الأكثر قراءةالأزمة الأوكرانية

كيف أسهمت الحرب الأوكرانية في سقوط 7 حكومات حول العالم؟

أطلقت الحرب الأوكرانية سلسلة من التفاعلات السياسية جعلت العالم اليوم ليس كما هو قبل 24 فبراير 2022 يوم بدأت روسيا العملية العسكرية. وقد تشابكت عوامل الحرب الأوكرانية إضافة إلى العقوبات الغربية على روسيا، وما سبقها من آثار عامين من جائحة كورونا تمثلت في الإغلاق الكبير ثم الركود العالمي ولاحقًا بدء الركود التضخمي، وتاليًا خلال صيف عام 2022 من أكبر موجة جفاف تضرب الصين وأوروبا وأمريكا، مع تعطل سلاسل الإمداد والطاقة والغذاء؛ إلى حدوث ثلاثة ظواهر سياسية متوازية، ألا وهي اضطرابات شعبية من جهة، وسقوط حكومات موالية للغرب من جهة ثانية، ومعاقبة الغرب لبعض الحكومات الموالية لروسيا من جهة ثالثة.

سريلانكا النموذج الجديد

تقع سريلانكا جنوب شبه جزيرة الهند، وتشترك في حدود بحرية مع جزر المالديف وتتنافس معها في الطبيعة الخلابة والمقاصد السياحية العالمية، وقد تناوب الاحتلال الأوروبي على سريلانكا سواء البرتغال وهولندا ثم البريطانيين، ونالت البلاد استقلالها عام 1948. ولكن بحلول السبعينيات اندلع تمرد نمور التاميل، ودخلت سريلانكا في حرب أهلية لمدة 40 عام، ولكن بحلول عام 2005 انتُخب “ماهيندا راجاباكشا” رئيسًا للجمهورية.

هذا الرجل الذي حكم البلاد عشر سنوات هو من أنهى الحرب الأهلية وقضى على نمور التاميل عام 2009. وبحسب الدستور الذي يقيد الرئاسة بولايتين فحسب، خسرت سريلانكا رئيسها ومنقذها ماهيندا راجاباكشا عام 2015 حينما انتخبت رئيسًا يساريًا. ولكن الحكومة اليسارية فشلت في حماية سريلانكا؛ ففي أبريل 2019، وقعت هجمات عيد الفصح، وهي ثلاث عمليات انتحارية استهدفت كنائس وفنادق سياحية بها سياح مسيحيون جاؤوا للبلاد في إجازة عيد الفصح المسيحي، ما أدى إلى سقوط 279 قتيلًا منهم 45 أجنبيًا.

كان غريبًا على دولة يشكل فيها المسيحيون 7% من إجمالي السكان أن تتعرض لعدوان من تنظيم إسلامي، في ضوء حقيقة أن المسلمين في سريلانكا لا يتجاوزوا 10% من سكان البلاد بينما يدين 70% بالبوذية و12% بالهندوسية!

وقتذاك خرجت التقارير بأن الجماعات الإسلامية تؤهل سريلانكا لكي تصبح إمارة إسلامية يمكن من خلالها استهداف الهند، وفى ذات السياق أدت تفجيرات 2019 إلى انهيار السياحة لسريلانكا حتى اليوم وخروجها من مضمار المنافسة مع المالديف.

سارع الشعب إلى استدعاء الرئيس ماهيندا راجاباكشا مرة أخرى، ولكن نظرًا لأن الدستور لا يسمح له بتولي الرئاسة، فقد عاد رئيسًا للوزراء، بينما انتُخب أخوه جوتابايا راجاباكشا رئيسًا للجمهورية، وذلك عام 2019، ولم يكن هذا الأخ بعيدًا عن العمل الوطني، فقد كان وزيرًا للدفاع وقائدًا للجيش في سنوات رئاسة ماهيندا راجاباكشا وقاد معارك إنهاء الحرب الأهلية السريلانكية.

ما بين الرغبة في استهداف الهند، وتعطيل محطة سريلانكا في طريق الحرير الجديد، تدور التكهنات حول اندلاع الثورة الشعبية في 15 مارس 2022، واستقالة رئيس الوزراء ماهيندا راجاباكشا في 9 مايو 2022 ثم رئيس الجمهورية جوتابايا راجاباكشا في 14 يوليو 2022، إضافة إلى عوامل أخرى منها انهيار مرافق الدولة على وقع جائحة كورونا، وانهيار الاحتياطي النقدي، وعدم القدرة على شراء النفط والغاز من الأسواق الدولية. ولا تزال الاضطرابات مستمرة في سريلانكا، وهناك دعوات شعبية خافتة تطالب بعودة الأخوين راجاباكشا بعد فشل الثوار والمعارضة في صياغة ملامح مرحلة انتقالية تلبي مطالب الشعب.

خلافات داخلية حول الحرب الأوكرانية

وإذا كانت سريلانكا قد سطّرت نموذج الفوضى الشعبية، فإن الخلاف داخل الحكومات الغربية على كيفية التعامل مع الحرب الأوكرانية قد أدى إلى انفجارها، ما بين تيار يرى الانحياز الصارم إلى أوروبا ضد روسيا، وتيار آخر يرى أن التاريخ المشترك مع روسيا يفرض لعب دور وسيط أو الحياد على أقل تقدير.

سقطت حكومة ماريو دراجي في إيطاليا، وحكومة كيريل بيتكوف في بلغاريا، وحكومة كايا كلاس في إستونيا، وإن كانت الأخيرة قد استطاعت تشكيل ائتلاف حاكم جديد من أجل استكمال ولايتها. فخسر الغرب دراجي في إيطاليا ما فتح الباب امام صعود مؤثر لليمين القومي في روما، ويتخوف الغرب من موجة صعود جديدة لليمين القومي مثلما جرى ما بين عامي 2016 و2020 حينما صعد دونالد ترامب في أمريكا وبوريس جونسون في بريطانيا إضافة إلى انتصارات القوميين في البرازيل والنمسا وإيطاليا والأرجنتين.

وفى بريطانيا جرى حدث سياسي غير مسبوق، حيث قدم قرابة 45 وزيرًا استقالتهم على مدار شهر، وذلك من أجل حث رئيس الوزراء بوريس جونسون على الاستقالة من منصبه ومن رئاسة حزب المحافظين الحاكم، في طقس غير مسبوق في تاريخ الديمقراطية البريطانية؛ إذ إن جونسون قاد المحافظين لأبرز انتصار انتخابي في الانتخابات المبكرة عام 2019 منذ زمن مارجريت تاتشر.

وثارت تكهنات بأن جونسون كان على خلاف مع إدارة جو بايدن، حيث ينظر رجالات الحزب الديمقراطي الحاكم في أمريكا إلى جونسون بوصفه حليفًا لترامب، وهناك دوائر داخل حزب المحافظين الحاكم ترى أهمية ترميم العلاقات مع أمريكا عبر استبعاد جونسون.

وفى إسرائيل استقال نفتالي بينت من رئاسة الوزراء وتقاعد عن العمل السياسي وسط تكهنات بأن أمريكا ترى موقفه حيال روسيا ضعيفًا مقارنة بموقف يائير لابيد الذي تولى رئاسة الحكومة لحين اجراء خامس انتخابات برلمانية مبكرة في أقل من أربع سنوات.

ورغم أن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون قد حسم انتخابات الرئاسة، ولكنه خسر الأغلبية البرلمانية في انتخابات غرفتي البرلمان مقابل صعود ثنائي جديد في فرنسا يتمثل في اليمين القومي واليسار الجديد، وشكل ماكرون حكومة أقلية في سابقة لم تحدث بتاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة. وتدور التكهنات حول قيام ماكرون بالتعايش مع هذا الوضع السياسي المعقد لعام واحد فحسب، على أن يقوم بحل البرلمان الفرنسي في صيف 2023 والذهاب إلى انتخابات برلمانية مبكرة، بينما ينظر بعض المراقبين إلى ان خسارة ماكرون وتآكل حزب الجمهوريين الديجولي والاشتراكي مقابل صعود اليمين القومي واليسار الجديد بكونه نهاية للجمهورية الخامسة، وأن الانتخابات المقبلة سوف تشهد بداية الجمهورية الفرنسية السادسة.

صراع اليمين واليسار في أمريكا اللاتينية

وإذا كانت الولايات المتحدة تفضل حكومات اليمين في أمريكا اللاتينية خلال الحرب الباردة، فإن الحال تبدل بعد صعود اليمين القومي في أوروبا وأمريكا، حيث قامت دوائر العولمة بتوظيف اليسار اللاتيني للوقوف بوجه اليمين القومي اللاتيني؛ نظرًا إلى تحالفه مع اليمين القومي الأمريكي والأوروبي.

وهكذا يقف الرئيس البرازيل الأسبق لويس ايناسيو لولا دي سيلفا في مواجهة انتخابية مباشرة مع الرئيس جايير بولسونارو زعيم اليمين القومي أو “ترامب البرازيل” كما يطلق عليه الإعلام الغربي، وذلك في انتخابات الرئاسة يوم 2 أكتوبر 2022.

فيما نجح اليسار الأرجنتيني في الإطاحة بالرئيس ماوريسيو ماكري زعيم اليمين القومي في انتخابات الرئاسة 2019 بشكل مفاجئ، ويعود ذلك إلى أن الرئيسة السابقة ذات الشعبية الهائلة كريستينا كيرشنر قد قبلت بتولي منصب نائب الرئيس في حملة المرشح الفائز ألبرتو فرنانديز. ومع ذلك فأن التداعيات الاقتصادية للحرب الأوكرانية قد أدت إلى اندلاع الاحتجاجات في الأرجنتين في 10 يوليو 2022 ضد الرئيس ألبرتو فرنانديز، وفى 1 سبتمبر 2022 تعرضت كريستينا كيرشنر إلى محاولة اغتيال فاشلة ما فاقم الأزمة الداخلية المستمرة حتى الآن في الأرجنتين. وينظر البعض إلى انتخابات الرئاسة المقبلة في أكتوبر 2023 بوصفها الحل الأمثل للخروج من الازمة.

وفى الإكوادور جرى نموذج مختلف، حيث اندلعت ثورة شعبية بترتيبات من اليسار ما بين 13 يونيو 2022 إلى 30 يونيو 2022 من اجل إسقاط الرئيس جويلرمو لاسو، ولكن الثورة فشلت في إسقاط الرئيس وأدت إلى تدهور الأسعار ونقص الغذاء والسلع الرئيسة، وعززت فرضية الانهيار الاقتصادي.

وجرى أمر مشابه في إندونيسيا، حيث انتفض الطلبة ما بين يومي 11 و21 أبريل 2022 للمطالبة بانتخابات مبكرة، ولكن دون جدوى؛ إذ أعلنت جاكرتا أن الانتخابات سوف تعقد في موعدها 14 فبراير 2024. وفى باكستان جرت لعبة معقدة لإزاحة رئيس الوزراء عمران خان؛ إذ أبدى خان تأييدًا مباشرًا لروسيا في حربها على أوكرانيا، ما وفر الفرصة للمعارضة الباكستانية لإقالته وتشكيل حكومة جديدة. وأثار عمران خان في أكثر من خطاب فكرة أن المعارضة الباكستانية قامت بعزله بإيعاز من المعسكر الغربي في ضوء علاقته الجيدة بروسيا وإيران.

ومع ترقب نتائج الانتخابات الرئاسية البرازيلية، والانتخابات البرلمانية في إيطاليا وإسرائيل والسويد والنمسا، تتجه الأنظار إلى انتخابات الكونجرس الأمريكي في نوفمبر، حيث حان اختبار التجديد النصفي لإدارة جو بايدن.

ختامًا، يمكن حصر حصاد تأثر العالم بالتبعات الاقتصادية للحرب الأوكرانية والعقوبات الغربية على روسيا بسقوط حكومات بريطانيا وإيطاليا وإسرائيل وباكستان واستونيا وبلغاريا وسريلانكا، وخسارة حكومة فرنسا للأغلبية البرلمانية، وتآكل شعبية حكومة أولاف شولتس في ألمانيا وإدارة جو بايدن في الولايات المتحدة، وفوضى عارمة في شوارع سريلانكا، ومظاهرات جارية في شوارع الأرجنتين، وأخيرًا ثورات تم احتواؤها في الإكوادور وإندونيسيا ولكنها فاقمت الأزمة الاقتصادية.

إيهاب عمر

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى