العراق

استقالة الحلبوسي: مناورة ناجحة على رقعة الشطرنج في العراق

بعد انقطاع مطول لجلسات البرلمان العراقي، انعقدت اليوم الأربعاء جلسة للتصويت على الاستقالة المفاجئة التي تقدم بها رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي وانتهت إلى التصويت بالأغلبية على رفض الاستقالة. وعلى الرغم من أن جلسة البرلمان انعقدت وسط توافد المتظاهرين على المنطقة الخضراء وقصف صاروخي على محيط المنطقة الخضراء خلّف سبعة جرحى، فإن انعقادها يبقى مؤشرًا إيجابيًا على عودة المؤسسات الدستورية للعمل حتى وإن لم يكن بكامل فاعليتها، مما يعني أن القرار السياسي في العراق انتقل من خانة ضغط الشارع إلى أداء المؤسسات للدور المنوط بها في الدستور.

ومما يعطي مؤشرًا أكثر إيجابية ما خلصت إليه المحكمة الاتحادية العليا بالعراق اليوم، حينما أكدت على رفض الطعن المقدم لها بعدم صحة استقالة نواب التيار الصدري، والتأكيد على أن استقالة النواب صحيحة، مما يقطع الطريق على إعادة فتح باب كبير للجدل والبلبلة في وضع سياسي متأزم بالأساس، مع التأكيد على بقاء التيار الصدري غائبًا عن الحياة البرلمانية وإن بقي له تأثير سياسي؛ سواء عن طريق الشارع أو من خلال اتفاق سياسي مستقبلي يبقى مشكوكًا فيه، خصوصًا أن استقالة الحلبوسي المفاجئة جاءت في توقيت تسربت فيه أنباء عن اقتراب الإطار التنسيقي من الوصول إلى صيغة تفاهم مع من كانوا في صف مقتدى الصدر من كتلة السيادة السنية والحزب الديمقراطي الكردستاني .

وهو ما أعطى إشارات على أن مقتدى الصدر قد يكون خارج الاتفاق السياسي الذي سينقل العراق من خانة التوتر السياسي، ولكن هذه الإشارات تقابلها معانٍ مضادة أكد عليها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي من نيويورك عندما أشار إلى أن أي اتفاق سياسي يجب ألا يتجاهل التيار الصدري كمكون سياسي.

دوافع تقديم الحلبوسي لاستقالته

خلال مراقبة الأزمة السياسية العراقية التي بدأت في أعقاب انتخابات أكتوبر، لم يظهر محمد الحلبوسي في موقع من يريد تعقيد الأمور من الناحية السياسية، ولذلك فإنه من غير المستبعد أن يكون الدافع في تقديمه لاستقالته هو تسرب أنباء عن قرب التوصل إلى اتفاق سياسي بين الإطار التنسيقي وحلفاء الصدر، ويمكن تفسير ذلك بأن الحلبوسي يرغب في أن يكون رئيسًا للبرلمان دون أن يكون محسوبًا على تحالف معين؛ بعبارة أخرى أن يكون رئيسًا توافقيًا للبرلمان.

وهو ما بدت علاماته اليوم من خلال تصويت البرلمان بالأغلبية على رفض الاستقالة، مما يعني أن البرلمان العراقي يجدد الثقة بالحلبوسي في غياب للوزن النسبي والسياسي لنواب التيار الصدري. وكون الإطار التنسيقي سيشكل السلطة التنفيذية في العراق مستقبلًا يجبر الحلبوسي على إعادة ترميم علاقته بالإطار.

من زاوية أخرى، فإن الحلبوسي قد يكون مدفوعًا بتضمين رسالة مفادها أن إقالته من منصبه ستكون صعبة من الناحية العملية مستقبلًا، بالنظر إلى أن هناك ترجيحات بأن الإطار التنسيقي كان يدبر لإقالة الحلبوسي كعقاب له على التحالف مع التيار الصدري، ولكن تصويت البرلمان بالأغلبية على رفض طلبه يجعل منه زعيمًا سياسيًا للمكون السني يحتل مكانة لا تقل عن تلك التي يحتلها خميس الخنجر.

وقد كان محمد الحلبوسي على تمام الإدراك بأن قُرب التوصل إلى اتفاق بين الإطار التنسيقي وقوى عراقية أخرى يتطلب بشكل ملح وجود رئيس للبرلمان، ومن ثم فإن مناورته أعادت الإطار التنسيقي إلى المربع صفر لأنها أجبرته على إعادة ترتيب أوراقه، وبدلًا من أن يدبر المالكي لإقالته فها هو الإطار التنسيقي اليوم يشكل جزءًا مهمًا من رفض بالإجماع لاستقالة الحلبوسي تجنبًا للمزيد من التعقيدات والانسداد.

وأما بالنسبة التيار الصدري، فتعد الاستقالة التي تقدم بها محمد الحلبوسي نوعًا من إبراء الذمة، لأن تقديم الرجل لاستقالته من منصبه تعني أنه لم يتخل بعد عن كونه جزءًا من التحالف مع الصدر ولكن رفض الاستقالة لا يترك أمامه خيارات أخرى سوى البقاء في المنصب، وبتدقيق النظر فهي نقلة ذكية للحلبوسي على رقعة الشطرنج العراقية تحميه من أن يصبح ورقة محترقة أمام التيار الصدري على الأقل من الناحية النظرية لأنه من الناحية العملية فإن المناورة ليست سهلة الانطلاء على مقتدى الصدر. 

بينما على صعيد التوقيت، فلو كان الحلبوسي قد تقدم بالاستقالة في وقت آخر لكان الإطار التنسيقي قد صوت على قبولها، ولكن حساسية التوقيت من ناحية الاقتراب من اتفاق سياسي، إضافة إلى اقتراب ذكرى حراك الأول من أكتوبر أجبرت “التنسيقي” على الاستدارة للخلف.

انعكاسات الجلسة البرلمانية

تصويت البرلمان برفض استقالة الحلبوسي يعني أن مشروع مقتدى الصدر الذي خطط له على مدى الأشهر الماضية من خلق حكومة أغلبية وطنية والانتقال بالعراق من خانات المحاصصة والطائفية إلى نطاق الأغلبية قد تلاشى، فيما عادت البلاد إلى الالتزام بما سارت عليه الأمور سياسيًا منذ الغزو الأمريكي في 2003.

من زاوية أخرى، فإن انعقاد جلسة برلمانية اليوم بعد طول انقطاع يعطي إيحاءً بأن الدولة العراقية ماضية في إيجاد حكومة مكتملة الصلاحيات، وإقرار موازنة اتحادية، وتعديل قانون الانتخابات والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات. وكل ذلك يؤكد لمقتدى الصدر أن الحل الوحيد لحلحلة الأزمة السياسية العراقية هو الحوار.

وعلى صعيد محتوى الجلسة، فإن جدول أعمالها والذي تضمن تعيين نائب لرئيس المجلس يُفهم منه أمران: الأول- أن استقالة الحلبوسي من أساسها هي مجرد سيناريو متفق عليه بين القوى السياسية المتحالفة لتجديد الثقة فيه كرئيس للبرلمان بعيدًا عن التيار الصدري، ومما يستدل به على ذلك أن جدول أعمال الجلسة تضمن تعيين نائب حتى قبل أن تتم قبول استقالة الرئيس؛ بعبارة أخرى فإن تعيين نائب لرئيس البرلمان يتطلب وجود رئيس للبرلمان ولو كان البرلمان قد صوت على قبول استقالة الحلبوسي فإن هذا سيعني أن المنصب شاغر وبالتالي كانت الأمور معدة مسبقًا لرفض الاستقالة وتجديد الثقة. 

مع الأخذ بالحسبان أن الاتجاهات التي راهنت على الانقسام داخل الإطار التنسيقي بين نوري المالكي وقيس الخزعلي وعمار الحكيم في ضفة وهادي العامري على الضفة الأخرى خسرت رهانها لأن ما حدث هو توافق على رفض استقالة الحلبوسي.

ولذلك يفرض تساؤل نفسه حول تحركات التيار الصدري مستقبلًا؛ وعمومًا فإن مقتدى الصدر الذي اختار طواعية الانسحاب من الحياة السياسية وترك الساحة خالية للتنسيقي لن ينجرف مرة أخرى للتعبير عن قوته أو الضغط عبر الشارع، فقد شكلت الأحداث الأخيرة في محيط المنطقة الخضراء والتي خرج على إثرها الصدر ليطالب أنصاره بالانسحاب وفض الاعتصام حول البرلمان ستبقى عامل ردع أمام التيار الصدري وأي تيار سياسي آخر من تسيير الأمور بغير الطرق الدستورية لما له من انعكاسات جد خطيرة على المستقبل العراقي.

ومن هذا المنطلق، من الممكن أن يكون مقتدى الصدر جزءًا من الحل من خلال اتفاق سياسي توافقي، ولكن يصعب أن يكون رقمًا في معادلة تعقيد الأمور عبر الشارع العراقي مرة أخرى. حتى وإن كانت استراتيجية الإطار التنسيقي تبقى غير مفهومة في الإصرار على محمد شياع السوداني رئيسًا للحكومة على الرغم من كون هذا الإصرار قد دفع إلى انفجار الأمور مسبقًا. وقد أعطت الأمور اليوم إيحاءً بأن الأمور السياسية يمكن تحريكها في العراق مع التحييد الكامل للتيار الصدري، ولكن من يتبنون وجهة النظر هذه يفوتون عن قصد أن مقتدى الصدر اختار الحياد ولم يجبر عليه. 

وصحيح أن المتظاهرين دخلوا اليوم إلى المنطقة الخضراء لمنع انعقاد جلسة البرلمان ولكن الجلسة انعقدت، ولم يبدُ أن الحراك كان تنظيميًا أو مدفوعًا من مرجعية بحجم الصدر، مما يؤكد على المعنى السابق بصعوبة استعراض الصدر لقوته عبر الشارع العراقي مرة أخرى. ومدركًا لمحاولة الزج به لنطاقات التلويح بالعنف واستخدامه، سارع مقتدى الصدر إلى إدانة الهجوم الصاروخي الذي استهدف المنطقة الخضراء اليوم في محاولة لعرقلة البرلمان، وبرأ ساحته وساحة المتظاهرين من المسؤولية عن تنفيذ الهجوم وهو ما أكد عليه مصطفى الحميداوي، مسؤول “سرايا السلام” الجناح العسكري للتيار الصدري قائلا: “نشجب ونستنكر القصف الذي طال المنطقة الخضراء ونؤكد كل التأكيد على حق التظاهر السلمي الذي كفله الدستور”.

تتبقى الإشارة إذًا إلى أن استقالة الحلبوسي من عدمها ليست الرقم الأهم في المعادلة السياسية العراقية لأن البلاد تظل حتى اليوم بدون رئيس حكومة وبدون رئيس جمهورية، ولكن يظل قبول استقالة الحلبوسي كان سيمثل الخطوة الأخيرة التي ستدخل بالبلاد إلى حالة من فراغ الرئاسات الثلاث بما يتضمنه ذلك من معانٍ مقلقة للغاية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى