الأزمة الأوكرانيةأسواق وقضايا الطاقة

أزمة خطي نورد ستريم.. تسرب أم استهداف؟

وسط تحذيرات من كارثة مناخية غير مسبوقة، وبعد دخول أزمة تسرب أنبوب الغاز الروسي نورد ستريم يومها الرابع، ووسط تبادل الاتهامات بين موسكو وواشنطن، وتحقيقات أوروبية، ودخول حلف الناتو على خط الأزمة؛ هل يصبح نورد ستريم نقطة توتر أخرى بين موسكو وواشنطن في البلطيق؟

وبالرغم من غياب تفاصيل كثيرة، وعدم توجيه أصابع الاتهام إلى جهة بعينها؛ فإن ما يجري الحديث عنه عالميًا هو أن انفجارات قد حدثت في أنابيب خطي نورد ستريم، وقبل يوم واحد فقط من الاحتفال بإطلاق خط أنابيب البلطيق، والذي يحمل الغاز من النرويج إلى بولندا، والذي يُشكل ثمرة جهود وارسو لتنويع مصادر الغاز الطبيعي، وذلك بدلًا من الاعتماد الكامل على الغاز الروسي.

ومنذ الإبلاغ عن تسرب في خط نقل الغاز الروسي إلى أوروبا نورد ستريم، هناك موجة من الاتهامات المتبادلة بين موسكو وواشنطن، حيث أدت تسريبات خطي أنابيب الغاز الروسيين إلى حدوث خلل في بحر البلطيق الثلاثاء الماضي، وأثارت مخاوف من القارة الأوروبية بشأن تخريب البنية التحتية وذلك في الأزمة التي تعيشها دول القارة، ولكن لم يتضح بعد من الذي قد يكون وراء تلك اللعبة و التخريب المتعمد لخطوط أنابيب نورد ستريم والتي أنفقت موسكو والاتحاد الأوروبي مليارات الدولارات عليها.

الأهمية الاستراتيجية لخطوط نورد ستريم

انفجرت خطوط أنابيب الغاز الروسي في عدة مواقع بالمناطق الاقتصادية الخالصة للدنمارك والسويد، وفي وقت لم يكن به أي من الخطين يعمل ولكن مع وجود كميات كبيرة من الغاز بهما، وسط أزمة طاقة بين روسيا وأوروبا، حيث كانت خطوط الأنابيب، والمصممة لمرور الغاز من شبه جزيرة يامال بغرب سيبيريا مباشرة إلى برلين، محور حرب طاقة بين موسكو وأوروبا؛ وذلك بسبب العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، ومن هنا يجب الحديث عن الأهمية الاستراتيجية لخطوط نورد ستريم.

تُشكل خطوط نورد ستريم المسار الرئيس للغاز للقارة الأوروبية وذلك طبقًا للكميات الكبيرة وأيضًا للطاقة الاستيعابية من الغاز، بالإضافة إلى كونها خطوطًا استراتيجية تربط موسكو بدول القارة الأوروبية. وتمتلك نورد ستريم وتديره شركة نوردستريم أي جي، والتي تمتلك شركة غازبروم الروسية التابعة للدولة معظم أسهمها.

وخطوط نورد ستريم هي:

نورد ستريم-1: والذي يُعد أكبر خط أنابيب غاز روسي إلى أوروبا من ناحية الكمية والتي تبلغ حوالي ٥٥ مليار متر مكعب سنويًا، ويمتد هذا الخط المزدوج عبر بحر البلطيق إلى ألمانيا، وعلى عمق حوالي ١٢٠٠ كيلومتر تحت بحر البلطيق. وفي العامين الماضيين، فاق بالفعل طاقته المبينة على لوحة بياناته محققًا أكثر من حوالي ٥٩ مليار متر مكعب في عام ٢٠٢١، وقد افتُتح منذ حوالي ١٠ سنوات ويمكنه نقل نحو حوالي ١٧٠ مليون متر مكعب من الغاز يوميًا كحد أقصى من روسيا إلى ألمانيا.

نورد ستريم-2: وهو خط أنابيب ثانٍ مزدوج بنفس الحجم السابق، تم استكماله في عام ٢٠٢١ ولكن ألمانيا رفضت اعتماد تشغيله وذلك بعد أن بدأت روسيا عملياتها العسكرية في أوكرانيا، ولكن به كميات من الغاز.

وبصفة عامة، يتكون كل خط من خطوط الأنابيب من حوالي ١٠٠ ألف من الأنابيب الفولاذية المطلية بالخرسانة وزنها أكثر من ٢٤ طنًا، والتي وُضعت في قاع بحر البلطيق، ويبلغ قطر خطوط الأنابيب الداخلية حوالي ١٬٢ مترًا. ومنذ شهر أغسطس، خفضت موسكو إمدادات الغاز إلى أوروبا عبر نورد ستريم، وذلك قبل تعليق الإمدادات بالكامل في أغسطس الماضي بسبب العقوبات الغربية والتي كانت ذريعة لوقف إمدادات الغاز الروسي، فكانت خطوط أنابيب نقل الغاز الروسي إلى أوروبا نورد ستريم بؤرًا ساخنة في حرب الطاقة المتصاعدة بين العواصم الأوروبية وموسكو والتي ضربت الاقتصادات الغربية الرئيسة، وأدت إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي إلى مستويات غير مسبوقة.

C:\Users\dell\Desktop\IMG-20220906-WA0026.jpg

أصدرت الهيئة البحرية السويدية الثلاثاء الماضي تحذيرًا بشأن تسربين (أحدهما في المنطقة الاقتصادية السويدية والآخر في المنطقة الدنماركية، كانا شمال شرق بورنهولم في الدنمارك) في خط أنابيب نورد ستريم-1 في اليوم التالي لاكتشاف تسرب في خط أنابيب نورد ستريم-2.

وكان مشغل خط أنابيب الغاز نورد ستريم-2 قد أبلغ عن انخفاض مفاجئ في الضغط الاثنين الماضي، مشيرًا إلى احتمال حدوث تسرب، وهو ما دفع الدنمارك إلى تقييد الشحن وفرض منطقة حظر طيران صغيرة، وأعلنت الدنمارك أن التسريبات الثلاثة الكبيرة من خطي أنابيب الغاز نورد ستريم في بحر البلطيق ظهرت على السطح مشكلة دوائر يتراوح قطرها ما بين حوالي ٢٠٠ و١٠٠٠ متر.

مواقف مختلفة من الحادث

تبادلت موسكو ودول الاتحاد الأوروبي الاتهامات بشأن الجهة التي تقف وراء هذا التسرب، بعد اتهام كييف لموسكو بشكل مباشر بالوقوف وراء الهجمات الإرهابية المدبرة، وتلميحات أخرى من مسؤولين غربيين، وتهديدات ووعيد، ومن هنا نلقي الضوء على أبرز المواقف في هذا الشأن:

اعتبرت كييف أن التسرب غير المفسر للغاز من ثلاثة مواقع من خطي أنابيب الغاز نورد ستريم هو نتيجة هجوم إرهابي مخطط له من موسكو، بدون أن تقدم أي براهين على قولها. وصرح ميخايلو بودولياك مستشار الرئاسة الأوكرانية على تويتر بأن تسرب الغاز على نطاق واسع من نورد ستريم ليس إلا هجومًا إرهابيًا مخططًا له من قبل روسيا وعملًا عدوانيًا ضد الاتحاد الأوروبي. 

دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين صرح بـ: “أننا قلقون للغاية حيال هذه الأنباء”، وأضاف ردًا على سؤال عن احتمال أن يكون ذلك ناجمًا عن عملية تخريب: “لا يمكن استبعاد أي فرضية في الوقت الحالي، والكرملين قلق بشدة إزاء هذه الواقعة والتي تتطلب إجراء تحقيق فوري في ملابساتها لأنها قضية تتعلق بأمن الطاقة في القارة بأكملها”.

ميتي فريدريكسن رئيسة وزراء الدانمارك صرحت بأنه من الصعب التصور بأن تسرب الغاز في ٣ مواقع من خطي نورد ستريم بصورة متزامنة أمر عرضي، ولا نستبعد عملية تخريب. 

المتحدث باسم مجلس الأمن القومي التابع للبيت الأبيض علق بالقول “إن شركاءنا الأوروبيين يجرون تحقيقًا؛ نحن مستعدون لدعم جهودهم”، ورفض التكهن بأسباب هذا التسرب، مضيفًا: “ما حصل يعكس أهمية جهودنا المشتركة لإيجاد إمدادات غاز بديلة لأوروبا”.

ماريا زاخاروفا المتحدثة باسم الخارجية الروسية صرحت بأنه (في فبراير الماضي قال جو بايدن إن نورد ستريم سينتهي أمره إذا غزت روسيا أوكرانيا، بايدن ملزم بالإجابة عما إذا كانت الولايات المتحدة نفذت تهديدها) وأعلنت زاخاروفا “تعتزم موسكو الدعوة إلى اجتماع رسمي لمجلس الأمن الدولي في إطار الاستفزازات المتعلقة بخطي أنابيب الغاز نورد ستريم”.

شارل ميشال رئيس المجلس الأوروبي صرح بأن أعمال التخريب في نورد ستريم مسعى لتعطيل إمدادات الطاقة للاتحاد الأوروبي بشكل أكبر.

ينس ستولتنبرج الأمين العام لحلف الناتو صرح بأن تسريبات خطي أنابيب نورد ستريم عمل تخريبي، مضيفًا أنه ناقش حماية البنية التحتية الحيوية في بلدان الحلف مع وزير الدفاع الدنماركي.

أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية صرحت بأن الحادث هو عمل تخريبي، وكتبت على تويتر: “لقد تحدثت مع رئيسة الوزراء الدنماركية عن الفعل التخريبي الذي استهدف نورد ستريم، من الأهمية بمكان التحقيق في هذه الأحداث وجلاء كل ملابساتها وأسبابها”. وحذرت لاين من أن أي تعطيل متعمد لبنية تحتية للطاقة في أوروبا هو غير مقبول وسيؤدي إلى أقوى رد ممكن.

حذر الاتحاد الأوروبي من أي هجوم على منشآت الطاقة التابعة له في بيان صادر عن جوزيف بوريل مسؤول السياسة الخارجية، وأكد على أن أي عبث متعمد بمنشآت الطاقة الأوروبية غير مقبول بتاتًا وسيقابل برد قوي وموحد، وشدد بوريل على أن كل المعلومات المتوافرة تشير إلى أن تسرب الغاز في بحر البلطيق ناجم عن عمل متعمد.

ولكن يظل السؤال من هو المستفيد الأكبر من الأزمة؟ ومن هذا التساؤل يمكننا وضع بعض الفرضيات طبقًا لقراءة المشهد الحالي وبعد اقتراب الحرب الروسية الأوكرانية من شهرها الثامن. 

من المستفيد الأكبر؟

منذ عقود طويلة، قدمت موسكو، وبالتعاون مع دول القارة الأوروبية وبالتحديد ألمانيا، نفسها كأكبر مزود للطاقة وخاصة الغاز الطبيعي اللازم لتوليد الطاقة الكهربائية، فوصلت حصة روسيا من الغاز الطبيعي إلى قرابة أكثر من ٤٠٪ من إجمالي استهلاك أوروبا للغاز الطبيعي سنويًا في العام الماضي، بأكثر من حوالي ١٧٥ مليار متر مكعب سنويًا.

وكذلك، كانت روسيا تمد دول الاتحاد الأوروبي يوميًا بمتوسط مليوني برميل من النفط الخام، وقرابة ١٬٨ مليون برميل يوميًا من المشتقات. وتراجعت إمدادات موسكو من الغاز الطبيعي بنسبة تخطت حوالي ٦٥٪ في الوقت الحالي، وربما ترتفع إلى أكثر من حوالي ٩٠٪ بعد الإعلان عن تسرب للغاز في أهم أنبوبين حاليين يزودان أوروبا. وبحلول نهاية العام الجاري، تدخل حزمة عقوبات أوروبية ضد روسيا، تطال صناعة النفط، عبر حجب واردات النفط البحرية وكذلك المشتقات. 

ووفقًا للمصالح المشتركة فيما يتعلق بمسألة الغاز الطبيعي نستطيع تلخيص الاستفادة لكل طرف من أطراف الصراع:

كييف: قد تكون مرشحة لإلحاق الضرر بخطي نورد ستريم؛ للتسبب في ضرب موسكو في أهم شريان اقتصادي لها وهو الغاز وبالأخص خط أنابيب نورد ستريم حيث تبلغ الطاقة الإنتاجية السنوية المشتركة لخطي نورد ستريم حوالي أكثر من ١١٠ مليارات متر مكعب أي ما يُعادل نصف حجم صادرات الغاز الطبيعي لروسيا، بالإضافة إلى إمكانية تعزيز بذلك دور خط دروجبا السوفيتي والذي يمر عبر أراضيها وينقل الغاز أيضًا من موسكو إلى أوروبا الغربية.

موسكو: قد تكون هي وراء هذا العمل التخريبي؛ بهدف إرهاب دول الاتحاد الأوروبي قبل حلول فصل الشتاء وردًا على سعيهم إلى فرض عقوبات إضافية على موسكو والغاز الروسي، وأيضًا على فكرة خط أنابيب البلطيق، بالإضافة إلى دعمهم لكييف. وبكل تأكيد موسكو معنية بالحصول على عائدات مالية من خلال بيع الغاز إلى أوروبا، ولكنها في الوقت ذاته تريد أن تمارس ضغوطًا اقتصادية على الدول الأوروبية وإغراق اقتصاداتها في أزمات قد تنعكس على الشارع وعلى الوضع السياسي واستقرار هذه الدول.

لكن المشكلة في هذه المسألة أن تدمير موسكو لخطوطها يعني أنها ستفقد كل نفوذها داخل الاتحاد الأوروبي، وهو أمر مستبعد لعقلية مثل بوتين أن يهدم نظرية الأخطبوط (خطوط الأنابيب الروسية المنتشرة في قلب القارة الأوروبية)، وبالتالي نتيجة التسريبات خسرت موسكو الورقة الرابحة التفاوضية والأهم في الأزمة الروسية الأوكرانية.

واشنطن: قد تكون هي التي تقف وراء تلك التسريبات وإلحاق الضرر بأهم شرايين أوروبا وهي خطي نورد ستريم؛ وذلك بسبب التخوف الأمريكي من خروج دول أوروبية من التكتل الأوروبي-الأمريكي ضد موسكو وإنهاء العقوبات المفروضة على روسيا مع اقتراب فصل الشتاء، وذلك لإنقاذ نفسها من أزمة نقص إمدادات الطاقة والغاز الطبيعي.

ولطالما عارضت واشنطن اعتماد الدول الأوروبية وبالأخص ألمانيا على الغاز الروسي، وفى هذا السياق يجب الإشارة إلى سعي واشنطن إلى توريد ما لا يقل عن ١٥ مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال إلى أسواق الاتحاد الأوروبي بنهاية العام الحالي في الوقت الذي تسعى فيه دول الاتحاد الأوروبي إلى التخلص من إمدادات الغاز الروسي. وتُعد واشنطن أكبر المستفيدين من الأزمة الروسية الأوكرانية؛ فقد حققت تقدمًا كبيرًا في أسواق الغاز المسال، ويأتي في مقدمة أولوياتها دفع وتطوير الأزمة إلى هذه الدرجة وبمعنى أشمل أن القطيعة تستمر وتزداد ليس على الصعيد العسكري والسياسي بل الاقتصادي أيضًا.

أنقرة: يمكن لتركيا أن تكون من المستفيدين من الوضع الحالي؛ لأن وقف خطي نورد ستريم سيؤدي إلى استفادة خط ترك ستريم الذي ينقل أيضا الغاز من روسيا إلى أوروبا وذلك من خلال البحر الأسود.

القارة الأوروبية: ليس من السهل قبول نظرية المؤامرة من دول الاتحاد الأوروبي وتخريب خطي نورد ستريم لأنها آخر آمال القارة في فرصة ممكنة لوصول الغاز لها قبل فصل الشتاء، وبالتالي أوروبا بعيدة تمامًا عن هذا العمل التخريبي المتعمد. 

لماذا تشير كل المؤشرات إلى أنه عمل تخريبي؟

منذ بدء العمل في نورد ستريم عام ٢٠١١، لم يحدث أي نوع من التسريبات على الإطلاق (أكثر من ١١عامًا) لأنه قبل إنشاء هذا الخط تم إجراء دراسات اقتصادية وبيئية وأمنية تضمن عدم حدوث أي نوع من التسريبات.

ومما سبق، وبالإضافة إلى طريقة بناء وتشييد خطي نورد، ووقوع التسريبات في ثلاثة أماكن متفرقة يفصل بينها نحو 70 كيلو مترًا، ومع صعوبة فرضية أن التسريبات ناتجة عن أي هزات أرضية لأن مركز الأبحاث الجيولوجي الألماني سجل اهتزازين، الأول بقوة ١٬٩الساعة ٠٣:١٢ صباحا بتوقيت جرينتش، والثاني بقوة ٢٬٣ وذلك الساعة ٠٠:١٧ مساء بتوقيت جرينتش، وهما التوقيتان اللذان أبلغ فيهما عن انخفاض الضغط في خط نورد ستريم مما يعزز فرضية الانفجار، بالإضافة إلى أن الانفجار الثاني كان أقوى بخمس مرات من الأول.

وبالتأكيد أن ذلك ناجم عن انفجارات وليس زلازل، لأن الموجات تختلف؛ كل ذلك يؤدي إلى قبول فرضية العمل التخريبي المتعمد، وأن ما جرى ليس مجرد حادثة تخريب بسيطة، وإنما يتطلب وجود فاعل رئيس وبإمكانات عالية، وترتقي لإمكانات دولة.

الأضرار المتوقعة لتسريب خطي نورد ستريم

بشكل عام، لم تكن هناك إمدادات غاز من موسكو خلال الشهر الماضي، ولكن وبكل تأكيد سيكون للحادث غير المتوقع العديد من التداعيات والتي من الممكن تلخيصها في النقاط التالية: 

أسعار الغاز العالمية: بشكل عام، الحادث زاد من التوتر في سوق الغاز الطبيعي وبشكل ملموس حيث يراقب التجار والمسؤولون أي مؤشرات على حدوث تخريب ارتفعت أسعار الغاز الأوروبية بعد أنباء التسريبات، إذ سجل السعر القياسي لشهر أكتوبر زيادة بنسبة أكبر من ١١٪ إلى ٢٠٤٬٥٠ يورو لكل ميجاوات/ساعة (جيجاوات/ساعة = ٣٬٢ مليون قدم مكعبة غاز). وعلى الرغم من الارتفاع، لا تزال أسعار الغاز أقل من أعلى مستوياتها المسجلة هذا العام، إلا أنها أعلى بنسبة حوالي ٢٠٠٪ مما كانت عليه مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.

C:\Users\dell\Desktop\IMG-20220906-WA0022.jpg

التوقيت: يكمن الخطر في أن تدفقات نورد ستريم قد توقفت تمامًا، وهو الأمر الذي سيؤدي فقط إلى زيادة إحكام السوق الأوروبية، بينما نتجه نحو فصل الشتاء، ولم يكن أي من خطي الأنابيب يضخ الغاز إلى القارة الأوروبية وقت اكتشاف التسريبات وسط الخلاف حول الغزو الروسي لأوكرانيا، لكن الحادث سيقضي تمامًا على أي توقعات متبقية بأن أوروبا قد تتلقى الغاز عبر نورد ستريم-1 قبل الشتاء، وذلك بغض النظر عن التطورات السياسية في الأزمة الروسية الأوكرانية.

دائرة التسريبات: التسريبات كانت كبيرة للغاية، وقد يستغرق الأمر أكثر من أسبوع حتى يتوقف الغاز عن التصريف من خطي أنابيب نورد ستريم، ومن هنا فإن الخطورة تكمن في قرب التسريبات من بعضها البعض.

كارثة بيئية محتملة: تسرب غاز الميثان إلى الغلاف الجوي سيكون له تأثير كبير وكارثي على المناخ وعلى المنطقة المحيطة بتلك التسريبات؛ فسطح البحر الآن مليء بغاز الميثان السام، مما يعني أن هناك مخاطر متزايدة بحدوث انفجارات في المنطقة. وبشكل عام، لن يقل حجم الميثان المسرب عن حوالي ١٠٠ ألف طن أي ما يعادل أكثر من ٩ مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، مما يؤدي إلى اختلال السفن في محيط التسريبات بالإضافة إلى خطر اشتعال الغاز.

موقع التسريبات: حدثت التسريبات في المنطقة الاقتصادية الشمالية الشرقية في بحر البلطيق وقريبة جدًا من الحدود الشمالية لبرلين، وبالتالي يمكن القول إن التأثير البيئي والاقتصادي والسياسي سيشمل ألمانيا بالإضافة إلى السويد والدنمارك.

عدد التسريبات: وصل عدد التسريبات حتى الآن إلى ٤، وطبيعة الضغط ونزوله إلى الصفر يعني أن القوة الدافعة للغاز أصبحت ضعيفة جدًا، مما يعنى أن قدرة المحطات الثانوية والمركزية عبر تلك الأنابيب لا تعمل، مما يؤكد على ضعف قدرة ضخ الغاز وبالتالي لا يمكن مد الأطراف الأوروبية مستقبلًا إذا لم يتم إصلاح تلك التسريبات أولًا.

مجمل القول، أزمة نورد ستريم قد تحول الأزمة الروسية الأوكرانية إلى نقطة أخرى من التوتر في القارة الأوروبية، ومعهم حلف شمال الأطلسي (الناتو). وقد يكون الهجوم رسالة تحذيرية من موسكو من استعدادها لفتح جبهة حرب طاقة جديدة للمواجهة مع الغرب بتخريب البنية التحتية لشبكة إمدادات الغاز الطبيعي في أوروبا الغربية، وذلك بعد أن خفضت ضخ الغاز إليها بنسبة كبيرة في البداية. وقد تكون أطراف أخرى مستفيدة من زيادة رقعة الصراع الغربي الروسي لتحقيق مصالح اقتصادية. وسيناريوهات عديدة قد تكشف عنها الأيام القليلة المقبلة. وفى الأخيرعلى كل حال وبغض النظر عمن هو المتسبب الرئيس في تلك الأعمال التخريبية، الأمر المؤكد في الوقت الراهن أنه مع اقتراب الصيف في أوروبا من نهايته، ستواجه دول الاتحاد الأوروبي كلها تقريبًا كارثة في قطاع الطاقة بشكل كبير.

د. أحمد سلطان

دكتور مهندس متخصص في شؤون النفط والطاقة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى