الأزمة الأوكرانية

“لاجئو أوكرانيا أولًا”.. الدوافع السياسية قبل الإنسانية

لا أحد يستطيع إنكار ما فعتله ويلات الحروب بالشعوب، فملف اللاجئين هو الملف الأبرز الذي يتم فتحه عقب كل أزمة، مطالبًا بالتزامات مستمرة من أجل الحفاظ على حيوات من اضطرتهم الظروف إلى ترك أوطانهم. ولكن مع بروز الأزمة الأوكرانية وتصدرها المشهد، اتجهت أنظار الدول الغنية بالكامل نحو اللاجئين الأوكرانيين، وتم تعزيز كافة أوجه الدعم إليهم، في خطوة يعدها الغرب ردًا قاسيًا على الروس، ولكنها على الصعيد الآخر جعلت الدعم الموجه للاجئين الآخرين في جميع أنحاء العالم يتراجع أكثر من أي وقت مضى، وسط مهددات انعدام توافر المتطلبات الحرجة لهم كالمأوى والغذاء والطاقة والتعليم.

الأمم المتحدة تواجه نقصًا حادًا في المساعدات الإنسانية

وفقًا لتقارير الأمم المتحدة، ارتفع الطلب على المساعدات، والذي كان متضخمًا بالفعل بسبب أزمات أخرى كوباء كورونا والجفاف بسبب تغيرات المناخ، ولكن بشكل استثنائي، وبسبب الحرب الأوكرانية، نمت التبرعات من البلدان الغنية، ولكن أوكرانيا كان لها النصيب الأكبر منها، مؤثرة على نصيب البلدان الأخرى، ومسببة أكبر فجوة تمويل تشهدها الأمم المتحدة، والناتجة عن تزايد عدد الأشخاص المستضعفين الذين يحتاجون إلى الدعم بسرعة، والمهددون بعدم القدرة على بناء حياة جديدة. 

وبالرجوع إلى التقارير، احتاجت وكالات الأمم المتحدة والمجموعات المؤسسية التي تعمل معها إلى 48.7 مليار دولار في عام 2022 لمساعدة أكثر من 200 مليون شخص، ولكنها وبعد مرور سبعة أشهر من العام العام قامت بتجميع أقل من ثلث المطلوب، بمقدار 16.2 مليار دولار، بعجز يزبد على 33 مليار دولار، مع الأخذ في الحسبان ما يواجهه العاملون في المجال الإنساني من بيئات خطرة بشكل متزايد أثناء محاولتهم إيصال المساعدات.

فالمساعدات الإنسانية الدولية هي آلية لا تشمل فقط العديد من المانحين، ولكن أيضًا عمليات جمع وتكوين الاحتياجات واللوجستيات، والتي تتعقد كل يوم بسبب العوائق البيروقراطية التي تتمثل في أزمة الوقود وتدمير البنية التحتية للنقل والأعمال العدائية النشطة التي تصل للسرقة والاختطاف والقتل وعواقبها الإنسانية كل يوم، وهو سبب أساسيّ في تأخير أو يكاد يكون انعدام وصول المساعدات إلى مستحقيها.

ووفقًا لبيانات المنظمات الإنسانية غير الحكومية، والتي يسلط شركاء الأمم المتحدة معها سنويًا الضوء على هذه الإحصاءات، قُتل أكثر من 140 من عمال الإغاثة أثناء أداء واجبهم العام الماضي، وهو أكبر عدد من القتلى منذ عام 2013، إما بأسلحة صغيرة أو بحوادث إطلاق نار، أو بسبب الغارات الجوية والقصف (ومعظمها في سوريا)، كما تم اختطاف 117 عاملًا، وأصيب 203 آخرين.

https://twitter.com/UNOCHA/status/1558057969727819778?ref_src=twsrc%5Etfw%7Ctwcamp%5Etweetembed%7Ctwterm%5E1558057969727819778%7Ctwgr%5E138aae02615c74adddfc32dc2f3be39ab5164a1f%7Ctwcon%5Es1_&ref_url=https%3A%2F%2Fnews.un.org%2Fen%2Fstory%2F2022%2F08%2F1124582

وفي عام 2019، قدرت الأمم المتحدة حاجتها من الأموال لتلبية احتياجات جميع برامجها الإنسانية بمبلغ 27.8 مليار دولار، لكن نداءات جمع الأموال انخفضت بأكثر من 10 مليارات دولار عن المطلوب، وهذا رقم قياسيّ في ذلك الوقت. وفي العام التالي، تضخم الطلب إلى 38.6 مليار دولار والعجز إلى 19.4 مليار دولار، بسبب جائحة كورونا وتداعياتها، لتتحسن الأرقام بشكل طفيف في عام 2021 بعد التعافي من الوباء، لكنها تقفز مرة أخرى هذا العام ليصل الاحتياج إلى 48.7 مليار دولار، والأمر راجع إلى الأزمة الأوكرانية وتأثيرها على أزمة الغذاء العالمية. 

ولسوء الحظ، أصبح من الواجب التخلي عن تلبية بعض الاحتياجات، والاقتصار على أهم الأهم. وقد تحتاج وكالات الأمم المتحدة إلى الاستعانة بصندوق الاستجابة للطوارئ، وهو صندوق تم إنشاؤه قبل 15 عامًا من أجل تقديم المساعدات الإنسانية لمواجهة الطوارئ بشكل استباقي، ويركز على تعزيز العمل السريع والمنسق في الأزمات الإنسانية، ولكنه في النهاية غير كافٍ لتلبية جميع الاحتياجات، وأيضًا لن يدوم طويلًا. 

وفي عام 2021، خصص الصندوق المركزي لمواجهة الطوارئ مبلغ 10 ملايين دولار من موارده البالغة 135 مليون دولار-والتي تعاني من نقص التمويل أيضًا- لدعم التدخلات التحويلية للمساعدة في معالجة العوائق والاحتياجات المحددة للأشخاص الذين يعانون من إعاقات في الأزمات الإنسانية بأفغانستان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ونيجيريا وموزمبيق وجنوب السودان وسوريا وفنزويلا. 

وتأتي الغالبية العظمى من المساعدات من مجموعة من المانحين أبرزهم الولايات المتحدة (هي أكبر مانح بنحو 8 مليارات دولار) والاتحاد الأوروبي، وعدد قليل من الدول الأخرى كألمانيا وكندا والسويد واليابان. ويمكن أن توجه الأمم المتحدة هذه الأموال بمعرفتها، لكن المانحين يفضلون تخصيص جزء من أموالهم لبرامج وبلدان محددة، وربما يكون التوجه الأكبر لأوكرانيا يأتي بسبب أهداف سياسية تجعله يتعين على المانحين تخصيص أموالهم إليها. 

المساعدات العالمية الموجهة لأوكرانيا

ازدواجية المعايير في التعامل مع اللاجئين

فر أكثر من 6 ملايين لاجئ أوكراني غربًا عبر الحدود إلى الاتحاد الأوروبي منذ بداية الحرب في الرابع والعشرين من فبراير، وهي أكبر هجرة عبر القارة منذ الحرب العالمية الثانية، واضطر عدد أكبر للتحرك داخل البلاد، بما يقدر بـ 7.1 مليون شخص تقريبًا.

وبحسب تقديرات للأمم المتحدة نشرت نهاية أبريل، أكدت أنه يمكن أن يفر 8.3 ملايين شخص من أوكرانيا هذا العام، فضلًا عن نحو ثمانية ملايين نازح داخل البلاد. ومنذ ذلك الحين، أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة حالة الطوارئ من المستوى 3، وهو أعلى مستوى لديها، عاملة يدًا بيد مع السلطات ووكالات الأمم المتحدة والشركاء لتقديم المساعدات الإنسانية لحماية اللاجئين، وشددت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين على أهمية إبقاء الحدود مفتوحة لمن يبحثون عن مأوى. 

ولم يقف الأمر هنا، بل اتسع ليشمل الأوكرانيين المشهورين عالميًا ونجوم هوليوود. وانطلقت المبادرات التطوعية الخاصة إلى البعثات الإنسانية الدولية، وصولًا إلى آلية الحماية المدنية الأوروبية، ومركز تنسيق الوقاية من الكوارث التابع لحلف الناتو ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)؛ في محاولة للتغلب على الأزمة الإنسانية في أوكرانيا، بالتعاون مع وكالة الأمم المتحدة للاجئين، وصندوق السكان، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومنظمة الصحة العالمية، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.

أما عن باقي لاجئي العالم، فيبلغ عدد لاجئي سوريا حول العالم حوالي 7 مليون شخص، وفلسطين 4.9 مليون شخص، وأفغانستان 2.7 مليون شخص، وفنزويلا 4.6 مليون شخص، وجنوب السودان 2.4 مليون شخص، وميانمار 1.2 مليون شخص. وبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فقد تجاوز عدد اللاجئين والنازحين قسرًا عتبة الـ 100 مليون للمرة الأولى في التاريخ. و

يعيش حوالي 43% من الأشخاص الذين تخدمهم وكالة اللاجئين في 12 دولة فقط: أوغندا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، والسودان، والعراق، وإثيوبيا، وجنوب السودان، وتشاد، واليمن، وبنجلاديش، والأردن، ولبنان، وكولومبيا. وفي جميع البلدان الـ 12 وبسبب الأزمة الأوكرانية، تعمل البرامج هذا العام بتمويل أقل من 30%، ما أدى إلى خفض الخدمات الحيوية أو حتى تعليقها.

ولهذا، فقد تعرض الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة للانتقادات، وتم اتهامهما بـ “ازدواجية المعايير” بسبب الاستجابات السريعة نحو اللاجئين الأوكرانيين، وهو الأمر الذي سلط الضوء أيضًا على نفس الازدواجية الرائجة في أوروبا تجاه المهاجرين الفارين من العنف في إفريقيا أو الشرق الأوسط، لينفي الاتحاد الأوروبي هذه الاتهامات، معللًا أنه لا تزال لديه مناهج مختلفة حيال التعامل مع المهاجرين على حدوده الشرقية من أوكرانيا وحدوده الجنوبية على البحر المتوسط.

فرق الاستجابة للأزمة الأوكرانية والأزمات الأخرى لعام 2022

طلب مكتب الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة 1.6 مليار دولار بداية هذا العام لمساعدة الأوكرانيين، سواء اللاجئين الذين فروا من البلاد أو الذين لا يزالوا بداخلها؛ وقد جمع نداؤه الأول أكثر من المبلغ المطلوب ووصل إلى أكثر من 6 مليارات دولار، والنداء الثاني ها هو في طريقه للحصول على التمويل الكامل. 

في المقابل، حظي التمويل الذي يشمل السوريين والأفغان واليمنيين والإثيوبيين بمستوى أقل بكثير من تمويل أوكرانيا، في إشارة واضحة إلى أن الحرب قد أوضحت كيف يمكن حشد الدعم بسرعة وعلى نطاق واسع للاجئين والاستجابة للاحتياجات الإنسانية عندما يطغى على المشهد “الالتزام السياسي”.

وقد تحولت خطة الاستجابة الإنسانية لأوكرانيا 2022 إلى “النداء العاجل لأوكرانيا”، فكانت متطلبات أوكرانيا من المساعدات4.3 مليار دولار، ولكنها استطاعت جميع 2.5 مليار دولار حتى الآن، أي أكثر من نصف المطلوب، وإذا ما قورن هذا الرقم بما طلبه اليمن مثلًا وهو 4.3 مليار دولار أيضًا، فإن ما تم جمعه فقط هو 1.8 مليار دولار، وسوريا التي طلبت 4.4 مليار دولار جُمع لها مليار دولار فقط. 

فبعد أن سرقت أوكرانيا الأضواء من الأزمات الأخرى، أظهرت التبرعات والتعهدات المالية للدول المشاركة تراجعًا واضحًا. وفي الأسابيع الأخيرة، قللت الأمم المتحدة من إمكانية الوصول إلى عدد من الخدمات الأساسية لمخيمات اللاجئين الآخرين، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية وخدمات التنظيف، فضلًا عن عدم وجود أماكن للاجئين بالمدارس.

فسوريا مثلا التي تطلب معونات مالية لمساعدة أكثر من 15 مليون سوري يواجهون أوضاعًا اقتصادية صعبة، قد شهدت انخفاضًا كبيرًا لقيمة الدعم السنوي. ووفقًا لوكالة اللاجئين، فقد أكدت أنه بدون مليار دولار إضافي هذا العام، سيتم خفض المساعدات النقدية بمقدار النصف تقريبًا، وسيكون عدد الأطفال الذين يحصلون على التعليم أقل بنسبة 12%، وأن 25% أقل من النازحين فقط سيحصلون على مأوى؛ و23% أقل سيتمكنون من الوصول إلى المرافق الصحية.

وما توقعته حدث بالفعل، فقد انقطعت مخيمات اللاجئين السوريين في شمال العراق عن الوصول إلى المياه النظيفة والصرف الصحي والكهرباء. وفي جنوب إفريقيا، أصبحت عشرات الأسر دون مأوى أو أدوات أساسية تمكنهم من الصيد أو الزراعة لأجل البقاء. وفي السودان، لم تعد هناك أموال لدعم تعليم الأطفال اللاجئين فيها هذا العام، ولولا تدخّل المفوضية الأوروبية لرفع مساهمتها من نصف مليار إلى مليار ونصف مليار، لكان الانخفاض أكبر من ذلك.

عجز المساعدات الإنسانية يفوق أزمة اللاجئين

تحديات الميزانية ليست جديدة بالنسبة لوكالات المعونة التابعة للأمم المتحدة، فقد أجبرت النزاعات المستمرة منذ فترة طويلة في سوريا وجنوب السودان واليمن وليبيا وأفغانستان وأماكن أخرى ملايين الأشخاص على ترك منازلهم، أو بقائهم محاصرين لسنوات في طي النسيان في المعسكرات التي تديرها الأمم المتحدة. ولكن ما سبق يؤكد أن تركيز الدول الغنية على أوكرانيا أدى إلى تقليل نسبة الأموال التي من المفترض توجهها لمعالجة أزمات العالم الأخرى وليس أزمات اللاجئين فقط، ففي إثيوبيا مثلًا، يواجه حوالي 750 ألف لاجئ خطر انعدام الغذاء بحلول أكتوبر المقبل.

أما في اليمن الذي يشهد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، تم قطع الحصص الغذائية عن الملايين من الناس، وحذرت الأمم المتحدة من خفض حجم المساعدات الغذائية المقدمة إلى 11 مليون يمني؛ بسبب “نقص التمويل”، وأنه سيتعين عليهم أن يعتمدوا على حصص غذائية مخفضة، وهذا ثاني خفض غذائي كبير في غضون ستة أشهر، فضلًا عن احتمالية فقدان 4.6 ملايين شخص من إجمالي 30 مليونًا (عدد سكان اليمن) إمكانية الوصول إلى المياه النظيفة. 

وبحسب مركز إعلام الأمم المتحدة، فقد تلقت خطة الاستجابة في اليمن لعام 2022 بحلول نهاية يوليو حوالي 1.8 مليار دولار، وهو ما يمثل 29% من المبلغ المطلوب البالغ 4.27 مليار دولار تقريبًا، من أجل توفير المساعدات الإنسانية المنقذة للأرواح وخدمات الحماية لـ 17.9 مليون شخص. وتلقت مجموعة قطاع الأمن الغذائي والزراعة 26% فقط من المبلغ المطلوب البالغ 2.1 مليار دولار لتقديم المساعدات الغذائية لنحو 17.4 مليون شخص، وتم تمويل قطاع الصحة بنسبة 25% من مبلغ 398 مليون دولار المطلوب لتقديم خدمات الرعاية الصحية إلى 12.6 مليون شخص.

وتعد هذه المبالغ منخفضة للغاية مقارنة بالسنوات الماضية لأي خطة تنسقها الأمم المتحدة في العالم، ما يُنبئ باحتمالية خفض المساعدات وإغلاق ما يقرب من ثلثي البرامج، بما في ذلك دعم صحة الأم والطفل، والإجراءات المتعلقة بالألغام، وخدمات الحماية، ودعم الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، ومساعدات المأوى والمواد غير الغذائية للمتضررين من الصراع والكوارث والنازحين.

وختامًا، كشفت الأزمة الأوكرانية مواقف العالم في تمييز اللاجئين والأزمات، فنجد أن العالم توحد حول أوكرانيا ولا يرى سواها، وانفضّوا من حول اللاجئين الآخرين الذين يحتاجون إلى نفس الدعم ويريدون الحصول على أبسط حقوقهم التي تمكنهم من النجاة. ومن هنا استطعنا أن نرى الفرق بين الدول التي فتحت ذراعها للاجئين الأوكرانيين بترحيب فوريّ، وتلقت بذلك الكثير من المدح، وبين نفس الدول التي صدت طالبي اللجوء العرب والأفارقة.

مي صلاح

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى