دول المغرب العربي

الاتفاق بين الحكومة والاتحاد التونسي للشغل.. تكتيك سياسي وأهداف مرحلية

ثمة تباين عميق يضرب بجذوره في الشارع التونسي منذ قرارات الرئيس قيس سعيد في الخامس والعشرين من يوليو العام الماضي، وذلك فيما يتصل بتقدير موقف المنظمة الشغيلة من الشأن العام والوضع السياسي. وبدا ذلك واضحًا بين من يعتبِر دور المنظمة حتميًا في كافة ما يرتبط بالأوضاع القائمة، وبين من يرى ضرورة أن ينحصر مجاله داخل الدور النقابي الاجتماعي. مع الأخذ في الاعتبار مراعاة الأوضاع الاقتصادية العالمية الحرجة وبروز تداعيات فيروس كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، وآثر ذلك كله على الوضع المالي والاقتصادي على المواطن والدولة التونسية.

إلى ذلك حرص الاتحاد التونسي للشغل، وأمينه العام نور الدين الطبوبي والحكومة برئاسة السيدة نجلاء بودن على عدم قطع حبل المفاوضات فيما بينهما. إذ يقدر الطرفان مدى أهمية واحتياج كل منهما إلى الآخر، وكون الصراع فيما بينهما الذي تفجر بإعلان الإضراب العام خلال شهر يونيو الماضي ليس هدفًا نهائيًا في حد ذاته بل توظيفًا لأدوات يمتلكها نحو الوصول إلى غايته النقابية والاجتماعية وإرضاء لكتلته العمالية في البلاد.

بينما تبصر الحكومة جيدًا أن إدراك التوافق مع المنظمة الشغيلة هو الممر الآمن لإبرام الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، للحصول على قرض جديد يخرج تونس من عثرتها المالية والاقتصادية، التي تشتد وطأتها على المواطنين عبر ارتفاع سعر السلع الأساسية واختفاء بعضها من الأسواق. الأمر الذي قدره الاتحاد بأن الوصول إلى اتفاق يقضي برفع الأجور من شأنه أن يرمم المقدرة الشرائية للمواطن ولو قليلًا في ظل الوضعية الصعبة التي تعيشها تونس.

من خلال ذلك السياق وقع الطرفان؛ الحكومة التونسية والاتحاد العام التونسي للشغل، اتفاقًا لزيادة الأجور تحقيقًا لمطلب رئيس رفعته المنظمة خلال الاعتصام الأخير في شهر يونيو الماضي.

التصريحات الصحفية التي أدلى بها الأمين العام نور الدين الطبوبي، تشي بكثير من اليقين أن سياقًا سياسيًا حكم المفاوضات بين الطرفين، وأن مآلات المفاوضات سارت عسيرة على الجانبين خاصة عندما قال “هذه الاتفاقية تأتي بعد مخاض عسير من المفاوضات”. كما أوضح الطبوبي أن “الاتحاد يعرف كيف يُوازن بين الاستحقاقات الاجتماعية والمسؤولية الوطنية”، قائلًا إن “الاتفاق سيساعد في التقليص من حجم تدهور المقدرة الشرائية لأعوان وإطارات القطاع العام”. بينما يدعم ذلك حين قالت رئيسة الحكومة نجلاء بودن “الحكومة اعتمدت منهجًا تشاركيًا مع شريكها الاجتماعي لتجاوز الصعوبات التي تعيشها البلاد، وتشديدها على أن هذه الاتفاقية هي “ثمرة وتتويج مسار العمل المشترك بين الحكومة واتحاد الشغل لتجاوز الصعوبات التي فرضها الوضع الوطني والإقليمي والدولي”.

الاتفاق المبرم يلزم الحكومة برفع كتلة الأجور بنسبة محددة خلال الأعوام الثلاثة القادمةـ بينما تقر المنظمة الشغيلة بعدم المطالبة بأي زيادة جديدة في الأجور حتى العام 2025.

هذا الاتفاق ينظر إليه على أنه ضروري لضمان إتمام إجراءات الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، مما يفتح المجال أمام المزيد من المساعدات المالية الأجنبية. بيد أن البعض الآخر يبصر الأمر أن رئيسة الحكومة قد دخلت في مسار صعب مع الصندوق باعتبار أن الأخير يشترط تكميم كتلة الأجور، فضلًا عن حزمة من الإجراءات الاقتصادية والمالية الأخرى. بيد أن حقيقة الأمر أن – بودن – تدرك جيدًا قدرتها على تمرير اتفاقها مع المنظمة لدى بعثة الصندوق، خاصة أنها حازت دعم المنظمة والنقابات التابعة لها، مما يسمح لها بفضاء مستقر يمرر القرض والحكومة من هذا النفق المظلم.

يبدو ذلك واقعيًا حين نطالع تصريحات المتحدث الرسمي باسم الحكومة نصر الدين النصيبي، حين قال إن “فريق التفاوض التونسي كان على اتصال طيلة يوم “الخميس” مع صندوق النقد الدولي بخصوص البنود الأخيرة للاتفاق مع الصندوق». وأبلغ راديو إكسبريس إف. أم المحلي: “نأمل التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد قبل نهاية أكتوبر حتى تتمكن تونس من الوفاء بجميع التزاماتها بما في ذلك توفير السلع الغذائية ومنتجات الطاقة ودفع الأجور وخدمة الدين”.

الانتخابات التشريعية المزمع عقدها في شهر ديسمبر القادم، خطوة جديدة يعزز بها الرئيس التونسي أركان تونس الجديدة التي تبدو واضحة في جنبات ذهنه السياسي منذ اللحظة الأولى. وكان يتحرى السبل والممرات للنفاذ نحو أهدافه بأقل الآثار السلبية الممكنة. غير أن الأجواء الداخلية والاستقطاب الحاد الإقليمي دفع كافة العوامل صوب رفع درجة الاستنفار ضد حركة النهضة التي عملت ضد الرئيس بشكل مباشر وقللت من احتمالية المواجهة فيما بينهما. الأمر الذي بدده الرئيس بإجراءاته في يوليو من العام الماضي، وعززه بدستور يدعم صلاحياته بشكل غير منقوص، والآن يتممه بقانون انتخابات تشريعية يضمن من خلاله بنسبة كبيرة عدم إدراج أي من المناوئين، فضلًا عن السعي نحو خفض منسوب فاعلية الأحزاب السياسية. وذلك من خلال بعض بنود القانون الانتخابي، التي تبدلت من القائمة الحزبية إلى النظام الفردي، ورفع عدد الدوائر الانتخابية من ثلاث وثلاثين دائرة إلى مائة وواحدة وستين دائرة، بينما تم خفض عدد المقاعد في البرلمان من مائتي وسبعة عشر إلى مائة وواحد وستين مقعدًا.

وبينما تذهب الانتقادات نحو القانون الانتخابي أنه يكرس لحكم الفرد ويقلص دور الأحزاب السياسية، ويدعم توجهات الرئيس التي بدت في هيئة مواد الدستور، قال أمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي إنه يساند النظام الرئاسي كموقف شخصي منه، مشيرًا إلى أنه من الضروري التوازن في إسناد الصلاحيات لرئيس الجمهورية. وأضاف الطبوبي في تصريح لقناة التاسعة التونسية أنه يحترم وضوح رئيس الجمهورية في تنفيذ مشروعه الخاص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى