إسرائيل

هل يريد نتانياهو و”نصر الله” المواجهة الشاملة؟

أخذت الحدود اللبنانية الجنوبية المُشاطِئة لإسرائيل مناحيٍ تصعيدية متشابكة (1 سبتمبر 2019) ، ورغم تسارع مستجدات وتفاصيل المشهد العسكري والأمني بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله اللبناني في ساعات معدودة إلا أن أفرد لهذا التصعيد مساحات التنبؤ والتكهن بسيناريوهات الخفض والتصعيد أكثر مما أفرد من مساحات لتفكيك المشهد والبحث في دوافع أطراف التصعيد، ويُبرر لذلك جملة من العوامل؛ أهمها ارتباط التطور بين الجانبين الإسرائيلي واللبناني بما يستقر في طبيعة التوتر بين إيران والولايات المتحدة، كذلك ارتباط المشهد بجغرافية المشرق العربي بالتحديد في سوريا والعراق والأطراف المحلية المحسوبة على إيران مثل ميليشيات الحشد الشعبي، إذ لا يمكن فصل المشهد اللبناني الإسرائيلي عن الضربات الإسرائيلية الأخيرة في العراق، وأخيرا في سوريا. ويستدل على ذلك في تسمية حزب الله اللبناني عمليته الأخيرة بضرب آليات عسكرية إسرائيلية باسم عنصرين من عناصر التنظيم الذين سقطا في سوريا جراء الضربة الإسرائيلية الأخيرة على عناصر من فيلق القدس وحزب الله جنوبي دمشق.

بداية التصعيد

يمكن الوقوف على التاريخ 24 أغسطس 2019، كنقطة زمنية تبدأ منها تبعات التصعيد الأخير بين حزب الله وإسرائيل، وهو التاريخ الذي شهد ضربات إسرائيلية جوية على عناصر من فيلق القدس وعناصر من حزب الله جنوبي دمشق. فحسب ما أوضح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي “رونين مانليس”، أن “الضربة استهدفت قوة فيلق القدس ومليشيات شيعية تهدف لتعزيز خطط لشن هجمات تستهدف مواقع في إسرائيل انطلاقا من داخل سوريا “. أما حزب الله فقال أن القوات الجوية الإسرائيلية استهدفت مركزا تابعا للتنظيم بالقرب من العاصمة السورية دمشق، مما تسببت في سقوط ثلاثة قتلى، عنصرين اثنين من حزب الله يدعان “حسن زبيب” و”ياسر الضاهر”، وآخر من فيلق القدس.

فسّر وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس محددات التحرك العسكري الإسرائيلي في سوريا، من خلال تصريحه “إن العملية التي شنتها إسرائيل على الأراضي السورية، كان هدفها نقل رسالة لطهران مفادها ألاّ حصانة لها في أي مكان.”




وفي تطور لاحق، قال الجيش اللبناني إن طائرتي استطلاع إسرائيليتين اخترقتا الأجواء اللبنانية، فجر يوم 25 أغسطس 2019، وإن الطائرة الأولى سقطت بينما انفجرت الطائرة الثانية في الأجواء متسببة في أضرار مادية في ضاحية بيروت الجنوبية.

وإثر ذلك، أصدر حسن نصر الله بيانا متلفزا شدد فيه على موقف حزب الله الرافض للعمليات الإسرائيلية الأخيرة في سوريا وفي لبنان، وأنه سيقدم على إجراءات عسكرية انتقامية ردا على إسرائيل، ولكن بالطريقة وفي الوقت الذي يرتئيه حزب الله.

وفي (1 سبتمبر) أطلق تنظيم حزب الله اللبناني صاروخا مضادا للدبابات باتجاه منطقة “أفيفيم” العسكرية في إسرائيل، وحسب البيان الأوّلي للجيش الإسرائيلي: استهدف الصاروخ آلية عسكرية قرب الحدود الشمالية، دون وقوع إصابات. كما أوضح الجيش الإسرائيلي، أن سلاح الجو شنّ ضربات واسعة داخل الأراضي اللبنانية طالت ثلاثة مباني على الأقل في الأراضي اللبنانية، كان من الواضح أن الذين أطلقوا القذائف المضادة كانوا يختبئون بداخلها.

دوافع سياسية وأهداف استراتيجية 

لا ينعزل الداخل السياسي الإسرائيلي كثيرا عما يحدث من تشابكات في المشهد العسكري والأمني بين إسرائيل ولبنان، إذ يواجه رئيس الحكومة الإسرائيلية “بنيامين نتانياهو” في 17 سبتمبر مشهدا انتخابيا معقدا، فيتضح من أكثر التقديرات تفاؤلا حول نتائج استطلاعات الرأي حالة من التعادل مع أبرز خصوم نتانياهو وهو حزب أزرق أبيض، الذي يحصل كلاهما على مقاعد متساوية تبلغ 30 مقعدا. وهو ما يعني أن نتانياهو سيواجه ذات المعضلة التي سبق وواجها وهي أن عدد المقاعد لا يؤهله لتشكيل ائتلاف حكومي مستقر، إذ يحتاج إلى ما يزيد عن 65 مقعدا. بخلاف أن نتانياهو يواجه اهتزازا سياسيا داخل حزبه ذاته، إذ يبحث قادة حزب الليكود عن بديلا عنه.

وبالتالي يحتاج نتانياهو إلى مشاهد عسكرية وأمنية، وكذلك سياسية متشابكة تدفع بالجماهير الإسرائيلية للتصويت إلى الحزب الحاكم “الليكود”؛ تضيف إلى رصيده الانتخابي المزيد من النقاط السياسية. ومثلت الضربات الإسرائيلية في سوريا والعراق وأخيرا لبنان قاعدة خصبة لنتانياهو في خدمة أهدافه السياسية. 

من جانب آخر، يقع دافع استراتيجي لدى حزب الله وراء التصعيد الأخير مع إسرائيل، إذ يستهدف التنظيم فرض قواعد تجعل من لبنان ساحة ردع مستمرة في مواجهة إسرائيل تضاف إلى الجبهات الإيرانية الماثلة في سوريا والعراق.

ردود فعل دولية 

لعبت فرنسا دورًا بارزًا بهدف تفادي التصعيد بين إسرائيل وحزب الله، إذ كثف رئيس فرنسا “ايمانويل ماكرون” اتصالاته مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو والرئيس الايراني حسن روحاني في الأيام الأخيرة.

كما دخلت الولايات المتحدة على خط الأزمة؛ إذ قال مسؤول في الخارجية الأميركية إن “الولايات المتحدة تدعم بالكامل حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها”، مضيفاً انه ” على حزب الله أن يمتنع عن اعمال معادية من شأنها تهديد أمن لبنان واستقراره وسيادته”.

وعلى الجانب الروسي، ناقش المبعوث الخاص للرئيس الروسي لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا “ميخائيل بوجدانوف” (2 سبتمبر)، مع السفير الإسرائيلي في موسكو هاري كورين تفاقم الوضع على الحدود الإسرائيلية – اللبنانية.

وتبادل الطرفان (الروسي والإسرائيلي) الآراء حول قضايا الساعة للعلاقات الروسية الإسرائيلية، وناقشا الوضع في منطقة الشرق الأوسط مع التركيز على التدهور الخطير للوضع على الحدود الإسرائيلية اللبنانية، فيما كرر الجانب الروسي دعوته إلى ضبط النفس من أجل منع المزيد من تصعيد التوتر”.

الموقف المصري

تتصاعد التحديات والمخاطر والتهديدات المحيطة بالدوائر السياسية الرئيسية للأمن القومي المصري، جراء تطورات تصعيدية في الإقليم، الأمر الذي استدعى من القاهرة التصرف بحذر وباستجابة سريعة للتعاطي مع التداعيات مع أحداث مثل التصعيد الأخير بين إسرائيل ولبنان. وقد دأبت مصر على مواجهة التحديات الأمنية المختلفة مثل غياب الدولة في مثل بعض الدول، أو دخول بعض الدول في نفق الانقسام والاقتتال. ولم تنفصل لبنان عن اهتمامات الدولة المصرية في هذا الشأن.

كذلك التصعيد الأخير الذي ارتأت فيه القاهرة مبررا للقلق، والسرعة في التعاطي مع الحدث من أجل احتواء وإخماد فرص تصعيده على كافة المستويات. اتضح جليا في قيام وزير الخارجية بمجموعة من الاتصالات مع رئيس وزراء لبنان “سعد الحريري”، للتشاور حول آخر مستجدات الوضع في لبنان، خاصةً في ظل التصعيد الذي شهدته الساعات الماضية على الحدود الجنوبية للبنان.

وأشار «حافظ» في بيان رسمي، اليوم، الأحد، إلى أن الوزير شكري أكد خلال الاتصال حرص مصر على الاستقرار في لبنان، موضحاً أن الاتصال جاء، في إطار جهود مصرية حثيثة مع كافة الأطراف المعنية لاحتواء التوتر الحالي، ومنع تدهور الوضع اﻷمني، انطلاقاً من مسؤولية مصر التاريخية ودورها المعروف للحفاظ على السلم والاستقرار في المنطقة.

وأكد متحدث الخارجية أن مصر مستمرة في متابعة الوضع عن كثب والتواصل مع كل اﻷطراف المعنية للحفاظ على الاستقرار في لبنان وتجنيب المنطقة أي أزمات إضافية.

السيناريو المتوقع

يمكن القول إن محفزات حزب الله للميل إلى التهدئة أكبر من إسرائيل، في حين أن الأخيرة (أي إسرائيل نتانياهو) ترغب في مكتسبات سياسية واستراتيجية، قد تستعيض بها من خلال فرض مكتسبات أخرى في الداخل الفلسطيني، أي الإعلان عن سيادتها على الضفة الغربية مقابل التهدئة في المنطقة.

فالمواجهة الشاملة بين الطرفين، ورغم غياب دوافع حدوثها على الأرض، إلا أن ذلك لا ينفي وجود رغبة لدى إسرائيل في فرض قواعد الردع التكتيكي المنضوية حديثا ضمن مخطط تحييد مشروع الصواريخ الدقيقة الذي يسعى حزب الله لامتلاك قدراته وأدواته، كذلك تحييد مشروع الطائرات المسيرة من خلال اغتيال كبار المهندسين اللبنانيين الذين يقفون على تنفيذ المشروع.

وعدم توقع إمكانية حدوث المواجهة الشاملة، يأتي أيضا في حدود رغبة تل أبيب في عدم التصعيد والدخول في مواجهة مسلحة لا ترغب فيها الفواعل الإقليمية المهمة مثل روسيا والولايات المتحدة، خاصة الأخيرة التي تحافظ على حدود تماس تصعيدية مع طهران لا تتجاوز الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية فقط.

أما حزب الله، فيسعى من التصعيد الأخير إلى تنفيذ وعوده الخطابية التي أطلقها حسن نصر الله طيلة أسبوع منذ تفجر الأزمة في 25 أغسطس، وفرض قواعد تجعل من لبنان ساحة ردع مستمرة في مواجهة إسرائيل، يترافق مع رغبة روسية استراتيجية بتحييد سوريا عن الصراعات الإقليمية بين تل أبيب وطهران.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى