أفريقيا

انتخابات كينيا.. منافسة شرسة في ظل أزمة اقتصادية طاحنة

في انتخابات تعد من بين الأكثر تنافسية في شرق ووسط أفريقيا، حيث تهيمن الشخصيات والأموال على السياسة بدلًا من حركات التحرير المسلحة، كما هو الحال في العديد من بلدان المنطقة، أجرت كينيا الانتخابات العامة يوم الثلاثاء 9 أغسطس 2022، وصوت الناخبون على اختيار الرئيس الجديد للدولة، خلفًا للرئيس المنتهية ولايته أوهورو كينياتا، بالإضافة إلى أعضاء الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ وحكام المقاطعات وأعضاء مجالس المقاطعات الـ 47 في كينيا.

وتحتل المنافسة على مقعد الرئيس الأهمية الأكبر في هذه الانتخابات، والذي يتنافس عليه أربعة مرشحين أبرزهم “أودينجا” المعارض السياسي ورئيس الوزراء الأسبق، و”روتو” نائب الرئيس الكيني الحالي. وتأتي الانتخابات في ظل فترة عصيبة للاقتصاد الكيني، وتوترات سياسية بين الرئيس كينياتا ونائبه، في غياب أكبر مجموعة عرقية في كينيا عن المنافسة.

سير العملية الانتخابية

تدفق الكينيون إلى مراكز الاقتراع في جميع أنحاء البلاد يوم الثلاثاء 9 أغسطس، لاختيار رئيسهم الجديد، وكذلك البرلمانيين والقادة المحليين، من بين المرشحين الأربعة لمنصب الرئيس، يبرز السيد “أودينجا” رئيس الوزراء السابق والمعارض السياسي الذي يبلغ من العمر 77 عامًا ويخوض المنافسة للمرة الخامسة، وأطلق عليه أنصاره لقب بابا (“الأب”)، والسيد “روتو” نائب الرئيس المنتهية ولايته، ويبلغ من العمر 56 عامًا.

أجرت لجنة الانتخابات معظم عمليات تحديد هوية الناخبين باستخدام أنظمة الانتخابات المتكاملة التي تساعد في تحديد هوية الناخبين، وأفادت بأن 238 مركز اقتراع من أصل 46232 استخدمت السجلات اليدوية لتحديد هوية الناخبين، مما سمح لما لا يقل عن 100 ألف ناخب بالإدلاء بأصواتهم في هذه المراكز. 

وقدرت اللجنة بنهاية اليوم الانتخابي نسبة الإقبال بـ 60 في المائة، وهو انخفاض كبير عن نسبة الإقبال البالغة 80 في المائة في انتخابات عام 2017، في إشارة إلى أن العديد من الكينيين الذين تأثروا بالمصاعب الاقتصادية أو المنهكين من الفساد المستشري فضّلوا البقاء في منازلهم.

ومع إغلاق صناديق الاقتراع، تحولت الانتخابات الكينية إلى مرحلة جديدة لا يمكن التنبؤ بها، حيث سيتم إعلان النتائج الرسمية في غضون أسبوع من التصويت، ولكن يحتاج المرشح إلى أكثر من نصف الأصوات وما لا يقل عن 25٪ من الأصوات في أكثر من نصف مقاطعات كينيا البالغ عددها 47 مقاطعة، للفوز بشكل مباشر دون جولة إعادة، وإلا فإن عدم وجود فائز صريح يعني إجراء جولة الإعادة في غضون 30 يومًا.

يستخدم ناخب مجموعة أدوات نظام إدارة الانتخابات المتكامل في كينيا (KIEMS) قبل المشاركة في العملية الانتخابية في مركز اقتراع من قبل لجنة الانتخابات والحدود المستقلة (IEBC) في مدرسة إيواسو كيدونغ الابتدائية في مقاطعة كاجيادو ، كينيا ، 9 أغسطس 2022

في غضون ذلك، بلغت التكلفة المدرجة في الميزانية لتصويت يوم الثلاثاء 374 مليون دولار، وهو ما يعادل حوالي 17 دولارًا لكل ناخب، مما يجعلها واحدة من أغلى الانتخابات في أفريقيا، فضلًا عن مئات الملايين من الدولارات التي ينفقها المرشحون على حملاتهم الانتخابية. ويبدو أن عدم الثقة المستشري مسؤول عن التكلفة العالية؛ فمع اقتناع العديد من الكينيين باحتمالية تزوير الانتخابات، اضطرت لجنة الانتخابات الوطنية إلى اعتماد أنظمة تصويت أكثر تكلفة.

فقد سافر فريق ضخم من المراقبين الكينيين من الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والجماعات الدينية إلى اليونان لمراقبة طباعة 22.1 مليون بطاقة اقتراع، بتكلفة 25 مليون دولار، تحتوي كل بطاقة على أنظمة أمنية أكثر من تلك التي على الأوراق النقدية، بما في ذلك الحبر غير المرئي والعلامات المائية والنقش والطباعة الدقيقة، وتم كذلك تجهيز كل مراكز الاقتراع البالغ عددها 46 ألف مركز بأجهزة كمبيوتر محمولة وأجهزة مسح لبصمات الأصابع، بالإضافة إلى أجهزة لوحية رقمية لنقل النتائج النهائية.

محددات السلوك التصويتي للكينيين ودينامياته

نظرًا لطبيعة التوقيت والظروف التي جرت فيها الانتخابات الكينية، أثرت محددات عديدة على تفضيلات الناخبين الكينيين وسلوكهم التصويتي، ودفعتهم بشكل واعٍ أو غير واعٍ إلى التصويت لصالح مرشح رئاسي دون الآخر، تمثلت أبرز هذه المحددات في: 

  • الظروف الاقتصادية الصعبة

من المتوقع أن يلعب الاقتصاد دورًا بارزًا في تفضيلات الناخبين الكينيين، في ظلّ الرهانات الاقتصادية شديدة الوطأة المحيطة بالبلاد، وتزامن الانتخابات مع فترة عصيبة للاقتصاد الكيني؛ ففي الأشهر الأخيرة، ارتفع التضخم إلى 8.3% وساهمت الحرب في أوكرانيا في طوابير طويلة في محطات الوقود، وزيادة كبيرة في تكاليف الأطعمة الأساسية مثل دقيق الذرة وزيت الطهي. وللتخفيف من حدة المشكلات، قامت حكومة الرئيس المنتهية ولايته أوهورو كينياتا بدعم تكلفة دقيق الذرة في يوليو، لكن ليس من الواضح ما إذا كانت هذه السياسة ستستمر مع تولي الرئيس الجديد للسلطة.

إلى جانب ذلك، فقد وصل الدين العام إلى نحو 74 مليار دولار، فضلا عن وصول المعدل الرسمي للبطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا إلى ما يقارب 40٪، والاقتصاد لا يخلق وظائف كافية لاستيعاب 800 ألف شاب ينضمون إلى القوى العاملة كل عام.

لكن الخطر الأكثر إلحاحًا على الكينيين هو الجفاف المدمر الذي دام أربع سنوات، وهو جزء من أزمة جوع أوسع في المنطقة تمتد إلى إثيوبيا والصومال وجنوب السودان؛ فوفقًا للأمم المتحدة، تشهد كينيا أسوأ موجة جفاف منذ أكثر من أربعة عقود، ويعاني حوالي 4.1 مليون شخص في كينيا من انعدام الأمن الغذائي الشديد، كذلك أدى الجفاف الذي تفاقم بسبب فشل موسم الأمطار الرابع على التوالي إلى نفوق ما لا يقل عن 7 ملايين رأس ماشية في القرن الأفريقي، بما في ذلك 1.5 مليون رأس ماشية في كينيا التي تعتمد عليها الأسر الرعوية في قوتها وسبل عيشها.

وهو ما فطن إليه أودينجا وروتو، لذا كثف المرشحان الرئاسيان البارزان تعهداتهما لمعالجة ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد عدم المساواة، ونال البرنامج الاقتصادي النصيب الأكبر من الدعايا الانتخابية للمرشحين، حيث ركز أودينجا في برنامجه الانتخابي على برنامج “الرعاية الاجتماعية” الذي يعد فيه بتقديم 6000 شلن كيني (50 دولارًا) شهريًا للأسر الأكثر احتياجًا في البلاد، على أن تأتي الأموال المخصصة للصندوق من خلال القضاء على الفساد المستشري، ووعد بإقامة رعاية صحية شاملة من خلال برنامج يسمى “باباكير”. ولتقليل البطالة، سيعتمد أودينجا على التصنيع لخلق الوظائف، وتعهّد بتحويل كينيا إلى “اقتصاد دينامي وعالمي” مؤلف من قبيلة واحدة كبيرة.

من جهة أخرى، صور روتو –الملياردير الكيني الذي كان وزيرًا للزراعة قبل أن يصبح نائب الرئيس في عام 2013- نفسه خلال حملته الانتخابية على أنه يشعر بالفقراء لأنه كان منهم، في إشارة إلى بداياته المتواضعة كبائع دجاج في صغره، ووعدهم “بنهج من القاعدة إلى القمة” للاقتصاد الذي سينتشل الفقراء من فقرهم. يتعهد النموذج بتمكين أولئك الموجودين في أسفل الهرم الاقتصادي من خلال توفير صندوق ائتمان بقيمة 50 مليار شلن (346 مليون جنيه إسترليني) لدعم الأعمال التجارية الصغيرة. وفي خطابه الأخير في حملته الانتخابية، قال إنه إذا تم انتخابه، فإن حكومته ستخصص 1.6 مليار دولار سنويًا لزيادة فرص العمل.

بافتراض صدق نوايا المرشحين حول الرغبة في تحسين الأوضاع المعيشية للسكان الكينيين، فأيًا كان الفائز منهما في هذه الانتخابات، من المرجح أن يواجه رياحًا اقتصادية معاكسة، ناشئة عن الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد والأزمة الاقتصادية الضاربة في العالم، ستجعل من الصعب للغاية دفع ثمن وعود الإنفاق الباذخة التي قطعها كلا المرشحين خلال حملاتهم الانتخابية.

تراجع منافسة الانتماءات العرقية

ما يصبح غالبًا عاملًا حاسمًا في التصويت على أي انتخابات في معظم الدول الأفريقية هو ولاء الناخبين لمجموعاتهم العرقية، ولدى كينيا بالفعل تاريخ طويل من النزاعات الانتخابية التي أججتها الاستقطابات العرقية، بما في ذلك أحداث العنف التي تبعت انتخابات عام 2007 وعام 2017 بعد خسارة أودينجا في الحالتين أمام مرشح قبيلة كيكويو.

ولكن المختلف في هذه الانتخابات هو أنها المرة الأولى -منذ أن بدأت البلاد تحولها نحو الديمقراطية في عام 1992- التي لا يوجد بها مرشحون بارزون من قبيلة كيكويو أكبر مجموعة عرقية في البلاد، التي ينتمي إليها الرئيس المنتهية ولايته “أوهورو كينياتا” وتتحكّم بزمام السلطة منذ 20 عامًا، حيث كان ثلاثة من رؤساء كينيا الأربعة منذ الاستقلال من عرقية كيكويو، والرابع مثل السيد روتو كان من عرقية كالينجين.

وعلى الرغم من أن أودينجا وروتو لا ينتميان إلى كيكويو، يدرك كلاهما الحاجة إلى جذب هذه الدائرة الانتخابية الرئيسة، ما دفع كلًا منهما إلى اختيار فرد من قبيلة كيكويو ليكون نائب الرئيس المحتمل، على أمل الفوز بأصواتهم، حيث يخوض روتو الانتخابات إلى جانب نائبه رجل الأعمال “ريغاتي جاتشاغوا”، بينما يخوض أودينجا الانتخابات مع نائبته وزيرة العدل السابقة “مارثا كاروا.”

المكايدات السياسية بين كينياتا ونائبه

شكّل كينياتا وروتو تحالفًا هائلاً في عام 2012، ويبدو أنهما صديقان حميمان لدرجة أن الجمهور أطلق عليهما “أهوروتو”، ولكن في أوائل عام 2018، بعد بضعة أشهر فقط من تفوق كينياتا وروتو على أودينجا للفوز بولاية ثانية في انتخابات 2017، تدهورت العلاقات بين الرئيس ونائبه بسرعة، ولا يستطيع أحد أن يجزم بالسبب الحقيق وراء ما حدث. في ذلك الوقت، أقام كينياتا تحالفًا مفاجئًا مع خصمه السابق أودينجا، في إشارة واضحة إلى أنه لن يدعم روتو كخليفة له. ومنذ ذلك الحين، اتهم الاثنان بعضهما البعض مرارًا وتكرارًا بالخيانة، لكن لم يقدم أي منهما تفسيرًا مُرضيًا لخلافهما.

ومن هنا، تحولت الحملات الانتخابية إلى مكايدات شخصية، حاول خلالها كينياتا توجيه بعض الضربات السياسية إلى روتو، بينما حاول روتو استحضار تعاطف الكينيين من خلال البكاء والخطابات العاطفية وتوجيه الاتهامات بالفساد للنظام الحاكم -الذي كان روتو نفسه جزءًا منه على مدار 9 سنوات- ومع ذلك، نجح كينياتا في إخراج جانب من نائبه يظهر غضبه، وهو ما أقنع العديد من السياسيين بأنه إذا وصل السيد روتو إلى السلطة، فقد يتحول ذلك إلى حكم استبدادي. هذه التبادلات الحادة صبت في مصلحة أودينجا الذي بدا وكأنه رصين خلال الحملة الانتخابية.

استخدام الصين كأداة لجذب الأصوات

بصفتها أكبر مستثمر في أفريقيا، كانت الصين مسؤولة عن مشاريع البنية التحتية الكبرى في كينيا، بما في ذلك طريق نيروبي السريع، وخط السكة الحديد القياسي الصيني. وتدين كينيا بمليارات الدولارات للصين، لذا كان من الطبيعي أن يحتل الحديث عن الصين جزءًا من الحملة الانتخابية للمرشحين الرئاسيين، حيث يعد روتو مناهضًا للصين بشدة، وتعهد بترحيل المواطنين الصينيين الذين يؤدون وظائف يقول إنها يجب أن تكون مخصصة للكينيين، ووعد بإبرام عقود حكومية عامة مع بكين. وهو الموقف الذي عدّه محللون طريقة محتالة للبحث عن الأصوات في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة وارتفاع معدلات البطالة في البلاد، فضلا عن كونها محاولة لينأى بنفسه عن اتهامات الفساد الموجهة للحكومة فيما يتعلق بالمشاريع الصينية الضخمة.

في المقابل، كان منافس روتو المعارض رايلا أودينجا أقل حدة في موقفه تجاه الصين، وأشار أودينجا إلى أن الدول الغربية كانت في أفريقيا قبل الصينيين الذين ساعدوا في تطوير البنية التحتية، وقال إن العمل مع بكين لا يعني الاضطرار إلى استبعاد دول أخرى، وإنه فقط سيعيد التفاوض بشأن شروط الدين.

الأهمية الاقليمية للانتخابات الكينية

كما هو الحال في الداخل، فإن الانتخابات الكينية مهمة خارج كينيا أيضًا؛ إذ تعد كينيا قوة اقتصادية كبيرة في شرق أفريقيا -ثاني أكبر اقتصاد في شرق أفريقيا من حيث الناتج المحلي الاجمالي الذي بلغ 110.27 مليار دولار عام 2021- فضلًا عن كونها المحور الرئيس للنقل والتجارة في المنطقة، إلى جانب دورها في عمليات الوساطة ومحادثات السلام في شمال إثيوبيا، وشرق الكونغو الديمقراطية.

ومن ثم فإن احتمالية حدوث أعمال العنف التي تعقب الاقتراع سيكون لها تأثير مضاعف في معظم أنحاء المنطقة؛ فبعد أيام من اندلاع أعمال عنف عرقية مرتبطة بالانتخابات في يناير 2008، أفادت وكالات الإغاثة في شرق الكونغو التي تعتمد أيضًا على الواردات التي تمر عبر كينيا بنفاد المخزون، فيما اصطفت طوابير طويلة عند محطات الوقود في عاصمتي أوغندا ورواندا اللتين تعتمدان على الإمدادات من ميناء مومباسا الكيني.

وفي خضم الحرب الأهلية في إثيوبيا، والاضطرابات في الصومال وجنوب السودان، والأزمة السياسية في السودان، لا يمكن للمنطقة أن تتحمل اندلاع موجة أخرى من الاضطرابات، ناهيك عن اندلاع اضطرابات في قلب الحياة الاقتصادية والسياسية في المنطقة. وفي حين أن هناك أسبابًا للقلق بشأن المخاطر المستقبلية، فهناك أيضًا أسباب للتفاؤل الحذر؛ إذ يمكن أن تكون الانتخابات السلسة الخالية من العنف مثالًا قويًا لحكومات الدول المجاورة على أن السياسة السلمية لديها ما تقدمه أكثر من الاستبداد الشخصي الذي أصبح شائعًا في المنطقة.

ختامًا، ستشهد الايام القليلة القادمة إعلان الرئيس الجديد لكينيا خلفا لكينياتا الذي سيقوم بتسليم مقاليد السلطة إما لعدوه الذي تحول إلى صديقه (أودينجا)، أو صديقه الذي تحول إلى عدوه (روتو)، وتشير النتائج الأولية إلى تقارب كبير في عدد الأصوات بين روتو وأودينجا، والسؤال الحاسم الآن ليس فقط من فاز في السباق، ولكن ما إذا كان الخاسر سيقبل الهزيمة! وفي كل الأحوال، بالرغم من وجود بعض الأدلة التي تؤيد انخفاض احتمالية حدوث نزاع بعد إعلان النتيجة، يظل سيناريو الاضطرابات قائمًا إذا ما قررت مجموعة أو أخرى من القادة السياسيين في كينيا اللعب على الانقسامات العرقية والاقتصادية القائمة لدفع الناخبين إلى الشوارع بدلًا من الاعتراف بالهزيمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى