أفريقيا

ما الذي يريده الصومال في عهد حسن شيخ محمود من إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن؟

في ظل الأزمات الأمنية والإنسانية والاقتصادية التي تشهدها الصومال، جاءت زيارة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود للولايات المتحدة الأمريكية التي بدأت يوم الخميس 15 سبتمبر 2022 واستغرقت عدة أيام، وتُعد الأولى منذ انتخابه رئيسًا للبلاد لولاية ثانية في مايو 2022، وقد أجرى الرئيس الصومالي عدة لقاءات مُكثفة مع القيادات الأمريكية للتشاور بشأن العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية ذات الاهتمام المُشترك. 

ماذا حدث في الزيارة؟ 

نحاول في هذا الجزء من الورقة استعراض أبرز ما قام به الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارته للولايات المتحدة الأمريكية، إذ حاول التركيز في مُباحثاته مع صانعي القرار في الإدارة الأمريكية على لفت الانتباه إلى التحديات التي تعاني منها الصومال، والتي يأتي في مقدمتها الحرب على الإرهاب، فالجانب الأمني يحتل أولوية لدى الرئيس الصومالي، لا سيما في ضوء تعهداته بالقضاء على الإرهاب واستعادة الاستقرار السياسي والأمني، وكذلك الأزمة الإنسانية التي تعاني منها الصومال جراء الجفاف الذي ضرب معظم الأراضي الصومالية، ويواجه نحو 7 ملايين شخص أزمة نقص الغذاء. وفيما يلي، سيتم تناول أبرز اللقاءات التي عقدها الرئيس الصومالي مع المسؤولين الأمريكيين، على النحو التالي: 

  1. الجانب الأمني: ناقش الرئيس الصومالي مع وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، تعزيز التعاون بين البلدين في مجالات الأمن والاستقرار الإقليمي، إلى جانب زيادة الدعم الأمريكي للدولة الصومالية لاسيما في مجال الضربات الجوية التي تستهدف الجماعات الإرهابية. وقد أكد وزير الدفاع الأمريكي على أن الولايات المتحدة لا تزال شريكًا مهمًا في جهود الصومال للأمن والاستقرار، كما أن استقرار الصومال هو أساس السلام في منطقة القرن الإفريقي

والجدير بالذكر أن، إدارة الرئيس الأمريكي الحالية جو بايدن تدعم الحكومة الصومالية في التصدي لحركة الشباب الإرهابية، فقد أصدر الرئيس الأمريكي جو بايدن قرارًا في منتصف شهر مايو 2022 بشأن إعادة مئات القوات الأمريكية إلى الصومال؛ إذ سيتم نشر أقل ‬من 500 عسكري ‬أمريكي‬ لمساعدة القوات الصومالية في تحجيم حركة الشباب الإرهابية التي توسّعت عملياتها ونفوذها خلال الآونة الأخيرة. بينما نجد أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب انتهجت سياسة سحب القوات الأمريكية المتواجدة في الصومال، فقد أصدر قرارًا في الرابع من ديسمبر 2020 يقضي بسحب القوات الأمريكية من الصومال؛ إذ كان يتواجد حوالي 700 عسكري من قوات العمليات الخاصة الأمريكية لمساعدة القوات الأمنية الصومالية في محاربة حركة الشباب. 

  1. المُباحثات مع المؤسسات المالية الدولية: تتسم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الصومال بالتردي، حيث ترتفع معدلات التضخم ويعاني الشباب الصومالي من أزمة البطالة حيث تصل نسبة البطالة إلى 71% تقريبًا، كما ترتفع أسعار السلع الغذائية والوقود بشكل مُبالغ فيه نظرًا لتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، والجفاف الذي يضرب الصومال وتأثيراته السلبية على انخفاض المعروض من السلع الغذائية والإنتاج الحيواني جراء نفوق الماشية. ولذلك، يُعتبر تواجد الرئيس الصومالي في واشنطن فرصة لحلحلة الأوضاع الاقتصادية، فقد تم إجراء لقاءات مُكثفة مع مسؤولي صندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن، بهدف معالجة التحديات الاقتصادية التي تواجه الصومال وتخفيف عبء الديون وتحسين البنية التحتية. وقد تركزت المحادثات على تعزيز الاقتصاد وإعفاء الديون ومحاربة الفقر، وإصلاح النظام المالي، ومكافحة التغير المناخي. فقد استعرض الرئيس الصومالي مع رئيسة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييا خطة الحكومة الصومالية للتركيز على مسار إعفاء الديون وتنمية الموارد الاقتصادية، من أجل خلق فرص عمل للشباب الصومالي وتحسين الأوضاع الاقتصادية. كما بحث الرئيس الصومالي استكمال برنامج الإعفاء من الديون وتوجيه مشاريع المانحين الدوليين وفق احتياجات البلد مع رئيس البنك الدولي ديفيد مالباس. والجدير بالذكر أن الصومال يخضع لمبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون التي تستلزم مراقبة صارمة مشتركة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

3- تعزيز العلاقات الدبلوماسية الثنائية: حرص الرئيس الصومالي على تعزيز التعاون مع صانعي القرار في الخارجية الأمريكية، وهنا تأتي أهمية اللقاء الذي جمع الرئيس الصومالي بوزير الخارجية الأمريكية، أنتوني بلينكن، في العاصمة واشنطن، وقد تم استعراض أبرز التحديات التي تواجه الصومال، ومن جانبه أكد بلينكن على استمرار دعم الحكومة الأمريكية للصومال، وخاصة في مجال الإغاثة، وتطوير الخدمات الاجتماعية، وتطوير البنية التحتية، ومكافحة الإرهاب. ونجد أن هذا التصريح يعكس تمتع حسن شيخ محمود بدعم أمريكي، وهو ما قد ينعكس بشكل إيجابي على معالجة التحديات الجمة التي تواجهها الصومال. 

4- تعزيز روابط التواصل مع الجالية الصومالية: حرص الرئيس الصومالي على عقد لقاءات مع أفراد الجالية الصومالية المُتواجدة في الولايات المتحدة الأمريكية، وتهدف هذه اللقاءات لنقل الصورة لهم لما يدور في الداخل الصومالي من تحديات أمنية واقتصادية وأزمة إنسانية، وهو ما سيساهم في حشد وتعبئة جهود الصوماليين المُتواجدين في الخارج، للقيام بدور فعال في بناء الدولة والمُساهمة في مُعالجة التحديات التي يعاني منها الداخل الصومالي.     

دوافع مُتشابكة

في هذا الجزء من الورقة البحثية، نُحاول الإجابة على تساؤلات بشأن ماذا تريد الصومال من الولايات المتحدة الأمريكية، وماذا تريد إدارة بايدن من الصومال في ظل عهد حسن شيخ محمود، ويمكن الإجابة على هذه التساؤلات على النحو التالي: 

أولًا: دوافع الصومال لتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية 

نجد أن اللقاءات والمُشاورات المُكثفة التي أجراها الرئيس الصومالي مع صانعي القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، تهدف لإيجاد حلول للتحديات التي يعاني منها الداخل الصومالي، وفيما يلي استعراض أبرز المجالات التي تسعى الصومال لزيادة الدعم الأمريكي بها، وذلك على النحو التالي: 

1- الإرهاب: تسعى الصومال للحصول على مزيد من الدعم العسكري لتعزيز كفاءة ورفع قدرات القوات الحكومية الصومالية، وهو ما يُمكنها من التصدي للهجمات الإرهابية. وكذلك محاولة الحصول على الدعم الأمريكي لإعادة آلاف من القوات الصومالية التي تم تدريبها في إريتريا، لتشارك في الجهود التي تبذلها الحكومة الصومالية في الحرب ضد حركة الشباب والتصدي للتهديدات الأمنية. 

2- الجفاف: أن تسلط الولايات المتحدة الأمريكية الضوء على الأزمة الإنسانية في الصومال، لحشد جهود المجتمع الدولي من أجل دعم الصومال في أزمة المجاعة، من خلال زيادة التمويل وتوسيع جهود الإغاثة لتقديم المساعدات الطارئة لما لا يقل عن 3.5 ملايين شخص يعاني من سوء التغذية. 

3- الملف الاقتصادي: تسعى الصومال للحصول على الدعم الأمريكي لحلحلة التحديات الاقتصادية التي تواجه الصومال، من خلال إعطاء الولايات المتحدة الضوء الأخضر للمؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي)، لتسهيل حصول الصومال على مساعدات مالية تسهم في دعم ميزانية الحكومة الصومالية، وتخفيض أعباء الديون، في مقابل تعهد الصومال للمؤسسات المالية الدولية بالقيام بالإصلاحات الاقتصادية، وهو ما سيساهم في جذب الاستثمارات الأجنبية للصومال وتنويع دخل الحكومة الصومالية.  

ثانيًا: دوافع الولايات المتحدة الأمريكية لتوثيق أواصر التعاون مع الصومال 

تتمتع الصومال بأهمية جيوسياسية وأمنية بالنسبة للولايات المتحدة، حيث تطل الصومال على أحد أهم الممرات البحرية الدولية، ونجد أن من مصلحة واشنطن دعم مقديشو للحفاظ على استقرارها حتى لا تتعرض المصالح الأمريكية في المنطقة للخطر. كما تعمل إدارة بايدن على زيادة مستوى التعاون الاستراتيجي مع دول المنطقة حتى لا تترك فراغًا تملؤه قوى دولية المنافسة. والجدير بالذكر أن التحركات الصينية في منطقة القرن الأفريقي تُثير مخاوف الولايات المتحدة، خاصة مع تعيين بيجين مبعوثًا خاصًا للقرن الأفريقي منذ يناير 2022.  ناهيك عن مساعي روسيا لتعزيز حضورها في منطقة القرن الأفريقي، وبحثها عن موطئ قدم لنفوذ روسي عسكري في البحر الأحمر. 

وفي الختام، يمكن القول إن هناك مؤشرات إيجابية على إمكانية إحراز الصومال تقدمًا في الملفات المُلحة، استنادًا على العلاقات الإيجابية التي يتمتع بها الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود مع الإدارة الأمريكية، حيث يحظى بقبول ودعم أمريكي لتعزيز الشراكة العسكرية والمدنية المستمرّة من أجل استقرار الصومال. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى