شرق المتوسطتركيا

إبحار ملغوم: هل تُشعل سفينة “عبد الحميد خان” النيران في مياه شرق المتوسط؟

في تطور كان متوقعًا، استأنفت تركيا عمليات التنقيب عن الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، وأعلن الرئيس التركي خلال مشاركته في حفل الإبحار الأول لسفينة “عبد الحميد خان” أن السفينة تعد رمزًا لرؤية تركيا الجديدة في مجال الطاقة. وكان ذلك الحفل إيذانَا ببدء مرحلة جديدة من الجدل المثار بشأن أحقية تركيا في التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، وفتحت تلك العودة الباب كذلك أمام عدة تساؤلات يدور أبرزها حول حدود التصعيد المحتمل، وإمكانية اشتعال مياه المتوسط مرة أخرى بعد عامين من الهدوء والاستقرار.

محفزات العودة

في أعقاب قيام تركيا بسحب السفينة “يافوز” من المياه المتنازع عليه قبالة سواحل قبرص، لم ترسل أنقرة أية سفينة للتنقيب عن الغاز شرق المتوسط، ما يطرح تساؤلات حول أسباب ودوافع العودة؛ الأمر الذي يمكن الوقوف عليه في ضوء عدد من العوامل يرتبط بعضها بأهداف استراتيجية، ويتعلق جزء منها بالترتيبات المحتملة لمشهد الطاقة العالمي، في حين يدور بعضها حول جملة من الأهداف التي يمكنها أن تصب تأثيراتها على الأوضاع الداخلية، ما يمكن تحديده على النحو التالي:

  • رفض التراجع عن عقيدة الوطن الأزرق:

ترتكز تركيا في إطار عودتها إلى التنقيب عن الغاز شرق المتوسط -بعد أعوام من الهدوء ومساعيها إلى الاستدارة بعيدًا عن إثارة الخلاف مع دول الجوار- على استراتيجيتها التي لا تسعى إلى التخلي عنها حتى ولو استلزم ذلك منها تبني نهج قائم على التهدئة ولو مؤقتًا، وهو ما كشفه إعلان تركيا عن بدء جولة جديدة من التنقيب، تستمر لفترة تتراوح ما بين 45 إلى 60 يومًا.

وقد استندت تركيا في حركتها تجاه المتوسط إلى عقيدة الوطن الأزرق، والتي حلت في السنوات الماضية محل “العمق الاستراتيجي” التي كانت الإطار الحاكم للسياسة الخارجية التركية. وتعود جذور فكرة الوطن الأزرق إلى عام 2006، عندما تم طرحها من قبل الأدميرال البحري “جيم جوردينيز”، لكن التركيز على هذا الطرح تزايد في الفترة التي أعقبت عام 2016.

وكانت هذه العقيدة تشير بشكل رئيس إلى حصص تركيا في البحار المحيطة بها ومن بينها حصصها في منطقة شرق المتوسط، بل باتت بمثابة المحرك الرئيس لتركيا وتفاعلاتها في المنطقة، وهو ما عبر عنه الرئيس التركي بشكل صريح عام 2019 خلال خطابه في عيد الجمهورية “إنني أقر أننا مستعدون لحماية كل مساحة من وطننا الأزرق البالغ مساحته 462 ألف متر مربع بتصميم كبير”.

ويعد هذا التوجه جزءًا أساسيًا في الرؤية التركية، خاصة في ظل تفسيرات ترى أن تراجع الإمبراطورية العثمانية وسقوطها كان بسبب افتقارها لقوة بحرية مؤثرة. وعليه يحظى مفهوم “الوطن الأزرق” باهتمام كبير بين مختلف الحركات والأحزاب التركية باختلافها الأيديولوجي، ما يعني أن أطماع تركيا واحلامها شرق المتوسط لا يمكن التخلي عنها بسهولة، وفقًا لتلك الرؤية الاستراتيجية.

  • الرغبة في تقليل فاتورة استيراد الطاقة:

تستهدف تركيا من مجمل حركتها في شرق المتوسط والبحر الأسود البحث عن مزيد من الاكتشافات؛ بهدف تأمين احتياجاتها من الطاقة، في ظل افتقارها لمصادر الطاقة واعتمادها المتزايد على الواردات خاصة النفط والغاز الطبيعي بنسبة تصل لنحو 93% و99% على التوالي. ومن هنا يظهر السبب الرئيس لتوجه تركيا نحو التوسع في عمليات التنقيب عن الغاز الطبيعي للمساعدة في وضع حد لاستيراد الغاز والنفط.

فالواردات التركية من الطاقة تحتل جزءًا كبيرًا من إجمالي الواردات السنوية؛ فقد بلغت فاتورة استيراد الطاقة في تركيا نحو 185 مليار دولار خلال السنوات الخمس الممتدة ما بين 2015 وحتى 2019. فخلال عام 2019 -على سبيل المثال- بلغت واردات الطاقة نحو 41 مليار دولار، بنسبة 20% من إجمالي واردات تركيا خلال العام ذاته. 

ونتيجة للحرب الروسية الأوكرانية وما صاحبها من ارتفاع في أسعار الطاقة، يتوقع الرئيس التركي أن تصل واردات الطاقة إلى 100 مليار دولار بنهاية 2022؛ إذ تشير التقديرات إلى ارتفاع متوسط واردات البلاد الإجمالية من الطاقة من 3-4 مليار دولار شهريًا إلى 8 مليار دولار بفعل ارتفاع الأسعار.

من هنا تمثل منطقة شرق المتوسط هدفًا استراتيجيًا لتركيا لتأمين احتياجاتها وتقليل اعتمادها على استيراد موارد الطاقة من الخارج؛ إذ تتمتع منطقة شرق المتوسط بوفرة هائلة من الغاز الطبيعي الذي يمكن أن يؤمن لتركيا الاكتفاء الذاتي، خاصة وأنها استوردت ما قدره 60.1 مليار متر مكعب من الغاز عام 2021، منها 46.1 مليار متر مكعب عبر خطوط الأنابيب من روسيا وإيران وأذربيجان، فيما حصلت على باقي الكمية 14.1 مليار متر مكعب في شكل غاز طبيعي مسال.

  • ايجاد دور في ترتيبات الطاقة الناشئة، 

تسعى تركيا إلى أن تصبح مركزًا إقليميًا لنقل الطاقة إلى أوروبا، والعمل على توظيف موقعها كبوابة رئيسة لنقل الغاز إلى الغرب، بما يضمن لها إثبات حضورها في ترتيبات الطاقة الصاعدة، بحيث تعمل على التأسيس لدور مستقبلي في توجيه الطاقة لأوروبا، الأمر الذي يضمن لها عددًا من المكاسب منها: الاحتفاظ بأوراق ضغط يمكن من خلالها مساومة الدول الأوروبية من أجل الموافقة على انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، أو على أقل تقدير سد الفجوة ونطاق الخلاف بين أنقرة والغرب، فضلًا عن تحقيق منافع اقتصادية من عوائد عملية نقل الغاز. 

إلا أن هذا الطموح تعرض لعدد من التحديات: ينصرف أولها إلى عدم توافر المقومات الطاقية والاكتشافات المجدية لدى تركيا حتى الآن شرق المتوسط. في حين يدور ثانيها حول تنامي الخلافات بينها وبين جيرانها في تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة، ما يعيقها عن البحث بصفة قانونية عن تلك الاكتشافات. وينسجم ثالثها مع غياب تركيا عن الترتيبات المؤسسية شرق المتوسط وفي القلب منها منظمة غاز شرق المتوسط. 

وينسحب رابعها إلى قدرة مصر على حيازة هذا الدور إنطلاقًا مما لديها من قدرات هائلة من الغاز في شرق المتوسط، فضلًا عن تمتعها ببنية تحتية تؤهلها لذلك، يضاف إليها توقيعها عدد من الاتفاقات في هذا الصدد وكان آخرها الاتفاق الثلاثي بين مصر واسرائيل والاتحاد الاوروبي (يونيو2022) لتصدير الغاز إلى أوروبا. 

من ناحية أخرى، طُرحت فكرة تدشين خط أنابيب لنقل الغاز الإسرائيلي عبر تركيا إلى أوروبا، ومنذ عام 2016 وقت أن تبلورت الفكرة لم تجد صدى حتى الآن لعدد من العوامل من بينها: أن إسرائيل لا ترغب في إقامة علاقات في قطاع الطاقة مع تركيا؛ إذ أن ذلك من شأنه أن يؤثر على علاقة إسرائيل بقبرص واليونان اللتين تجمعها بهما علاقة شراكة في هذا القطاع، علاوة على أن جدوى المشروع من الناحية السياسية والاقتصادية قد تقف عائقًا أمامه؛ إذ يحتاج تنفيذه للعبور في المياة القبرصية والسورية، الأمر الذي لا يمكن الاستجابة له بسهوله في ظل توتر العلاقات بينهما وبين تركيا.

  • تجاوز المأزق الداخلي:

يعمل الرئيس التركي “أردوغان” بشكل دائم على توظيف سياسته وتحركاته الخارجية لخدمة أهداف داخلية، ولعل استعادة نشاط تركيا في شرق البحر المتوسط قد يكون مدفوعًا بمساعيه إلى ترميم وضعه الداخلي قبل الانتخابات العامة المزمع عقدها منتصف عام 2023؛ إذ يواجه أردوغان مأزقًا يعد الأصعب منذ صعوده للسلطة منذ عقدين من الزمن.

وترجح تقديرات احتمالية تعرضه لخسارة كبيرة في ظل المشاكل الاقتصادية التي تمر بها تركيا خاصة مع تراجع سعر الليرة، وارتفاع نسبة التضخم بصورة غير مسبوقة ولم تشهدها تركيا منذ 24 عامًا وفقا للتقديرات، وارتفاع عجز التجارة الخارجية بنسبة 184.4% خلال شهر يونيو 2022، ليسجل نحو 8 مليار دولار، حيث سجلت الصادرات التركية 23.4 مليار دولار، مقابل ارتفاع في الواردات بلغ 31.5 مليار دولار وفقًا للبيانات الصادرة عن معهد الأحصاء التركي.

من ناحية أخرى، لا تختلف التحديات التي تواجه أردوغان على الصعيد السياسي عن تلك التي تفرضها عليه الحالة الاقتصادية؛ إذ تُشير استطلاعات الرأي إلى تراجع تأثير وشعبية حزب العدالة والتنمية ما قد يؤثر على حساباته في الانتخابات المقبلة، خاصة وأن احزاب المعارضة التركية قد بدأت منذ وقت مبكر في الحشد لتلك الانتخابات عبر توحيد الجهود والانصهار في تحالف سداسي يضم الأحزاب المعارضة للنظام الحالي، وقد أعلنت تلك الأحزاب عن الإعداد للعودة للنظام البرلماني بدلًا من النظام الرئاسي الذي أقره الرئيس التركي في التعديلات الدستورية الأخيرة.

ويعزز من فرص هذا التحالف الضغوط الاقتصادية وحالة الغضب والاستياء الداخلي، علاوة على انضمام “على باباجان” رئيس حزب الديمقراطية والتقدم، بجانب “أحمد داوود أوغلو” رئيس حزب المستقبل لهذه الصيغة، ما يخصم من رصيد الحزب الحاكم بصورة كبيرة؛ نظرًا إلى أن أعضاء الحزبين من المنشقين عن العدالة والتنمية، ما قد يعني استقطاب مزيد من الأصوات المتقاربة أيديولوجيا مع الحزب الحاكم لصفوفهم.

بين الانفجار والتصعيد المكتوم

يُشير مسار السفينة التركية “عبد الحميد خان” إلى أن إبحارها في شرق المتوسط قد يكون ملغومًا ومحمّلًا بمزيد من التوترات التي قد تشعل النيران في مياه المتوسط التي شهدت اضطرابات سابقة لذات السبب، ويبدو أن أنقرة هذه المرة عازمة على تحقيق على الأقل جزء من أهدافها ما بدا من تجهيز وإعداد تلك السفينه بوصفها الأكبر والأحدث بين السفن التركية الأربع المخصصة للتنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط والبحر الأسود، فيبلغ طولها 238 مترًا بعرض 42 مترًا، ولديها قدرة على الحفر حتى عمق 12 ألف و200 متر.

وتطرح تلك الإمكانيات والدوافع سالفة الذكر سؤالًا محوريًا عما يمكن أن تنتجه عملية الإبحار التي قد تمتد شهرين، وهو ما يمكن تتبعه وفقًا لعدد من المسارات كما يلي:

  • المسار الأول: الإبحار السلس

يفترض هذا المسار ألا تقود عودة تركيا إلى لتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط إلى مسار معاكس عما هو عليه الوضع في الوقت الراهن، بحيث يظل الهدوء النسبي أو حالة التصعيد المكتوم بمثابة الحاكم لتفاعلات تركيا على غرار العامين الماضيين. ويدعم هذا المسار ما كشف عنه الرئيس التركي “أردوغان” بأن السفينة ستتوجه إلى “بئر يوروكلر-1” على بعد 55 كيلومترًا قبالة سواحل مدينة غازي باشا بأنطاليا، وهي منطقة تقع خارج المياه التي تطالب قبرص أيضًا بالسيادة عليها.

ولا يعني ذلك تخلي تركيا عن أحلامها شرق المتوسط، وإنما يتماشى هذا النهج مع مساعيها إلى اختبار عملية التهدئة التي تتبعها في مجمل سياستها الخارجية، والتي بدأت ترتكز في جزء منها على ترميم علاقتها مع الخارج، فضلًا عن أنها لا تريد -على الأقل في الوقت الراهن- أن تعكر صفو علاقتها بالغرب، خاصة وأن الأزمة الأوكرانية أسهمت بشكل كبير في سد الفجوة بينهما بشكل ما، وذلك في أعقاب الجهود التركية للتوسط في أزمة الحبوب والتي أسهمت في تدفق الحبوب الأوكرانية لعدد من دول العالم ما من شأنه أن يحد من الأزمة الغذائية العالمية.

من هنا لا يرجح أن تنفلت الأمور وتعود منطقة شرق المتوسط إلى الاضطراب على خلفية قيام تركيا بالتنقيب عن الغاز؛ وذلك لان حسابات تركيا في الوقت الحالي قد تفرض عليها جملة من القيود التي قد تحول دون التصعيد أو الصدام، وأي تصعيد قد يدخل في دائرة المغامرة غير المحسوبة؛ كونه من شأنه أن يؤثر على مجمل التحركات الخارجية التي اتبعتها مؤخرًا في التقارب مع عدد من القوى الإقليمية والدولية. 

  • المسار الثاني: انفجار محدود

يفترض هذا المسار أن جهود أنقرة في المنطقة التي تم تحديدها كهدف لعملية التنقيب خلال الشهرين القادمين قد لا تؤتي ثمارها، ما قد يدفعها إلى توسيع نطاق وجغرافيا التنقيب عن الغاز والانخراط في أعمال استكشافية في المناطق محل الخلاف والنزاع مع قبرص واليونان، الأمر الذي قد يعيد التوتر إلى الأجواء مرة أخرى، خاصة في ظل استعداد قبرص واليونان لمثل هذا التحول في مسار عملية التنقيب، وهو ما عبر عنه وزيرا خارجية قبرص واليونان (28 يوليو). 

ورغم القيود المفروضة على احتمالية انفلات الأوضاع وانفجارها، فإن هذا التصعيد أو الانفجار –إذا تحقق- لن يخرج عن السيطرة على غرار ما حدث في أغسطس 2020، حيث كانت منطقة شرق المتوسط على اعتاب مرحلة من الاشتباك المفتوح بين تركيا واليونان قبل أن يتم احتواء هذا التصعيد من خلال الوساطة الألمانية. 

ويرتكز هذا الافتراض على عدد من العوامل من بينها أن حلف الناتو قد يضع قيودًا على تلك المواجهة، خاصة وأنه لا يرغب في اشتعال المواجهة بين دولتين عضوتين في الحلف؛ إذ إن أي تصعيد عسكري في الوقت الراهن قد يؤثر على الجهود الجماعية للحلف الموجهة ضد روسيا في حربها على أوكرانيا. ومن ناحية أخرى، لا تريد الدول الأوروبية والولايات المتحدة أن تتجه الأحداث في منطقة شرق المتوسط إلى الاشتعال؛ إذ إن مثل هذه الأجواء قد تعيق عمل الشركات العاملة في مجال التنقيب، بما يؤثر على عملية الاستكشاف واستخراج الغاز كهدف لتلك الدول لتقليص الاعتماد على الغاز الروسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى