أوروبامصر

إمبراطورية غابت عنها الشمس وتاريخ لا يموت

بقي البطل القومي، أحمد عرابي، في مكانه حيث يحتل بقعة مضيئة من ذاكرة العالم حتى اللحظة الراهنة؛ فُرغم الهزيمة الخاطفة التي تعرض لها المصريون تحت قيادته في معركة التل الكبير 1882 على يد الإنجليز، إلا أن وقائع التاريخ تحكي كيف أن هذه الهزيمة التي ترتب عليها احتلال مصر لم تحدث من وازع مواجهة قوة عسكرية بأخرى فتكت بها، بل إنها هزيمة مشرفة تليق بالأبطال الذين عادة لا يسقطون إلا بالخيانة.

ففي مراسم تنصيب الملك “تشارلز الثالث”، خلفًا لوالدته الراحلة الملكة “إليزابيث الثانية”، استعرضت الفرق العسكرية الإنجليزية إنجازاتها الاستعمارية بكل فخر من خلال التباهي بعلم مذكور عليه أسماء المعارك التي انتصر فيها الجيش الإنجليزي، وفي مركزه تمامًا ذُكر اسم معركة التل الكبير بوصفها انتصارًا لإنجلترا! في خطوة تُلقي بدلالاتها على طبيعة العقلية الاستعمارية الإنجليزية بوجه عام، ومدى ما يكون قد طرأ عليها من تطورات عبر كل تلك العصور المتفاوتة التي أغدقت فيها قيادات إنجليزية على العالم بعبارات حول الإنسانية والديمقراطية وغيرها من القيم التي لا يقوم الإنجليز أنفسهم بتطبيقها. بشكل صار يستدعي معه أن نُعيد إلى الأذهان ذكرى بعض المحطات التاريخية الفاصلة في تاريخنا المشترك؛ أملًا في الوصول إلى خُلاصات حول حقيقة النظام الملكي البريطاني.

معركة التل الكبير: هزيمة شريفة خير من النصر الجبان

رغم أن الحدث الرئيس الذي تهتم به الصحافة الدولية في عالم اليوم يتمحور حول وفاة امرأة ملكت واحدة من أكثر الدول ذات التاريخ الدموي والاستعماري حول العالم، إلا أن ذكرى البطل المصري تظل مع ذلك حاضرة في الأذهان كلما أتينا على ذكر اسم مدينة التل الكبير المصرية. وعند هذه النقطة، تطرح التساؤلات نفسها، حول لماذا نقول عنه بطل رغم أن التاريخ يُنهي مسيرته العسكرية بهزيمة؟! وهل يُصنف المرء بطلًا في حالة النصر أم من الممكن أن تكون ثمة حالات أخرى؟

وردًا على ذلك، نجد أن كل نصر حتى يصبح نصرًا يجب أن تكون له أسبابه. والعكس بالمثل صحيح، فلا توجد هزيمة بدون أسباب. ولكن هزيمة عن هزيمة تختلف، فمن يُهزم بفعل قلة الاستعداد أو الخوف ليس كمن يُهزم بفعل الخيانة، وليس أيضًا هناك وجه مقارنة بين من يستسلم ومن يقاوم حتى الرمق الأخير. وفي الحالة الراهنة بين يدينا، يُعاد إلى الأذهان بشكل تلقائي قصة معركة التل الكبير التي حملت دلالات محورية في تاريخ مصر التي ترى المملكة المتحدة، حتى يومنا هذا، أن احتلالها كان من أهم انتصاراتها العسكرية.

بدأت المعارك بين الجانبين تحتدم في تاريخ 2 مايو 1882، عندما ضرب الأسطول الإنجليزي مدينة الإسكندرية، وأُجبرت القوات المصرية على الانسحاب من المدينة بعد محاولات مستميتة لصد العدوان البريطاني. كانت القوات البريطاني في ذلك الوقت، وقوامها 24 ألف من الجنود، تخضع لقيادة الجنرال، “جارنت ولسلي”. بالإضافة إلى قوة أخرى كان قوامها 7000 جندي من الهنود كانت قد انطلقت من عدن في طريقها للانضمام إلى صفوف المعركة في مِصر. 

فشلت محاولات، “ولسلي”، في الوصول إلى القاهرة عن طريق الإسكندرية، وكان عرابي قد نشر بالفعل قواته في كفر الدوار وعكف على إعداد دفاعات قوية، مما ترتب عليه نجاح الجيش المصري في صد الهجمات البريطانية لمدة خمس أسابيع متتالية. ورأى عرابي أن الجيش البريطاني ربما يفكر في تحقيق اختراق عبر قناة السويس، لذلك فكر في ردمها حتى يحول دون قدرة الأسطول الإنجليزي من المرور. لكن بمجرد أن علم “فرديناند ديليسبس”، بنية عرابي، طمأنه وأكد له أنه لن يسمح بمرور أي قوات بريطانية من القناة. 

ولكن سرعان ما نكث “ديليسبيس” بوعوده لعرابي وسمح للإنجليز بالدخول إلى القناة والسيطرة عليها في يوم 6 سبتمبر. ولم تكن تلك الخطوة هي الخيانة التي ضربت أول مسمار في نعش المعركة فحسب، بل أن النصر الاستعماري الإنجليزي لم يكن ليتكلل في شكله النهائي من دون الدور المحوري الذي لعبته خيانات أخرى صدرت عن مصريين لم ينضموا إلى صفوف الكفاح واختاروا بيع وطنهم للعدو. 

بينما خاض عرابي المعارك بشجاعة حتى آخر لحظة. وحاول، في 10 سبتمبر، استعادة القناة وهاجم الإنجليز بشراسة ونجحت قواته في أن تكبدهم خسائر كبيرة. وبتاريخ 12 سبتمبر، ذهب مُرشد الجيش المصري، سعيد الطحاوي، إلى عرابي في خيمته وأكد له أن الإنجليز لا ينوون مهاجمة القوات المصرية قبل أسبوع. وفي الساعات الأولى من صباح 13 سبتمبر، أمر “ويلسلي”، جنوده البالغ قوامهم 11 ألفًا من المشاة و2000 من الفرسان، مزودين بـ 60 مدفعًا، بالتحرك تجاه المعسكر المصري. وفي تلك اللحظة، ظهر سعيد الطحاوي نفسه بصفته مرشدًا على رأس قوة العدو، ليكشف في ذلك وجهه الحقيقي الخائن. 

وكتب التاريخ كذلك أن رئيس الحزب الوطني، محمد باشا سلطان، كان من بين خونة عرابي في هذه المعركة. وذلك بعد أن وزع الذهب على بدو الصحراء الشرقية، وعلى رأسهم سعيد الطحاوي، حتى يسهلوا مهام عمل الجيش الإنجليزي. وجاءت الخيانة كذلك من طرف آخر وهو عبد الرحمن حسن قائد فرقة السواري التي يتعين عليها أن تكون في مواجهة القوات الإنجليزية. والذي اتضح فيما بعد أنه كان على علم مسبق بنبأ الهجوم الإنجليزي، لذلك تحرك بعيدًا عن أرض المعركة بجنوده حتى يستطيع الإنجليز المرور بسهولة في ليلة الهجوم، الذي تم تنفيذه في ساعات الفجر المتأخرة. حيث فتح الإنجليز نيران المدافع على الجنود النائمين فتشتتوا، بينما كان عرابي في هذه اللحظة يؤدي صلاة الفجر في خيمته. فهرع خارجًا منها للقتال، وأذهله مشهد هروب الجنود وتشتتهم وفشلت كل جهوده في جمعهم وكاد أن يتعرض للإصابة. 

وبهذه الطريقة، انهزم المصريون وأضافت بريطانيا إلى مستعمراتها مصر. ولكن نطرح هنا تساؤلًا، حول هل كانت هذه الهزيمة سهلة؟ هل تمت في شكل استسلام؟ هل كانت بفعل خيانة القائد وانصياعه للمستعمر الأجنبي مقابل امتيازات يحصل عليها في وقتٍ لاحق مثلما فعل آخرون؟! 

لا. بالتأكيد؛ لأن عرابي حارب بشرف حتى آخر لحظة. وأن النصر لم يكن لقمة سائغة في فم المستعمر؛ فقد كانت خسائر بريطانيا في المعركة حوالي 75 قتيلًا و380 جريحًا و20 من المفقودين، مقابل عدد يفوقه بغزارة من المصريين الشرفاء الذين ضحوا بحيواتهم، وبذلوا الدم والعرق على أمل إنقاذ وطنهم، وهؤلاء بلغ عددهم 1396 قتيل مصري، و681 جريحًا. 

ولأن الهزيمة أو النصر لا تُحدد في حقيقة الأمر ما إذا كان الإنسان بطلًا أم لا، نستعيد إلى الأذهان هنا المقولة الشهيرة لـ “بيلي جان كينج”، التي تقول “إن الأبطال الحقيقيين ليسوا دائمًا هم الفائزين، ولكن أولئك الذين لديهم أكبر قدر من الشجاعة”. وهو ما يُخبرنا بالحقيقة المؤكدة، وهي أن عرابي اختار المقاومة ولم يخضع وحاول حتى الرمق الأخير وهذا في حد ذاته يحتسب بطولة وشجاعة، خاصة في زمن كان من الأسهل فيه على الخونة بيع وطنهم للمستعمر الأجنبي. حتى أن الجنرال البريطاني المستعمر “جارنت ولسلي”، بنفسه قال بعد انتهاء المعركة إن المصريين أبلوا بلاءً حسنًا. لكن الغريب في هذه القصة هو كيف تعتقد المملكة المتحدة حتى اليوم أن نصرًا استعماريًا جشعًا قائمًا على هذا النوع من الألاعيب هو في الحقيقة نصرًا يُفتخر به! 

العدالة والنظام الملكي: المملكة المتحدة نموذجًا

ليس ثمة شك في أن المملكة المتحدة، مثلها في ذلك كمثل سائر البلدان الأوروبية، تُعاني من مرارة التبعات الاقتصادية للحرب الروسية على أوكرانيا. ومثال صارخ على ذلك، تجسد في التصريحات الصادمة التي خرج عمدة لندن، 20 أغسطس، ليعلنها للناس. محذرًا إياهم من مغبات شتاء قارس سيكون عليهم فيه الاختيار ما بين التدفئة أو الطعام! وذلك بعد تنبؤات نشرتها وكالة “بلومبرج”، في وقتٍ سابق، أكدت من خلالها أن متوسط فاتورة الكهرباء في بريطانيا من الممكن أن تتجاوز المستويات التاريخية الشتاء القادم بشكل لم تعرف البلاد له مثيلًا من قبل.  

علاوة على ذلك، هناك الإعلان الذي أدلى به، مكتب منظم الطاقة البريطاني، في 26 أغسطس، بأن الفواتير سوف تقفز بنسبة 80% في أكتوبر. وهي جميعها فواتير تتجاوز السقف الذي في مقدور أي أسرة بريطانية من الطبقة المتوسطة أن تتحملها على الإطلاق، بشكل سلط المزيد من الضوء على الهوة العملاقة بين المجتمع الإنجليزي من جهة، وبين أحوال طبقة أثريائه وعلى رأسهم أفراد العائلة المالكة من جهة أخرى. 

وما عمق من حجم التساؤلات حول هذه الهوة هو الأنباء التي أخذت وسائل الإعلام الغربية والعربية منذ لحظة وفاة الملكة حول حجم ثروتها المهولة التي آلت إليها بطرق شتى، لا يندرج ضمن أي منهم بند “العمل”، أو “الكد”، أو “الاجتهاد” والسعي إلى بناء هذه الثروات. في شكل يجسد المقولة العربية الشهيرة “ولد وفي فمه ملعقة ذهب”، مع الفارق، الذي يجعل من الأجدر القول إن الملكة وأفراد عائلتها قد ولدوا وفي فمهم ملايين من المعالق الذهبية، التي لا تُعد ولا تحصى. 

فقد رحلت الملكة تاركة خلفها ثروة تُقدر بـ 370 مليون جنيه إسترليني. وتضم حافظة الملكة أصول وممتلكات، مثل قلعة “بالمورال” التي تقدر قيمتها بـ 100 مليون جنيه إسترليني، إضافة إلى عقارات وأملاك أخرى تقدر بمبالغ خيالية، ومجموعة من المجوهرات الشخصية الكبيرة كذلك. 

كما سبق وورثت الملكة عن أمها الراحلة ثروة تقدر بـ 94 مليون دولار. فقد تضمنت تركة والدتها الراحلة في 2002، أعمالًا فنية لا تقدر بثمن ومجوهرات وخيول. علاوة على إرثها من ممتلكات زوجها الراحل، الأمير فيليب، والتي بلغت قيمتها 30 مليون دولار. والجدير بالذكر، أن كل هذه التركات التي يمتلكها أفراد العائلة المالكة وتؤول من أحدهم إلى الآخر بالوراثة “المعفاة تمامًا من الضرائب”، غير منوط بها تغطية نفقات الملكة والأسرة الحاكمة! 

فالحكومة البريطانية تمنح العائلة المالكة بحكم القانون بدلًا سنويًا يسمى بالمنحة السياسية، يكون منوطًا بتغطية النفقات الرسمية للملكة ومصروفات أفراد العائلة المالكة، وبلغ في آخر تقدير مُعلن له نحو 86 مليون جنيه إسترليني. وتقدم هذه الأموال من الحكومة إلى الملكة بناءً على أرباح شركة “كروان” العقارية، وهي مجموعة ضخمة من الأراضي والممتلكات والأصول في المملكة المتحدة التي تعود ملكيتها إلى الملك البريطاني، وبلغ صافي أرباحها عام 2020 نحو 475 مليون دولار. وجرى تحديد المنحة السيادية بما يعادل 15% بموجب اتفاقية مبرمة منذ عام 1760، قبل أن تتم زيادتها مؤقتًا لتغطية أعمال التحديث الشاملة في قصر باكنغهام.

وبهذه الطريقة، نفهم أن معاناة الشعب البريطاني من وطأة التبعات الاقتصادية للحرب الروسية الأوكرانية في ظل أزمة الطاقة التي تسبق شتاء صعب، لا يجب أبدًا وأن تطال ثروات الأسرة الحاكمة. بشكل يسلط الضوء على حالة انعدام العدالة الاجتماعية التي تعيشها الدولة الأوروبية المتحضرة التي لطالما ضربت مثالًا يُحتذى به في الحديث عن القيم الإنسانية والعدالة الاجتماعية، متغاضية بذلك عن تاريخها الاستعماري الذي لابد وأنها لم تتراجع عنه حتى اللحظة، وتتباهى به بكل فخر واعتزاز.

وعند هذه النقطة، يطرح سؤال نفسه، ما هي جدوى الملكية البريطانية؟! تُرى من أين حصلت قلة قليلة للغاية من البشر على الحق في الحصول على مبالغ ضخمة بدون أي جهد منهم، في ظل أزمات اقتصادية عاصفة تعصف بعامة الشعب الذي يقولون إنهم يحكمونه؟! 

نطرح ذلك السؤال، بغض النظر عن حقيقة أن العائلة المالكة البريطانية وعلى رأسهم الملك نفسه، لا يحكمون بلادهم في الحقيقة؛ نظرًا إلى أن المملكة المتحدة تعيش نظامًا ملكيًا دستوريًا ذا صلاحيات محدودة، تجعل مهام الملك تقتصر فقط على تكليف تشكيل الحكومة بعد الانتخابات العامة، والحضور في مراسم الاستقبال الرسمي وترؤس الاحتفالات الرسمية والوطنية! بشكل يجعلهم في الحقيقة، على خلاف عائلات ملكية أخرى في العالم، لا ينشغلون ولا ينخرطون ولا ينهمكون في إدارة شؤون بلادهم بشكل يستدعي معه ضرورة حصولهم على أجر مقابل هذه المهام!

وهناك أيضًا تساؤلات أخرى تنبع من تلقاء نفسها في السياق نفسه، أيعقل أن نتقبل مرة أخرى أحاديث عن العدالة تنبع عمن لا يمارسونها بأنفسهم؟! هل يكون من الطبيعي ألا يصدر أي اعتذار رسمي بريطاني عن العهد الاستعماري الاستنزافي لمصر الذي استمر على مدار 74 عامًا، بذلت فيها المقاومة المصرية دماء لا تعد ولا تحصى أمام مُحتل بريطاني لا يأبه لشيء سوى نهب المُقدرات المصرية واستغلالها لصالح بناء المجد الإنجليزي؟! 

داليا يسري

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى