آسيا

التقارير الحقوقية الدولية بشأن الصين.. ورقة ضغط بدافع أمريكي

بعد تأجيلات متكررة، أصدر مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان –بعد زيارة من المفوضة “ميشيل باشليت بدأت في مايو 2022- تقريرًا يشير إلى وجود انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تقوم بها الصين في منطقة “شينجيانج” ذات الأغلبية المسلمة من الإيجور وهونج كونج والتبت، وشمل التقرير وجود معاملات قسرية مثل التعذيب والعنف وسوء المعاملة والعلاج الطبي والاحتجاز، وعنف على أساس النوع الاجتماعي. 

ورغم ذلك، شمل التقرير مجموعة من الإشادات بالجهود الصينية في التخفيف من حدة الفقر، والقضاء على الفقر المدقع قبل 10 سنوات من التاريخ المحدد لتحقيق هذا الهدف، بالإضافة إلى التشريعات التي عملت على حماية حقوق المرأة، والعمل الذي تقوم به المنظمات غير الحكومية لتعزيز حقوق ذوي الإعاقة وكبار السن. وأكدت على أهمية دور الصين على المستوى الإقليمي ومتعدد الأطراف لتعزيز وحماية حقوق الإنسان.

استند هذا التقرير إلى آراء مجموعة من المسؤولين الحكوميين والعديد من منظمات المجتمع المدني والأكاديميين وقادة المجتمع والزعماء الدينيين، بجانب لقاءات مع منظمات مهتمة بقضايا كل من شينجيانج وهونج كونج ومناطق أخرى. 

اتهامات بجرائم دولية.. وتوصيات علاجية

وصف التقرير معاملات السلطات الصينية في الإقليم بأنها ترقى إلى حد الجرائم الدولية وجرائم ضد الإنسانية، وذلك استنادًا إلى ما اعتمد عليه التقرير في تقييمه للقوانين الحكومية والسياسات والبيانات الرسمية التي أكدت الحكومة الصينية أنها تستهدف الإرهابيين من بين أقلية الإيجور باستراتيجية مكافحة التطرف التي تنطوي على استخدام “مراكز التعليم والتدريب المهني” أو معسكرات إعادة التعليم. لكن رأى التقرير أن سياسة الحكومة في الإقليم في السنوات الأخيرة “أدت إلى أنماط متشابكة من القيود الشديدة وغير المبررة على مجموعة واسعة من حقوق الإنسان”.

وأكد التقرير في أجزائه على أن القيود التمييزية التي تمت ممارستها على الحرية الدينية والحق في الخصوصية والحركة قد تجاوزت الحدود؛ لأنها أنتجت أنماطًا من الترهيب والتهديد وفصل العائلات بما يخالف القانون الدولي، وهو ما دفع المفوضية بالتوصية للحكومة الصينية بأن تتحمل واجبها في “ضمان توافق جميع القوانين والسياسات مع القانون الدولي لحقوق الإنسان والتحقيق في أي مزاعم تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، وضمان مساءلة الجناة، وتوفير الإنصاف للضحايا”. وأوصت باتخاذ خطوات فورية للإفراج عن جميع الأفراد المسجونين بشكل تعسفي في الإقليم، سواء في المعسكرات أو أي مركز احتجاز آخر، والسماح للعائلات بمعرفة مكان وجود أي أفراد تم اعتقالهم وتوفير قنوات اتصال آمنة معهم.

تفنيد صيني ورد حازم

أصدرت الصين بيانًا حازمًا للرد على تقرير المفوضية، وفصّلت في البيان مجموعة من النقاط التي ذكرها التقرير؛ فعلى سبيل المثال، أشار البيان الصيني إلى أن السلطات في منطقة شينجيانج تعمل وفقًا لمبدأ المساواة بين الجميع أمام القانون، ولا أساس لصحة الاتهامات بأن السياسات تسير وفقًا لمبدأ التمييز. وأكدت أن ما تقوم به من جهود في تلك المنطقة يستهدف مكافحة الإرهاب والتطرف وفقًا للقانون دون تعبير عن قمع الأقليات العرقية.

بجانب ذلك، أشار البيان إلى أن مراكز التدريب المهني والتقني هي “منشآت تعليمية أُنشئت وفقًا لقانون يهدف إلى إزالة التطرف” وليست “معسكرات اعتقال” كما ذكر التقرير، بالإضافة إلى أن “الحقوق والمصالح المشروعة للعمال من جميع المجموعات العرقية في شينجيانج محمية ولا يوجد عمل جبري أو انتهاك جسيم للحقوق”.

وطالب البيان المجتمع الدولي بالنظر للجهود الصينية في مكافحة الإرهاب ومواجهة المحاولات الغربية والأمريكية لاستخدام منطقة شينجيانج لتطويق الصين، وفي نفس الوقت عليه التحقيق في الكوارث الإنسانية التي تسببت فيها الولايات المتحدة ودول أخرى في الداخل والخارج.

اعتبارات مهمة

يمكن ذكر مجموعة الأمور يمكن أخذها في الحسبان في إطار ما ذكره التقرير ورد الفعل الصيني؛ كالآتي:

بالنظر إلى الرد الصيني على ما ورد في التقرير بالحديث عن الحرية الدينية التي تنتهكها الصين ضد أقلية الإيجور فإنه يؤكد ازدواجية معايير المجتمع الدولي في التعامل مع الأقليات والعرقيات المختلفة، ويؤكد من جانب آخر أن المجتمع الدولي -بدافع أمريكي-  يستخدم الورقة الحقوقية لفتح جبهة ضغط على الصين، خاصةً في ظل ما تشهده الساحة من تطورات في إطار التوترات بين بكين وواشنطن بشأن تايوان، بشكل أخص عقب الزيارة الأخيرة التي أجرتها رئيسة مجلس النواب الأمريكي “نانسي بيلوسي” لتايبيه.

يبدو أن الصين كانت مستعدة لما قد يذكره التقرير بشأن وجود انتهاكات، فإذا كانت تمارس بالفعل تلك الانتهاكات فإن هذا يتناقض مع توجيهها الدعوة للمفوضية للقيام بمهمة البحث في المنطقة، لذا من غير المنطقي أن تدفع الحكومة باستقصاء منطقة تظن أنه سيتم خروج تقرير يدينها بانتهاك حقوق الإنسان.

البعض يرى أن التأجيل المتكرر لخروج التقرير بنتائجه كان نابعًا من وجود إفادات بأن الصين تمارس نفوذًا في مجلس حقوق الإنسان؛ فقد أثارت مجموعات حقوق الإنسان والخبراء الأكاديميين الاتهامات بتساهل المفوضة “باشليت” بالتساهل مع بكين خاصةً بعد زيارة رأوها مثيرة للجدل إلى الصين خلال العام الجاري، إذ أشارت إلى أنها لم تستطع الوصول غير المقيد في رحلتها النهائية في مايو الماضي بسبب قيود الإغلاق الخاصة بكورونا لذا لجأت إلى تحديث التقرير بعد تلك الرحلة، وسبق أن أشارت إلى أن الرحلة لا تستهدف الاستقصاء ولكنها استخدمتها لإجراء “مناقشات مباشرة”.

تتعمد الصين مؤخرًا إظهار ما تقوم به من تطوير في المنطقة الشمالية الغربية الغنية بالعديد من الموارد سواء من حيث التنمية أو تشييد الطرق أو عقد اتفاقيات مع الدول المجاورة من آسيا الوسطى وروسيا –إذ كانت المنطقة محل مواجهات بين الصين وروسيا في السابق- كي يتم التأكيد على أن هذه المنطقة ضمن مرتكزات الحكومة في مكافحة التطرف، بالإضافة إلى حماية الصين من الجهة الغربية بما لا يؤثر على ممرات الحزام والطريق في تلك المنطقة.

يسهم التقرير في تعزيز المشاعر المعادية للصين في الخارج خاصة مع اقتراب مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني للتصويت على ولاية ثالثة للرئيس “شي جين بينج”، وقد ظهر هذا على المستوى الأوروبي –خاصةُ في ظل التوترات الأخيرة التي يشهدها الطرفان- فقد دعت ألمانيا إلى إطلاق سراح جميع الإيجور المحتجزين بشكل تعسفي، وأشار البرلمان الأوروبي في يونيو الماضي إلى أن الأدلة التي ذكرها التقرير تمثل “خطرًا جسيمًا”. لكن لم يتم تناول أي شيء بخصوص التقرير على المستوى الداخلي عبر وسائل الإعلام الصينية أو وسائل التواصل الاجتماعي التي تشهد رقابة حكومية قوية.

ارتباطًا بالنقطة السابقة، رغم المقارنة مع آخر تقرير أممي صادر عن الإيجور منذ أربع سنوات من حيث رد الفعل من المجتمع الدولي بعدم وجود أي دعوة رسمية لإجراء تحقيق، بالإضافة إلى إنكار مناشدات الخبراء بمراقبة الحقوق بما عدّه البعض نفوذًا وضغطًا صينيًا يتم ممارسته. لكن التعامل مع نتائج هذا التقرير يبدو أنها مختلفة بعض الشيء؛ لأنه يمكن أن يعزز الضغط من أجل المساءلة التي لم تحدث من قبل. 

رغم وجود احتمالية تصويت أغلب الدول لصالح إجراء تحقيق رسمي، لكن لا توجد آلية لإجبار الصين على الامتثال لهذا الأمر. يضاف إلى ذلك تجاهل بكين للقرارات الدولية في السابق، وهو ما ظهر على سبيل المثال في رفض حكم التحكيم مع الفلبين ضد مطالباتها في بحر الصين الجنوبي، وقد دعت “هيومن رايتس ووتش” العام الماضي إلى فرض حظر منسّق على التأشيرات، وحظر سفر، وعقوبات​ فردية محددة الهدف على السلطات المسؤولة عن الأعمال الإجرامية.

من جانب آخر، هناك من يرى أنه من الممكن تقديم الدعم الدولي لحملات الإيجور حول العالم بما يجبر الصين على تحسين سياساتها، وقد يمكن اعتبار عدم نجاح المسؤولين الصينين في إحباط العقوبات الدولية بحظر القطن وسلع أخرى بسبب السياسات المتبعة في شينجيانج كخطوة في هذا السياق. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى