الاقتصاد الدوليأوروبا

بريطانيا: تجميد الأسعار أو تجميد الفقراء

“تجميد الأسعار وليس تجميد الفقراء”؛ ذلك هو الشعار الذي رفعه المتظاهرون في المملكة المتحدة منذ عدة أشهر جراء تردي الأوضاع المعيشية الذي ازداد سوءًا في الفترة الفاصلة بين خروج هذه المظاهرات في شهر فبراير الماضي والوقت الراهن؛ بسبب ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة الذي دفع بمعدلات التضخم إلى الارتفاع بمستويات غير مسبوقة منذ 4 عقود، ودفع بملايين الأسر البريطانية إلى حافة الفقر. 

كل تلك الأحداث تمر بها المملكة المتحدة في وقت تكافح فيه الآثار الاقتصادية السلبية الناجمة عن خروجها من الاتحاد الأوروبي، والاختناقات التي تسبب فيها فيروس كورونا ومن خلفة أزمة سلاسل الشحن العالمية، ومن بعدها الحرب الروسية الأوكرانية؛ لتهدد كل تلك الأحداث المتلاحقة اقتصاد المملكة المتحدة بالتحول إلى دولة ناشئة.

المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى هي دولة مكونة من أربعة أقاليم وهي إنجلترا، وأيرلندا الشمالية، واسكتلندا وويلز، وهي صاحبة الاقتصاد البالغ 3.19 تريليونات دولار وفقًا لبيانات البنك الدولي لعام2021، وهي تأتي في الترتيب السادس عالميًا. وعلى عكس اعتقاد البعض أن اقتصاد المملكة هو اقتصاد صناعي، فإن حقيقة الوضع أن القطاع الخدمي يستحوذ على نصيب الأسد في مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي البريطاني؛ إذ إنه يستحوذ على حوالي 80.2% من الاقتصاد، فيما يشارك القطاع الصناعي بحوالي 19.2%، ويأتي القطاع الزراعي بمساهمة ضعيفة عند حدود 0.6%.

ويوظف القطاع الخدمي قرابة 84% من العاملين بالمملكة المتحدة معظمهم في خدمات التعليم، والصحة، والتجزئة المصرفية والجملة، فيما يساهم القطاع الصناعي بحوالي 2.6 مليون وظيفة من إجمالي عدد الوظائف البالغة 35.5 مليون وظيفة. أما عن العلاقات التجارية بين المملكة المتحدة وروسيا فيبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 19.3 مليار دولار وفقًا لبيانات مكتب الإحصاء للمملكة المتحدة، 5.7 مليار دولار صادرات المملكة المتحدة إلى روسيا، و5.7 مليار دولار واردات المملكة المتحدة من روسيا، تتمثل أهم صادرات روسيا إلى المملكة في الذهب والمعادن التي يشكل 83% من إجمالي الصادرات، أما عن أهم واردات روسيا من المملكة المتحدة فتتمثل في المعدات الهندسية والمنتجات الكيميائية والتي تشكل 53% من إجمالي الواردات.

الشكل 1: التبادل التجاري بين المملكة المتحدة وروسيا

الشكل 2: التبادل التجاري بين المملكة المتحدة وأوكرانيا

شُح الطاقة

على الرغم من تلك العلاقات الاقتصادية المتواضعة بين المملكة المتحدة وروسيا، إلا أنه عند الحديث عن الطاقة فإن الوضع يغاير ما سبق ذكره؛ إذ تعتمد المملكة المتحدة في حصولها على خُمس احتياجها من الغاز من روسيا خاصة الغاز التجاري، إذ يتم توريد الغاز إلى المملكة المتحدة من خلال شركة غازبروم للتسويق والتجارة وهي شركة تابعة لشركة غازبروم الروسية. 

وحيث إن الحرب الروسية الأوكرانية تسببت في رفع أسعار الغذاء والطاقة عالميا، فقد وصل معدل التضخم في المملكة المتحدة إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود، إذ بلغ معدل التضخم 9.4 % لبيانات شهر يوليو من العام 2022، وهو المستوى الأعلى منذ 4 عقود تقريبا، لكن تلك البيانات تبدو متواضعة في حال النظر إلى أسعار الطاقة فقط والتي ارتفع متوسط فاتورتها السنوية للمنزل إلى حوالي 4200 جنيه إسترليني مقابل مبلغ 2000 إسترليني في الفترات قبل تلك الأزمة.

ولكون المملكة المتحدة أحد أكبر الحلفاء للولايات المتحدة الأمريكية، فإنها من بين الدول التي تنادى بوقف استيراد الطاقة الروسية، لكن من الجانب الآخر تعاني المملكة المتحدة من خطر قضاء شتاء قارس مع وجود نقص للغاز، ترتب عليه وجود عجز في توليد الطاقة بحوالي سُدس ذروة الطلب، حتى بعد أن استعانت المملكة المتحدة بالطاقة المتولدة من تشغيل محطات الفحم بشكل طارئ.

وفي ظل معاناة باقي البلدان الأوروبية من أزمة نقص الطاقة ومن ثم نقص قدرات توليد الكهرباء، تعاني المملكة المتحدة من نقص كبير في واردات الكهرباء من النرويج وفرنسا، وهو ما يدفع المملكة المتحدة إلى السعي إلى اتخاذ تدابير طارئة للحفاظ على الغاز، مما يترتب عليه انقطاعات في التيار الكهربائي للمنازل وحتى المنشآت الصناعية. ذلك الوضع يعني أنه في حال مواجهة المملكة المتحدة بردًا قارسًا فإنها قد تضطر الاعتماد بشكل متزايد على شحنات الغاز القادمة من موسكو عبر الأنابيب، لكن حتى ذلك الاحتمال أصبح مهددًا؛ خاصة مع إقدام موسكو على خفض إمدادات الغاز عبر الأنابيب إلى أوروبا.

تراجع اقتصادي وغلاء الغذاء

أما عن أسعار الغذاء فقد شهدت هي الأخرى ارتفاعات كبيرة فاقت معدلات التضخم السابق الإشارة إليها، فعلى سبيل المثال ارتفعت منتجات الألبان بحوالي 20 % خلال ثلاثة أشهر فقط (مارس وحتى يونيو)، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، أما عن باقي المنتجات الغذائية فقد ارتفعت بنسبة 10 % عن نفس الفترة من العام الماضي، وكانت مشكلات سلاسل التوريد والضغوط العمالية لزيادة أجورهم وخفض الأسعار مشاكل أساسية تسببت في تفاقم الأزمة وزيادة تكاليف إنتاج الغذاء.

أما عن وضع الاقتصاد الكلي، فقد حذر بنك إنجلترا من أن الاقتصاد البريطاني سيدخل أطول فترة ركود له منذ الأزمة المالية العالمية، حيث توقع انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.1 % وارتفاع معدلات التضخم إلى 13 % لتصل إلى ذروتها في أكتوبر المقبل. لكن الأمر الأكثر قلقا هو أن البنك المركزي البريطاني لا يتوقع حدوث انتعاشة اقتصادية بعد ذلك الركود، حيث توقع أن يبقي الناتج المحلي الإجمالي أقل من المستويات الحالية بحوالي 1.75 % حتى حلول منتصف عام 2025.

وهو نفس الرأي الذي تذهب إليه بنوك الاستثمار؛ إذ توقع “كريستوفر ديمبيك” من بنك الاستثمار “ساكسو بنك” أن تلك الأزمات المتكررة التي تمر باقتصاد المملكة المتحدة جعلته أكثر قربًا من التحول إلى دولة ناشئة. ووفقا لرأي كريستوفر، إن الفاصل الوحيد بين توصيف دولة مثل المملكة المتحدة كإحدى الدول الناشئة هو عملتها التي تحافظ على تماسكها، لكن باقي المؤشرات الاقتصادية الرئيسة في البلاد فعلي تعاني بشكل كبير؛ فعلى سبيل المثال، انخفض عدد السيارات الجديدة المسجلة والتي ينظر إليها أنها مؤشر على صحة الاقتصاد البريطاني إلى 1.53 مليون سيارة في الشهر الماضي، مقابل 1.84 مليون سيارة في يوليو 2021، مشيرا إلى أن تلك الآلات الاقتصادية هي نتاج لعدد متوالٍ من الضربات الاقتصادية التي تتمثل في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ثم أزمة كورونا، ثم التضخم المرتفع.

الشكل 3: معدل التضخم في المملكة المتحدة – Trading Economics

وكانت هذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة أحد الأسباب المهمة التي تسببت في إعلان رئيس الوزراء “بوريس جونسون” استقالته، ومن المتوقع أن يتم الإعلان عن رئيس الوزراء الجديد في 5 سبتمبر المقبل في ظل أزمة اقتصادية بالبلاد غير مسبوقة تسببت في رفع تكاليف المعيشة، ورفعت أسعار الطاقة بنسبة 70% ودفعت ملايين الأسر إلى الفقر، خاصة في حال الأخذ في الحسبان الزيادات المتوقعة في الأسعار حتى أوائل العام المقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى