الأكثر قراءةالعالم العربيمصر

حقبة جديدة: ما الذي تعبر عنه زيارة الرئيس السيسي إلى قطر؟

يمثل وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى قطر، في زيارة هي الأولى من نوعها للدوحة منذ توليه الحكم، تعبيرًا عن حجم التقدم المُحرز فيما يتعلق بمسار النهوض بالعلاقات الثنائية بين البلدين منذ المصالحة العربية الخليجية التي انبثقت عن قمة العلا في يناير 2021، وهو المسار الذي اكتسب المزيد من الزخم في ضوء المحددات السياسية والاقتصادية فضلًا عن المتغيرات الإقليمية والدولية الحاكمة له، وهي المحددات والمتغيرات التي دفعت باتجاه زيادة مساحة التنسيق والتعاون بين البلدين، على قاعدة المصالح المشتركة، وتعزيز العمل العربي المشترك.

انفتاح متنامٍ

مثلت قمة العلا التي عُقدت في جدة في 5 يناير 2021، تدشينًا لمرحلة جديدة من العلاقات البينية العربية، وهي العلاقات التي شهدت العديد من المتغيرات التي صاحبت المخرج الرئيس للقمة، والمتمثل في المصالحة العربية الخليجية، وبناءً عليه تبنت القاهرة والدوحة مسارًا غلب عليه الانفتاح والتعاون، وهو المسار الذي بدأ بتأكيد وزارة الخارجية المصرية بعد ثلاثة أسابيع من القمة أن القاهرة والدوحة اتفقتا على استئناف العلاقات الدبلوماسية.

وفي مارس 2021 زار وفد قطري القاهرة، في زيارة استمرت يومين؛ بهدف “تسريع استئناف العلاقات”. وفي مايو من العام نفسه، استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، نائب رئيس الوزراء وزير خارجية دولة قطر. وفي أغسطس 2021، التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، على هامش قمة جوار العراق، وكانت المحطة الأهم هي الزيارة التي أجراها أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى القاهرة في يونيو الماضي، وصولًا إلى زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي اليوم إلى قطر، وهي الزيارة التي تمثل تتويجًا لمسار الانفتاح المتبادل بين البلدين.

والمُلاحظ في مسار التقارب المصري القطري في الأشهر الأخيرة، أن هذا المسار ارتكز على قاعدة المصالح المشتركة، ومواجهة التهديدات والتحديات الراهنة، وتعزيز العمل العربي المشترك، خصوصًا مع تبني الدوحة في الآونة الأخيرة لمواقف إقليمية كانت قريبة إلى حد كبير من الموقف المصري، مع تهميش نسبي لبعض القضايا الخلافية كملف جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، والذي اتخذت فيه قطر العديد من الخطوات المقبولة.

محفزات التقارب

كان مسار التقارب الحالي بين مصر وقطر أحد مخرجات قمة العلا، لكنه كان مسارًا حتميًا ومحكومًا بجملة من المحددات والعوامل الرئيسة، التي تتداخل فيها المسارات الاقتصادية والسياسية والإقليمية والدولية، وذلك على النحو التالي:

1- لا يمكن فصل مسار التقارب عن السياق الإقليمي الأعم الذي يأتي فيه، وهو السياق الذي شهد تراجعًا واضحًا أو آفولًا لتيار الإسلام السياسي، ما قلل من الرهان القطري على هذا التيار، وهو اعتبار زاد من فرص التقارب المصري القطري، على اعتبار أن هذا الملف كان على رأس الملفات الخلافية بين الجانبين.

وفي سياق متصل يوجد مجموعة من الملفات التي تتقارب فيها وجهتي النظر المصرية والقطرية، وتدفع باتجاه تعزيز مسار التعاون الثنائي، وعلى رأس هذه الملفات القضية الفلسطينية وقطاع غزة، حيث أدى التنسيق المصري القطري في هذا الملف إلى تفاهمات بخصوص عملية إعادة إعمار غزة، فضلًا عن وقف إطلاق النار بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في الأشهر الأخيرة، حيث أن نفوذ الطرفين لدى كافة أطراف الأزمة يُعزز من قدرة تدخلهما على إحداث اختراق للأزمة، وتحقيق تقدم على مستوى معالجتها.

هذا وتبنت قطر موقفًا إيجابيًا وداعمًا لمصر والسودان في قضية سد النهضة، حيث أكدت الدوحة في أكثر من مناسبة على رفضها لأي إجراءات أحادية من شأنها تهديد الأمن المائي للبلدين، بل إنها تبنت بعض التحركات التي سعت إلى إيجاد حل تفاوضي بين أطراف الأزمة.

أيضًا يوجد تقارب نسبي بين مصر وقطر في عدد من الملفات الأخرى إذ يتفق الطرفان على أولوية الحل السياسي في ليبيا على أساس بناء قاعدة دستورية وإجراء الاستحقاقات الانتخابية وتوحيد مؤسسات الجيش وتفكيك الميليشيات واحتواء التصعيد العسكري، وما ينطبق على القضية الفلسطينية ينطبق على الأزمة الليبية، إذ يُمكن أن يُحدث التقارب المصري القطري اختراقًا للأزمة الليبية، ومدخلًا لممارسة الضغط على كافة أطراف الأزمة من أجل العودة إلى الحوار واللجوء إلى الحلول السياسية، وقد تجسدت معالم هذا التقارب في المواقف في استقبال الدوحة مؤخرًا لرئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، ولا يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة للحالة السودانية، إذ ينخرط الطرفين بشكل “متوازن” في الأزمة على قاعدة إيجاد حل توافقي بين العسكريين والمدنيين، بما يُجنب السودان سيناريوهات الفوضى.

2- عانت كافة دول العالم في الفترات الأخيرة من أزمات اقتصادية طاحنة، فمع البدء في التعاطي مع تداعيات جائحة كورونا الاقتصادية وحالة الإغلاق العام التي شهدتها غالبية دول العالم، وجد العالم نفسه أمام أزمة عالمية جديدة ذات تداعيات أكثر عنفًا على كافة المستويات، وهي الحرب الروسية الأوكرانية، الأمر الذي جعل ملف التعاون والتضامن الاقتصادي على رأس أولويات العمل العربي المشترك في الحقبة الراهنة، في ضوء المعاناة الكبيرة لمعظم الاقتصادات العربية، فضلًا عن أن دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي في منتصف يونيو الماضي، الأشقاء العرب إلى تحويل ودائعهم لدى البنك المركزي إلى استثمارات مباشرة، بما يعزز فرص الاستثمار المباشر بدلًا من الاعتماد على الودائع في تأمين الاحتياطي النقدي، سوف تلاقي ترحيبًا من الجانب القطري خصوصًا وأن السياسة الخارجية القطرية تقوم على فكرة أن المدخل الاستثماري يمثل أحد المداخل الرئيسة والمهمة لبناء علاقات قوية مع الدول، وضمان المصالح القطرية في العالم.

الجدير بالذكر أنه على الرغم من الخلافات السياسية الكبيرة بين البلدين منذ الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في ثورة يونيو 2013، إلا أن هذه الخلافات لم تنعكس على العلاقات الاقتصادية بين الدولتين، بل إن الاستثمارات القطرية في مصر وفق بعض التقديرات، ارتفعت بنسبة 300% في الفترة من 2017 وحتى 2020، ما يعني أن التقارب السياسي الحالي بين البلدين سوف ينعكس بطبيعة الحال على العلاقات الاقتصادية بينهما.

3- تأتي زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الدوحة ومباحثاته مع أمير قطر، في ظل سياق إقليمي ودولي يشهد العديد من التحديات والمتغيرات المهمة، فضلًا عن أن الزيارة تأتي قبيل استحقاقات عربية مهمة وعلى رأسها القمة العربية في الجزائر التي ستُعقد في شهر نوفمبر المقبل، وهي اعتبارات تُحتم زيادة التنسيق والتعاون بين كافة الدول العربية، على قاعدة مواجهة التهديدات المشتركة.

وفي الختام يمكن القول إن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى قطر، تأتي كتتويج للتحركات الأخيرة من قبل البلدين لتدشين حقبة جديدة من العلاقات، وهي الحقبة التي تقوم على أساس تحقيق المصالح المشتركة، ومواجهة التحديات الراهنة التي تواجه الدولتين وتواجه الأمن القومي العربي، سواءً على مستوى التهديدات التقليدية المرتبطة بالظاهرة الإرهابية، أو التحركات الإقليمية المزعزعة للاستقرار في الدول العربية، أو تصاعد ظاهرة الدول المأزومة في العالم العربي، وتنامي الخلافات العربية-العربية بما يهدد العمل العربي المشترك، فضلًا عن التهديدات المستحدثة المرتبطة بشكل رئيس بارتدادات الأزمة الروسية الأوكرانية، خصوصًا على الأمن الغذائي والطاقوي، أو تداعيات جائحة كورونا التي لا تزال العديد من الدول تعاني من وطأتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى