ليبيا

النخبة السياسية الليبية: توجهات متباينة وتحالفات سائلة

توجد في ليبيا تكتلات سياسية عدة. وكل منها يحاول أن يجمع الآخرين خلفه، في جبهة واحدة. وهو أمر خطأ. وهي تكتلات، فوق ذلك، ذات تقاطعات معقدة. والمشكلة في الوقت الراهن هي أن معظم القوى السياسية غير مضمونة الولاءات، ما يزيد المستقبل غموضًا في هذا البلد النفطي المهم. ويتصارع في ليبيا حاليًا فريقان ظاهران للعيان؛ فريق فتحي باشاغا، رئيس الوزراء الذي تم اختياره من مجلس النواب في فبراير الماضي، وفريق عبد الحميد الدبيبة، رئيس الوزراء المنتهية ولايته، منذ مارس الماضي. وما بين هذا وذاك يحاول كل منهما حشد الشارع السياسي لتعزيز موقفه. 

بعيدًا عن الأضواء

أين الخطأ هنا؟! معروف في السياسة أنه من الصعب على فريق ما أن يجمع الباقين خلفه، وتوحيدهم في رؤيته. دائما هناك حاجة للوصول لحلول وسط مع الطرف الآخر. وهذا يقترن بالاستعداد لتقديم تنازلات. ففي مرات الشجاعة، وهي نادرة، أمكن لسياسيين، تراجعوا خطوات للوراء، فتح الأفق لرؤى جديدة لصالح استقرار الدولة. أبرز مثال على نجاعة تقديم التنازلات، الحوار الذي جرى بين رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، (محسوب على جبهة باشاغا)، ورئيس مجلس الدولة، خالد المشري، (محسوب على جبهة الدبيبة)، فيما يتعلق بالتوصل إلى قاعدة دستورية لإجراء الانتخابات. لكنه، للأسف، حوار لم يكتمل. بل تسبب في انتكاسة!

نعم.. كانت هناك بارقة أمل خلال اللقاءات التي جرت بين صالح والمشري في جنيف برعاية مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفاني ويليامز، بيد أن ويليامز قدمت استقالتها أخيرًا، بعد أن أصيبت بالإحباط. لقد اتهمت ويليامز الطبقة السياسية بالفساد، لكن يمكن أن نضيف هنا أن المشكلة تكمن في “ولاءات متغيرة” في السياسة الليبية. في نهاية المطاف، لديك مجلس الدولة الذي تهيمن عليه جماعة الإخوان. فكيف يتوافق مع مجلس النواب الذي يصف الجماعة بأنها “تنظيم إرهابي”؟ مع الوضع في الاعتبار أن الحديث هنا يقتصر فقط على الفريقين السياسيين الظاهرين للعيان. لأن هناك فِرَقًا أخرى تعمل بعيدًا عن الأضواء. وسنشير إليها في عُجالة، لاحقًا. ومع ذلك يمكن الإمساك بما هو حاضر اليوم. 

البرلمان قاعدة الكتلة السياسية لباشاغا

تتضح خريطة التكتل السياسي الحالية لباشاغا حاليًا على البرلمان، فغالبية النواب مع باشاغا، وهم نواب يمثلون معظم الأقاليم الليبية. لقد ساعدوا وزراء باشاغا على استعادة مقار حكومية كانت تابعة للدبيبة، على الأقل في بنغازي عاصمة الشرق، وفي سبها عاصمة الجنوب. ويبدو مجلس الدولة مع باشاغا، إلا أن هيمنة القرار الإخواني على المجلس، جعله يظهر كمن يحاول إمساك العصا من المنتصف. مرة مؤيد لباشاغا، ومرة مع توجهات الدبيبة، حتى لو لم يعلن عن ذلك صراحة. وهو يتشابه في هذا الموقف، إلى حد كبير، مع المجلس الرئاسي، بقيادة محمد المنفي. ورغم أن المجلس الرئاسي لا يُحسب من الأجسام السياسية المُعتبرة، إلا أن وجوده مهم لمن يسعى لإطالة أمد الأزمة الليبية، والإبقاء على الوضع على ما هو عليه. 

وبالنسبة لباشاغا أيضًا، هناك تكتل يمثل جانبًا من أنصار النظام السابق، منهم قيادات في جبهة النضال الوطني، ممن يدعون لطي صفحة الماضي، لإنقاذ الدولة الليبية، ويرون في باشاغا حصانًا رابحًا، رغم ماضيه المقترن بكراهية نظام القذافي. ومع ذلك يعوِّل باشاغا على بعض من هذه الشخصيات. ويحاول كذلك أن يغض الطرف عمن لا يريدون نسيان الماضي، مثل المنخرطين في جبهة التحرير. 

ولدى باشاغا تكتل شعبي آخر مهم يمكن أن نطلق عليها “تكتل المُضطرين”، لأن جُلَّ من فيه سئموا الحرب والنزاع وتفكك المؤسسات. ويريدون، في الحقيقة، وبأي ثمن، بناء وطن موحد، على أساس الكيانات الموجودة، مثل مجلسي النواب والدولة، للوصول للانتخابات. وعلى الصعيد الخارجي، يقف مع خيار باشاغا، كثير من الأطراف الإقليمية، خاصة البعض مما يُعرف بدول الاعتدال العربي. ويحاول باشاغا أن يسترضي أطرافًا أخرى، إقليمية ودولية، في مسعى منه لفك ارتباطها مع خصومه في الداخل الليبي. 

الطرابلسية والبرقاوية قاعدة “الدبيبة”

أما التكتل السياسي الذي يستند عليه الدبيبة، فهو تكتل يتماهى مع مجموعات مختلفة يتركز وجودها في شمال غرب ليبيا. والمعني بالموجودين بشمال غرب ليبيا هنا -بالإضافة إلى قطاعات من أبناء مدن طرابلس ومصراتة والزاوية- طيف كبير ممن فروا من شرق البلاد وجنوبها إلى العاصمة وما حولها، إبان الحرب التي شنها الجيش الوطني الليبي ضد المتطرفين وحملة السلاح خارج نطاق القانون، في سنوات ما قبل 2019. 

المهم أن الدبيبة يقف على تكتلين سياسيين مهمين، الأول اسمه الهيئة الطرابلسية، والثاني اسمه الهيئة البرقاوية. وظهر هذان التكتلان على السطح أثناء محاولات الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر، دحر ميليشيات طرابلس في 2019. والتكتلان يعملان من العاصمة، بما فيهما الهيئة البرقاوية. وتتكون الهيئة الأولى من قيادات اجتماعية ونشطاء من طرابلس، ومعروف عنها الانحياز للجماعات المتطرفة. وتتكون الهيئة الثانية من قادة فارين من برقة، ولها ارتباطات متشددة مماثلة. والملاحظ أن هاتين الهيئتين، لهما التوجهات نفسها التي لدى الدبيبة، مثل مهاجمة مجلسي النواب والدولة والجيش بقيادة حفتر، ورفض باشاغا، وهلم جرًا.

ينطوي الحديث هنا على تكتلات فريقي باشاغا والدبيبة، الظاهرة للعيان. في حين أن هناك علاقات تحتية عدة تتسبب في كثير من الأحيان في تغير الولاءات السياسية، مثل العلاقة بين مجلس الدولة والهيئتين الطرابلسية والبرقاوية. والعلاقة بين بعض الساسة المحسوبين على المشير حفتر، ومجموعة الدبيبة، وكذا العلاقة بين مجموعات من أنصار النظام السابق وكل من باشاغا والدبيبة. وقس على ذلك.

بحثًا عن طريق

يمكن القول، بكل أريحية، إن التكتلات السياسية الموجودة على الساحة الليبية، حاليًا، تفتقر إلى الخبرة. هذا إذا أردنا تخفيف لهجة المستشارة الأممية ستيفاني ويليامز التي وصفت فيها الطبقة السياسية في ليبيا بأنها تبحث فقط عن المناصب.

والمشكلة الكبيرة، في الوقت الراهن، هي أن معظم القوى السياسية غير مضمونة الولاءات، ما يزيد الأمور تعقيدا. فالحل، وفقًا للرؤية الدولة والإقليمية وحتى المحلية، هو سرعة إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في ليبيا. والسؤال: مَن يجريها؟

لقد خرج قطاع من الليبيين يوم الأول من يوليو 2022، في مظاهرات عارمة بقيادة حراك بالتريس، للمطالبة بالإطاحة بكل الأجسام الموجودة على الساحة، على أن يتولى المجلس الأعلى للقضاء السلطة مؤقتًا، أي إلى حين إجراء الانتخابات. وشعر كثير من الليبيين بأن هناك أملًا يلوح في الأفق. لكن، وكما يبدو أنه من الأمور المعتادة في ليبيا، دخل قادة من حراك بالتريس في استقطابات وولاءات مع الأجسام نفسها التي كان يدعو لإخراجها من المشهد، ليستمر الوضع على ما هو عليه!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى