العراق

استراتيجية التسويف وانعكاساتها على تعقيدات الأزمة السياسية العراقية

ينفتح الوضع السياسي الراهن في العراق على كافة السيناريوهات، خصوصًا عقب قرار المحكمة الاتحادية أمس الذي أقر بعدم اختصاصها بمسألة حل البرلمان العراقي. وقد استبق قرار المحكمة منذ أيام مبادرة رئيس البرلمان محمد الحلبوسي الذي طرح بنودًا للحل في إطار تسوية الأزمة السياسية في العراق، وعلى الرغم من أن مقربين من رئيس البرلمان أشاروا إلى التوافق حول المبادرة من قبل التيار الصدري وتحالف السيادة والحزب الديمقراطي الكردستاني، إلا أنه سرعان ما اتضح أن اليوم أشبه بالبارحة.

فكان التيار الصدري أبرز المتغيبين عن جلسة الحوار الوطني كأحد انعكاسات المبادرة التي تضمنت من البنود عشرة، ركزت في مجملها على تحديد موعد للانتخابات النيابية المبكرة وانتخابات مجالس المحافظات في موعد أقصاه نهاية العام المقبل، وانتخاب رئيس الجمهورية، إضافة إلى اختيار حكومة كاملة الصلاحية متفق عليها. ولكن المبادرة على أي حال لم تتعرض لجوهر الخلاف الشيعي- الشيعي والذي عطل العملية السياسية برمتها، إلا أنها ركزت على أمور جدلية أخرى مما يستدعي تفصيلها على النحو التالي:

أولًا) قراءة في مبادرة الحلبوسي:

من ضمن الأمور التي ركزت عليها المبادرة إعادة تفسير المادة 76 من الدستور العراقي والتي تتضمن تكليف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددًا بالعمل على تشكيل مجلس الوزراء خلال 15 يومًا من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية. حيث يتم القيام من قبل رئيس مجلس الوزراء المكلف بتولي تسمية أعضاء وزارته وذلك خلال مدة أقصاها 30 يومًا من تاريخ التكليف.

وتكمن الجدلية في إعادة تفسير المادة في أن الحكم الذي أصدرته المحكمة الاتحادية العليا في العراق لتفسيرها كان تفسيرًا وصف في مواضع كثيرة بالمعيب لأنه جاء ربما تحت ضغوطات سياسية في مارس 2011 حينما استجابت المحكمة لطلب نوري المالكي في تحديد ماهية الكتلة النيابية الأكثر عددًا، مما عرقل إمكانية تشكيل الحكومة العراقية خلال المدد الدستورية المحددة.

وتنحسر الإشكالية في الاختلاف حول هل يقصد بالكتلة النيابية الأكثر عددًا تلك التي تم تشكيلها قبل الانتخابات أم بعد الانتخابات بغية تكوين الحكومة. وخرج حكم المحكمة بتفسير ينحاز للإطار التنسيقي قبل أن تعود مرة أخرى وتؤكد على دستورية المادة رقم 70 من الدستور العراقي والتي تشترط انعقاد جلسات البرلمان بأغلية الثلثين. ولذلك فإنه من آفاق التوصل لحل سياسي إعادة النظر في تفسير المادة 76 على وجه التحديد.

ونبقى في الدستور العراقي؛ إذ تثير المادة 92 جدلًا من نوع آخر يتعلق بالحلقة المفرغة التي تدور فيها العملية السياسية في العراق؛ فمع استمرارية الاعتراض على أحكام المحكمة الاتحادية تظهر الحاجة أيضًا إلى إعادة النظر في تشكيلها. ولكن مرة أخرى يصطدم أي تغيير في العراق بأغلبية الثلثين في البرلمان؛ إذ تنص المادة 92 من دستور البلاد أن المحكمة الاتحادية العليا تتكون من عدد من القضاة وخبراء في الفقه الاسلامي وفقهاء القانون، يحدد عددهم وتنظم طريقة اختيارهم وعمل المحكمة بقانون يسن بأغلبية ثلثي اعضاء مجلس النواب. بمعنى آخر فإن تفعيل المادة يتطلب انعقاد البرلمان بأغلبية الثلثين، وأغلب الظن أن الإطار التنسيقي يرفض ذلك لأن تفسير المحكمة الاتحادية للمادة 76 يصب في صالحه.

ومن ضمن ما طرحه الحلبوسي في مبادرته أيضًا إقرار قانون الموازنة العامة الاتحادية وهو الأمر شديد التعقيد والتأثير في آن؛ لأنه لا يمكن لأي بلد الاستمرار بنظام مستقر وثابت دون إقرار موازنة عامة تحدد المصروفات والإيرادات، وفي هذه الحالة فإن إقرار موازنات مؤقتة مثله مثل وضعية الحكومة المؤقتة للكاظمي تدفع الضرر، ولكنها لا تأتي بجديد لأن آلياتها مكبلة بحجة أنها حكومة تصريف أعمال. وتنبغي الإشارة هنا إلى أنه في ظل ارتفاع عائدات بيع النفط العراقي لمستويات ضخمة -خصوصًا بعد ارتفاع أسعار الخام كأحد انعكاسات الحرب الأوكرانية- تظهر تخوفات من احتمالية إهدار هذه العوائد في ظل عدم إقرار موازنة عامة.

وكنتيجة مترتبة على غياب وجود موازنة عامة معلنة، يصعب تنظيم العلاقة بين الحكومة المركزية في بغداد وإقليم كردستان العراقي بوصفه يتمتع بحكم ذاتي، إضافة إلى أنه يمتلك احتياطات ضخمة من مصادر الطاقة تؤهله للتعامل مع حكومات أخرى دون الرجوع لبغداد، وذلك حتى بعد أن أصدرت المحكمة الاتحادية قرارها الذي طعن في دستورية قانون النفط والغاز لإقليم كردستان.

وبحسب قرارها، رأت أن عقود النفط التي أبرمتها حكومة إقليم كردستان العراق مع شركات نفطية وأطراف ودول أجنبية “باطلة”، ويشمل هذا اتفاقيات الاستكشاف والاستخراج والتصدير والبيع، وأشارت إلى أنه يجب السماح لوزارة النفط بتدقيق كل الاتفاقيات التي أبرمتها حكومة اقليم كردستان مع شركات للنفط والغاز. وجاء الرد على لسان مسعود بارزاني حينما أشار في بيان إلى أن “قرار المحكمة الاتحادية العليا حول نفط وغاز إقليم كردستان قرار سياسي بحت، بالضد من الدستور العراقي الفيدرالي، والهدف منه معاداة إقليم كردستان والنظام الفيدرالي في العراق”.

ثانيًا) الخيارات المطروحة بعد قرار المحكمة الاتحادية:

أعلنت المحكمة الاتحادية العليا “أعلى سلطة قضائية في العراق”، أمس الأربعاء، أنه لا يجوز لأي سلطة في البلاد “تجاوز المدد الدستورية إلى ما لا نهاية”، مؤكدة في الوقت ذاته أنه ليس من اختصاصها حل مجلس النواب. وهو ما انقسمت بشأنه الآراء، فرأت أن المحكمة تتصرف ضمن ما يتوفر لها من قوانين وتفاسير، بينما انحاز رأي آخر إلى أن المحكمة الاتحادية تتخذ قراراتها تحت ضغوطات سياسية بما يصب في نهاية المطاف في مصلحة الإطار التنسيقي وفي زاوية تصفير التحركات السياسية أمام التيار الصدري.

ذلك خصوصًا أنه على الرغم من تعدد المبادرات التي شهدتها بغداد عقب انتخابات أكتوبر 2021، إلا أن أيًا منها لم تفلح على أقل تقدير في تحقيق انفراجة للأمور، لأنها لم تتطرق لجوهر الأزمة الذي يتمثل في بنية النظام السياسي العراقي بعد الغزو الأمريكي؛ وعليه فإن المبادرات مجتمعة اندرجت ضمن استراتيجية للتسويف تستهدف تأجيل وقوع الكارثة. وعلى سبيل المثال، فإن مطلب الحلبوسي باختيار حكومة انتقالية متفق عليها في إشارة إلى إعادة تكليف الكاظمي أمر سيواجه اعتراضًا شديدًا من قوى سياسية تمتلك ثقلًا سياسيًا وشعبيًا؛ خصوصًا أن الحلبوسي نفسه يُنظر إليه على أنه جزء من الاختناق السياسي الحالي فكيف له أن يطرح حلًا حياديًا وهو محسوب على طرف من الأطراف.

وفي سياق عدم وجود آلية دستورية متفق عليها لحل البرلمان بعد فشل كل المبادرات والوساطات لا يبقى أمام التيار الصدري سوى عودة نوابه إلى البرلمان خصوصًا بعد الطلب الذي تم تقديمه للمحكمة الاتحادية العليا للنظر في شرعية قبول استقالة نواب الكتلة من البرلمان، وهو المخرج السياسي الأكثر قبولًا في الأوضاع الحالية والذي يضمن عدم إحراج القوى السياسية وفي نفس الوقت عدم الدفع بالمحكمة الاتحادية للنظر في غير اختصاصاتها، خصوصًا أنها إذا ما أصدرت قرارًا بعدم دستورية عودة نواب الصدر إلى البرلمان تكون قد أكدت بشكل أو بآخر انحيازها للإطار التنسيقي وهو ما ينزع عنها صفة الدستورية بغير وجه حق .

ومن جهة أخرى، فإن سد كل السبل أمام التيار الصدري يغيب تمامًا الآمال المنعقدة على التغيير في الدولة العراقية عن طريق تجاوز حقبة حكومات المحاصصة التي فسدت وأفسدت، وهو الاتجاه الأكثر اتضاحًا في الساعات الحالية مع إصرار التنسيقي على محمد شياع السوداني رئيسًا للحكومة وتراجع الطموحات حول إمكانية تدخل المرجعية الشيعية العليا لتحويل مسار الأمور في ظل عودة الهدوء للشارع العراقي. بعبارة أخرى فإن السيستاني لن يتدخل طالما أن السلاح المنفلت لا يزال منضبطًا وإن كان على مضض. مما يجعل مقتدى الصدر أمام خيارين، أحلاهما مر: إما التصعيد لاجتذاب رد فعل من المرجعية العليا في النجف وهي مغامرة غير محسوبة العواقب لأن رد فعل السيستاني قد يتضمن إدانة للصدر في الوقت الذي فقد فيه بالفعل غطاءه الديني بعد بيان كاظم الحائري، وإما رفع رايته البيضاء تاركًا الساحة للتنسيقي.

ثالثًا: جوهر الأزمة العراقية

بالنظر إلى الوضع الحالي في العراق، ندرك أن الأزمة السياسية أكبر بكثير من أن تدار بالحوار، وأكبر من محاولات التيار الصدري لدفع الكاظمي إلى صفه ومغادرة مربع الحياد الذي التزم به على مدار أشهر لإدراكه خطورة الانحياز لأحد الطرفين، خصوصًا وأنه لا يلقى قبولًا من الإطار.

ومن هنا فإنه لا يمكن تفسير الحالة السياسية في العراق اليوم بمعزل عن الأزمة البنيوية للنظام السياسي بعد الغزو الأمريكي في 2003، ومن ناحية أخرى لا يمكن عزله عن التدخلات الإقليمية لقوى استفادت من سقوط النظام العراقي في 2003 ومن ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في 2014 ولا زالت تستفيد حتى الآن من حالة الفراغ السياسي في بغداد، بل أن حرصها على بقائها قد يكون مهمًا أكثر من أي شيء آخر، لأن انتهاء نفوذها في العراق بوصول حكومة أغلبية للسلطة يغيب واحدًا من أهم أذرعها في المنطقة، والذي اتخذ من مبدأ السيولة العسكرية للميليشيات أساسًا للوجود والبقاء وإنتاج العنف وإعادة تدويره. وتكفي الإشارة هنا إلى أن قائد ميليشيات الحشد الشعبي” فالح الفياض” لم يتحرك لقلب الطاولة على التيار الصدري إلا بعد أن أخذ الضوء الأخضر خلال زيارته الأخيرة إلى طهران. وعليه، فإن مقتدى الصدر لم يعد لديه الكثير لمواجهة التنسيقي بعد أن ألقى بورقة الشارع العراقي قبل أن يعود ويسحبها تجنبًا لحالة من الاقتتال الأهلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى