها للنمو الاقتصادي العالمي لعام 2022 إلى 2.6% من 3.6%؛ بسبب حرب أوكرانيا والتغيرات في سياسات الاقتصاد الكلي التي اتخذتها البلدان في الأشهر الأخيرة. فقد عززت الحرب من اتجاهات التضييق النقدي في البلدان المتقدمة، وتبعتها البلدان النامية بسبب الضغوط التضخمية، مع خفض الإنفاق المتوقع كذلك في الميزانيات القادمة.

ففي الولايات المتحدة، سيؤدي انخفاض القوة الشرائية للأسر وتشديد السياسة النقدية إلى انخفاض النمو إلى 2.3% هذا العام و1% العام المقبل. وعلاوة على ذلك، وسط تفشي كوفيد-19 والإغلاقات بجانب الأزمة العقارية المتفاقمة في الصين، كان التباطؤ أسوأ مما كان متوقعًا بنسبة 3.3% عام 2022. وفي منطقة اليورو، تم تعديل النمو إلى 2.6% هذا العام و1.2% في عام 2023، ويمكن متابعة تطور النمو العالمي ومعدلات التضخم لعام 2022 بحسب البنك الدولي من خلال الشكل التالي:

يبين الشكل السابق تصاعد الضغوط التضخمية للاقتصاد العالمي؛ إذ يواجه معدلات التضخم المتزايدة تلك تباطؤ حاد للنمو الاقتصادي العالمي. فضلًا عن أن ارتفاع تكاليف الاقتراض العالمية يؤدي إلى زيادة مخاطر الإجهاد المالي بين العديد من اقتصادات الأسواق الناشئة والنامية. 

ولكن قد تساعد التعديلات في السياسة النقدية التي اتخذتها الدول لمواجهة التضخم في الوقت المناسب في احتواء الموجات التضخمية، وفي نفس الوقت قد يؤدي التنسيق مع السياسة المالية في التوجه نحو التشديد وتقديم الدعم للفئات الأكثر ضعفًا في تحقيق استقرار الأسعار والسيطرة على التضخم.

وبناء على ما سبق، بالرغم من محاولات صانعي السياسات لكبح جماح التضخم من خلال رفع أسعار الفائدة ومحاولة تجنب الدخول في حالة من الركود الاقتصادي فإن التدهور الواضح في معدلات نمو الاقتصاد العالمي لا ينذر بالخير؛ فالإجراءات التي تم اتخاذها لاحتواء الضغوط التضخمية تشبه سياسات مكافحة التضخم المطبقة في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، قبل الركود العالمي عام 1982، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، فإنه وحتى مع تشديد السياسة النقدية، لم تكن هذه السياسات كافية للسيطرة على التضخم، بل استمر التضخم العالمي في الارتفاع. ومن ثم فإن التشديد الإضافي سيؤدي إلى المزيد من الضغوط المالية مما يزيد من احتمالية تعرض العالم لركود عام 2023.

وبحسب تصريحات للبنك الدولي، فإنه من الصعب القول إن العالم لن يدخل في حالة من الركود، ولكن يظل هناك عدد من الخطوات إذا تمت مراعاتها قد تساعد في التخفيف من الأزمة، ومنها تنشيط سوق العمل وتوفير العمالة من خلال إتاحة التطابق بين الوظائف المتاحة وتفضيلات العمال ومهاراتهم، مما يقلل من ضغوط الأسعار والمساهمة في النمو.

هذا إضافة إلى أن تنسيق الجهود العالمية قد يساعد في توفير المعروض من السلع وتنشيط معدلات التبادل التجاري بين الدول مما يسهم في تراجع أسعار السلع بشكل عام وخاصة السلع الغذائية. وبالنسبة لأسعار الطاقة، فإنه بالاعتماد على المخزونات الاستراتيجية والتحول نحو بدائل مصادر الطاقة منخفضة الكربون وانتهاج تدابير لخفض استهلاك الطاقة قد تجري السيطرة على ارتفاع أسعار الطاقة وبالتالي تراجع معدلات التضخم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى