الاقتصاد المصري

العوائد الاقتصادية لمذكرات التفاهم الموقعة بين مصر وقطر

وُقّعت اليوم مذكرات تفاهم بين كل من صندوق مصر السيادي للاستثمارات والتنمية وجهاز قطر للاستثمار، هذا بالإضافة إلى عدد من مذكرات التفاهم في مجال الشؤون الاجتماعية بين وزارة التضامن الاجتماعي ووزارة التنمية الاجتماعية القطرية، ومذكرة تفاهم بشأن التعاون في مجال الموانئ بين مصر وقطر؛ تلك هي النتائج الأولية للزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى قطر وبصحبته وفد يضم مجموعة من الوزراء معظمهم ممن يتولون الحقائب الاقتصادية.

تأتي تلك الطفرة في تحسن العلاقات بين البلدين بعد أن تم التوصل إلى اتفاق سياسي حول الخلاف الذي كان بين الرباعي العربي مصر والسعودية والإمارات والبحرين من جانب وقطر من جانب آخر، بعد أن أبدت الدوحة حسن النوايا بعد ذلك الاتفاق السياسي، تبعها تعهدات من قطر بضخ استثمارات بمبلغ 5 مليار دولار في السوق المصرية، ثم زيارة من امير قطر إلى مصر في يونيو الماضي للتأكيد أن العلاقات بين البلدين ستشهد تحولًا جذريًا في المستقبل.

تلك هي الخلفية الدبلوماسية والسياسية لمذكرات التفاهم التي تم التوقيع عليها اليوم؛ ويبدو أنه يتم العمل خلف الأبواب المغلقة على تلك الاتفاقيات منذ وقت ليس بالقصير، لكن كيف سيتم تنفيذ ذلك على ارض الواقع وما هي الانعكاسات المرتقبة على الاقتصاد المصري؟

لا يخفى على أحد أن الاقتصاد المصري يمر بواحد من أصعب التحديات خلال الثماني سنوات السابقة؛ وذلك بعد عامين من إعلان منظمة الصحة العالمية فيروس كورونا وباءً عالميًا، وتوسع الدولة في برنامج الإنفاق الاجتماعي بشكل عام لاحتواء موجة الكساد التي كان يتوقع حدوثها مع انتشار مثل ذلك الوباء في البلاد، وحالات الإغلاق محليًا وعالميًا، والتي أعلنت فيها الحكومة المصرية عن حزمة تمويلية في كل المجالات تخطت مبلغ 100 مليار جنيه، والتي كان لها أثر إيجابي على تحسين استقرار الاقتصاد المصري وصموده أمام تلك الأزمة الكبيرة، وقدرته على التعافي بشكل سريع وتحقيق معدل نمو ناتج محلي اجمالي يفوق نسبة 8% في الربعين الأول والثاني من العام 2021/2022.

لكن الحرب الروسية الأوكرانية التي تدور في شرق أوروبا أبت أن يستكمل العالم صحوته من جائحة كورونا، وبالطبع الاقتصاد المصري كونه أحد الاقتصادات التي تتأثر بالأوضاع الاقتصادية عالميا، فقد تسببت تلك الحرب في ارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع الأساسية التي يمكن تصنيفها بالسلع الأكثر استيرادًا من جانب مصر، وهي الغذاء والمعادن والطاقة، هذا إلى جانب انخفاض إيرادات السياحة بشكل عام والتي يأتي ثلثها من روسيا وأوكرانيا، وهو ما ترتب عليه انخفاض إيرادات مصر من قطاع السياحة بشكل كبير، بعد أن شهد تعافيًا كبيرًا في عام 2021 واستطاع تحقيق إيرادات بحوالي 13 مليار دولار.

إذا ما اضفنا كل تلك المتغيرات معًا سنجد أن الموازنة العامة المصرية عانت بشكل كبير من ارتفاع في بنود المصروفات (نتيجة لارتفاع أسعار السلع الأساسية التي يتم شراؤها والتي يأتي معظمها من الخارج)، ومن ثم فإن استيراد تلك السلع يحتاج إلى عملات أجنبية، وفي ظل انخفاض إيرادات الدولة من العملات الأجنبية نتيجة لانخفاض إيرادات السياحة كما سبق الإشارة، حدث ضغط كبير على احتياطيات الدولة من النقد الأجنبي.

تلك الأوضاع الاقتصادية غير التقليدية دفعت الحكومة المصرية إلى السعي إلى جذب الاستثمارات العربية والأجنبية المباشرة؛ بهدف توفير الموارد من العملات الأجنبية للبلاد. ووفقًا لخطة مصر 2030، تهدف الحكومة إلى توسيع قاعدة مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد المصري، وخفض ملكية القطاع العام بالاقتصاد، وهو ما يعد القاعدة الأساسية للتحول إلى سوق حرة وإتاحة المجال للمشاركة والتنافس بين الشركات.

وبناء على ذلك، وضعت الدولة هدفًا بزيادة نصيب القطاع الخاص في الاقتصاد المصري ليصبح 65% بدلًا من الوضع الحالي بنسبة 30% من خلال خفض ملكية الدولة في بعض شركات قطاع الأعمال، ووضعت خطة لذلك في وثيقة سياسة ملكية الدولة والتي حددت ثلاثة أنواع من القطاعات وهي: قطاعات تنوي الدولة التخارج منها بشكل جزئي وفتح المجال أمام القطاع الخاص لمشاركة الدولة في تقديم تلك المنتجات والخدمات، وقطاعات تستمر الدولة في الإنفاق والتوسع بها بشكل كبير، وأخرى تنوي الدولة التخارج منها بشكل كامل بعدد 79 قطاعًا. 

وفي ضوء تلك السياسة، وجهت الدولة الدعوة للمستثمرين المحليين والأجانب للاستثمار بالسوق المصرية، سواء من خلال تأسيس شركات جديدة بالشراكة مع شركات قطاع خاص حالية، أو بالحصول على حصص ملكية بالشركات الحالية القائمة؛ بهدف اختبار السوق المصرية، ثم التوسع لاحقًا بالسوق بتأسيس شركات جديدة في نفس المجالات أو مجالات أخرى في حالة الرغبة.

ومن المتوقع أن ينتج عن مذكرات التفاهم التي وُقعت اليوم بين جهاز قطر للاستثمار وصندوق مصر السيادي للاستثمارات والتنمية ضخ استثمارات بمبلغ 5 مليارات دولار كما سبق وأن تعهدت قطر، يتحدث السوق عن صفقات مرتقبة في بعض من الشركات المصرية المملوكة للدولة، من خلال استحواذ جهاز الاستثمار في قطر على حصص غير حاكمة في تلك الشركات تتراوح بين 10 – 20%.

وعلى الرغم من أنه لا يمكننا بالتحديد معرفة أسماء الشركات قبل الإعلان عنها، إلا أن هناك بعض الأسماء التي يمكن عدّها الأكثر احتمالًا بين الشركات المزمع عقد صفقات بها، منها الشركة الشرقية للدخان، وشركة الإسكندرية لتداول الحاويات، والشركة المصرية للاتصالات، وشركة مصر للألومنيوم، وربما يكون من المطروح أيضًا الدخول في شراكات أخرى.

ومن الجدير بالذكر أن إجمالي استثمارات قطر المباشرة في مصر خلال الثلاثة أرباع الأولى من عام 2021/2022 بلغت 371.7 مليون دولار، وبلغ إجمالي الاستثمارات التي تم جذبها بداية من الربع الأول في العام المالي 2020-2021 وحتى الربع الثالث من عام 2021 – 2022 879.6 مليون دولار.

ومن المتوقع أن تسهم تلك الصفقات في تنشيط حركة الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر، من خلال بناء ثقة بين المستثمرين وبين الحكومة المصرية وجدية عزمها على تنفيذ سياسة ملكية الدولة، وهو ما سيسهم في تحسين صورة مصر دوليًا بوصفها دولة جاذبة للاستثمارات، وهو ما يعزز من ثقة المستثمرين بالاقتصاد.

ومن جانب آخر وعلى مستوى السيولة، من المتوقع أن تسهم تلك الاستثمارات الأجنبية بالاقتصاد المصري في تعزيز موارد الدولة من العملات الأجنبية التي يمكن استخدامها في تمويل المشروعات الاستثمارية الحالية أو مشروعات البنية التحتية، أو الوفاء باحتياجات المصريين من السلع الأساسية، وربما دعم استقرار قيمة العملة المحلية، أمام العملات الأجنبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى