شائعة متداولةالاقتصاد المصري

صندوق مصر السيادي.. هل يمثل أداة لبيع أصول الدولة؟

تٌطلق بين الحين والآخر شائعات مغلوطة حول دور صندوق مصر السيادي؛ إذ تدعي بعض الأطراف أن الصندوق يقوم بتنفيذ عمليات -غير مدروسة بشكل كافٍ- لبيع أصول الدولة إلى كيانات استثمارية داخلية وخارجية، وهو ما سيؤدي إلى ازدهار الخزانة على المدى القصير، لكنه سيعود بالسلب عليها خلال المديين المتوسط والبعيد. ويقتضي هذا اللغط الدائر توضيح عدد من الحقائق حول ماهية الصناديق السيادية عالميًا وإقليميًا، بالإضافة إلى طبيعة عمل صندوق مصر السيادي، وهو ما يسهم بدوره في تحقيق مختلف مستهدفات التنمية التي وضعتها الدولة منذ 2016.   

الصناديق السيادية عالميًا

يبلغ عدد الصناديق السيادية حاليًا بمختلف دول العالم أكثر من 100 صندوق، فيما تقدر قيمة أصولها الاجمالية بأكثر من 10.133 تريليون دولار أمريكي. وتمتلك النرويج أكبر صندوق سيادي في العالم بقيمة 1.268 تريليون دولار، يليها في موقع الصدارة عدد من دول قارة آسيا مثل الصين التي تمتلك صندوقًا بقيمة 1.222 تريليون دولار، ثم عدد من دول الخليج العربي كالإمارات العربية المتحدة والكويت والمملكة العربية السعودية وقطر بقيم إجمالية قاربت 2.5 تريليون دولار – انظر الشكل التالي -. 

وتعد الصناديق السيادية في كافة دول العالم بمثابة أذرع استثمارية نشطة وسريعة، يتم استغلالها من قبل الحكومات؛ بهدف دفع قطاعات اقتصادية محددة تركز الدولة على نموها، وذلك لتوطين الصناعات المتقدمة والذكية، أو لتشغيل المجالات الإنتاجية كثيفة العمالة وهو ما يسهم في توفير فرص العمل، بالإضافة إلى المساهمة في سد الفجوات التنموية والخدمية التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة كتشييد البنى التحتية الأساسية، وإنشاء مرافق المواصلات المتطورة، ومد شبكات الاتصالات الحديثة القائمة.

تأسيس الصندوق المصري

أعلنت الدولة المصرية في أوائل 2018 اعتزامها تأسيس صندوق ثروة سيادي، يستهدف تنمية الموارد الوطنية غير المستغلة، وذلك من خلال الاستثمار في عدد من القطاعات الإنتاجية والخدمية التي تتميز بها بالبلاد، ولهذا صدر في أغسطس من ذات العام القانون رقم 177، والذي بمقتضاه أصبح الصندوق كيانًا اعتباريًا معترفًا به ويتمتع باستقلال مالي وإداري عن باقي مؤسسات الدولة. وصدر في فبراير من العام التالي 2019 قرار رئيس الوزراء رقم 555 والذي حدد النظام الأساسي الذي سيقوم عليه الصندوق.

شهد ملف تأسيس الصندوق الجديد حالة من التسارع خلال الأشهر الماضية، حيث نجحت الحكومة المصرية بحلول عام 2020 في نقل 7 أصول عقارية قيّمة إلى محفظته، ومنها على سبيل المثال: مجمع التحرير، ومقر وزارة الداخلية القديم بوسط القاهرة، وأرض الحزب الوطني المنحل. ثم استمرت الحكومة في توسيع قائمة أصول وممتلكات الصندوق حتى وصل رأس مال الصندوق الإجمالي في عام 2021 الماضي إلى 11.959 مليار دولار وفقًا للبيانات التي أصدرها معهد صناديق الثروة السيادية بالولايات المتحدة الامريكية Sovereign Wealth Fund Institute.

وهو ما مثل في حينها 0.14% من جملة أصول الصناديق السيادية العالمية، ليصبح بذلك الصندوق رقم 46 من حيث الترتيب على مستوى العالم. ويستهدف الصندوق وفق تصريحات أحد مسؤوليه أن يصل رأس ماله خلال السنوات القادمة إلى ما يعادل 64 مليار دولار أمريكي. وهو ما قد يساعده على التفوق على العشرات من الصناديق السيادية العالمية الأخرى.

مجالات استثمارية متنوعة

يمتلك الصندوق السيادي المصري حتى الآن أربعة صناديق استثمارية فرعية، هي: صندوق المرافق والبنية الأساسية، وصندوق السياحة والاستثمار العقاري وتطوير الآثار، وصندوق الخدمات الصحية والصناعات الدوائية، وصندوق الخدمات المالية والتحول الرقمي. ويبلغ رأس مال الصناديق الأربعة 120 مليار جنيه مصري، بواقع 30 مليار جنيه لكل صندوق فرعي.

وتستهدف الدولة من خلال عمل تلك الصناديق الفرعية أن تتداخل مع عدد من الأنشطة الاقتصادية الحيوية التي تمثل بُعدًا من أبعاد الأمن القومي للدولة، ومنها على سبيل المثال: الصناعات الغذائية، والخدمات التعليمية، والخدمات الطبية، ومرافق البنية الأساسية، والتصنيع الدوائي والتكنولوجي، وصناعة الهيدروجين الأخضر، وتحلية مياه البحار، ومجال الخدمات المالية والشمول المالي، والمشاريع الزراعية ذات الكفاءة العالية في ترشيد استخدام مياه الري.

ولقد بدأ الصندوق خلال الأشهر الماضية في دراسة 44 مشروعًا بقيمة 140 مليار جنيه؛ كي يتداخل مع أكبر عدد منها. فيما بدأ الصندوق فعليًا في تنفيذ مشروعات على الأرض بالتعاون مع القطاع الخاص، ومن أبرزها تطوير مجمع التحرير بوسط القاهرة، والذي سيعاد استخدام مبناه الضخم في صورة فندق “خمسة نجوم” ومقرات لإدارة الأعمال ومناطق ترفيهية ومراكز تسوق وغيرها، ودخل الصندوق في عالم الصناعات الثقيلة من خلال الشراكة مع هيئة تنمية إقليم قناة السويس وعدد آخر من مؤسسات الدولة، لتأسيس مصنع مختص بصناعات السكك الحديدية، باستثمارات مخططة تصل إلى 10 مليارات دولار أمريكي. 

شراكات متعددة

سمح القانون المنظم لأعمال صندوق مصر السيادي بأن يعقد الصندوق الشراكات الاستثمارية المحلية والدولية؛ بهدف تعظيم قيم الاستثمارات الراهنة التي تؤول إلى محفظته، وخلق فرص استثمارية جديدة للدولة المصرية، وهو ما يسهم بشكل مباشر في زيادة جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وتسريع النمو الاقتصادي بمختلف القطاعات الاقتصادية، وزيادة الناتج المحلي الإجمالي السنوي للدولة المصرية، وتوفير فرص العمل للمزيد من المواطنين.

لهذا أسرع الصندوق السيادي في عقد اتفاقات التعاون مع صناديق سيادية إقليمية ودولية مناظرة؛ بهدف تعظيم القيمة الصافية للمشروعات الإنتاجية الرابحة بالدولة المصرية، وهو ما سيصل بها إلى حدود إقليمية وعالمية تؤهلها لمنافسة كبرى الكيانات الاقتصادية المناظرة.

أهم تلك الاتفاقات إلى الآن هي الاتفاقية الموقعة في أواخر مارس الماضي مع كل من شركة مالطا للاستثمارات الحكومية وبنك فرنسا للاستثمار؛ بهدف إنشاء مؤسسة لصناديق الثروة السيادية في أوروبا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو ما سيضع في المستقبل القريب أساسًا لشبكة استثمارية دولية تكون الدول الثلاث السالف ذكرها مركزًا لها. ولقد بدأ عدد من المؤسسات الدولية بالفعل في إعلان رغبتها في الانضمام إلى تلك الاتفاقية، وفي مقدمتها الشركة الإسبانية لتمويل التنمية، التي سارعت إلى توقيع مذكرة تفاهم مع الأطراف الثلاثة لتصبح هي الأخرى عضوًا في مؤسسة صناديق الثروة السيادية في أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وأنشأ صندوق مصر السيادي كذلك في أواخر 2019 منصة استثمارية بالتعاون مع شركة أبو ظبي القابضة بقيمة إجمالية تجاوز 20 مليار دولار؛ وذلك للدخول في استثمارات مشتركة بعدد من المجالات الإنتاجية، أبرزها: الصناعات التحويلية، وإنتاج الطاقة الكهربية، وصناعة الأغذية، والاستثمارات العقارات، والأنشطة السياحة، والرعاية الصحية. 

ووقع صندوق مصر السيادي أيضًا في مارس الماضي اتفاقية مع صندوق الاستثمارات العامة السعودي؛ لجذب هذا الأخير للدخول في شراكات استثمارية بمصر، وهو ما سيعزز من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر. ويقوم الصندوق حاليًا بمعاونة عدد من أجهزة الدولة في إعادة تهيئة بعض من كياناتها الناجحة، للطرح والاكتتاب داخل البورصة المصرية، وهو ما سيساعد على تعظيم قيمة تلك الأصول، ليؤدي ذلك مستقبلًا إلى توسعها، وحصولها على حصة أكبر من السوقين المحلية والإقليمية. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى