العراق

صفحات الممكن في المستقبل السياسي للعراق

كأول انفراجة للتعقيدات السياسية في العراق، أطلق زعيم التيار الصدري “مقتدى الصدر” مبادرة تتضمن حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة بعد أن وصلت الأمور إلى طريق مسدود، وقوبلت المبادرة الصدرية بتقبل واسع على الصعيد السياسي كما لاقت قبولًا في المجال العام لأنها تضمن عدم اتجاه الأمور لما هو أسوأ في بغداد.

ذلك خصوصًا أن خصم التيار الصدري ممثلًا في الإطار التنسيقي وزعيمه نوري المالكي كان قد أبدى حالة من الصلف في مسألة التفاوض حول الاسم المرشح لرئاسة الوزراء، وأصر من جانبه على محمد شياع السوداني؛ الأمر الذي دفع أنصار الصدر إلى اقتحام البرلمان والدخول في حالة من الاعتصام المفتوح. ولفهم ما يمكن أن ينعكس عن مبادرة الصدر، ينبغي لنا استيعاب مواقف الأطراف في الأزمة السياسية العراقية على النحو التالي:

أولاً) دوافع مبادرة التيار الصدري:

بعد أن دعا مقتدى الصدر أنصاره إلى دخول المنطقة الخضراء والبرلمان العراقي، كان قد أرسل رسالة قوية إلى الإطار التنسيقي وغيره من القوى السياسية يؤكد من خلالها على أن أي حكومة ائتلافية لن يتم قبول تمريرها، خصوصًا إذا ما قرر الإطار التنسيقي وضع شخصية تابعة للمالكي على رأسها. ولكن مع إصرار الإطار التنسيقي على موقفه وعدم إقدام محمد شياع السوداني على سحب ترشحه، بات التيار الصدري أمام خيارات محدودة يمكن حصرها إجمالًا في قوة أتباعه في الشارع العراقي؛ بمعنى آخر الاحتكام للشارع.

ولكن من ناحية أخرى، فإن بقاء المعتصمين في الشارع وفي نطاق المنطقة الخضراء يبعث برسائل خاطئة عن الأوضاع السياسية في العراق، وإن كانت الأمور تسير على نحو محسوب حتى الآن من الناحية الأمنية إلا أن تصرفًا بسيطًا يمكن أن يجعل الأمور تنفلت وينتقل بها من خانة المرسوم والمحسوب إلى خانة غير مأمونة العواقب.

ولم تفلح مبادرة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي التي تضمنت الدعوة إلى حوار وطني والجمع بين الأطراف السياسية في تهدئة الأمور؛ لأن مسألة الحوار مع الإطار التنسيقي مرفوضة من جهة مقتدى الصدر. ومن ثم، فقد ذهب التيار الصدري إلى خيار حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة لأنه الحل الوحيد الذي يعيد الكرة إلى ملعبه بعد أن أصبح في موقف رد الفعل عقب الإعلان عن انسحاب نوابه من البرلمان.

مع الأخذ بالحسبان هنا أن زعيم التيار الصدري كان قد رفض شروطًا من الإطار التنسيقي وذلك حسبما ذكره أحد الأعضاء البارزين في التيار الصدري، وقد تضمنت شروط الإطار التنسيقي تشكيل حكومة مؤقتة يكون رئيسها بالتوافق بين التيار الصدري والإطار التنسيقي؛ وذلك لتسهيل أمور تتعلق بإقرار الموازنة، ثم التمهيد لإجراء انتخابات مبكرة في موعد لا يتعدى شهرًا. ولكن يسهل فهم أن التيار الصدري لا يمكن إقناعه بهذه السهولة؛ وبديهيًا ما هو الضامن أنه بعد مرور شهر سيمضي الإطار التنسيقي لخيار الانتخابات!

ثانيًا) رد الإطار التنسيقي وموقف القوى السياسية الأخرى: 

في رد سريع، رحب الإطار التنسيقي بمبادرة مقتدى الصدر وجاء الترحيب على لسان قادته مثل حيدر العبادي الذي أشار إلى أن مبادرة مقتدى الصدر تتوافق في جزء كبير منها مع مبادرات كان الإطار التنسيقي قد طرحها من قبل، ومن جانبه أشار هادي العامري إلى أن الانتخابات المبكرة وإن كانت إطارًا عامًا متوافق عليه إلا أنه يجب أن يجري حوار وطني بشأنها للاتفاق على آلياتها؛ بمعنى أكثر وضوحًا فإن الموافقة التي أبداها الإطار التنسيقي على مبادرة الصدر ليست موافقة، مطلقة وإنما على العكس من ذلك فهي موافقة مشروطة أو معلقة.

ومما يستدل به على ذلك أن رئيس هيئة الحشد الشعبي “فالح الفياض” قال إن أمر إعادة الانتخابات البرلمانية يخص كل التيارات السياسية في البلاد، في إشارة على أن بقية التيارات السياسية في البلاد ليست مجرد رد فعل وأنها لا تأخذ الأوامر من التيار الصدري الذي يبدو وكأنه يريد الظهور بمظهر من يرسم الخريطة السياسية في العراق.

ولتفسير موقف الإطار التنسيقي؛ فقد جاءت الرياح بما تشتهيه سفن نوري المالكي؛ لأن الإطار التنسيقي يبني آمالًا على أنه إذا أعيدت الانتخابات الآن فربما تتراجع أسهم التيار الصدري، خصوصًا بعد اقتحام البرلمان والمنطقة الخضراء والترويج لذلك من قبل خصومه بوصفه حالة من العبث بأمن العراق.

ومن ناحية أخرى، فإن نوري المالكي يرى أن الانتخابات الأخيرة قد تضمنت عمليات تزوير تطعن في شرعية العملية الانتخابية ككل، ولو تمت إعادتها سيحصل الإطار التنسيقي على أغلبية تؤهله لإقصاء الآخرين من المشهد السياسي. ويضاف إلى هذا أن الإطار التنسيقي يعلق قبوله بانتخابات مبكرة بألا تشرف حكومة مصطفى الكاظمي على الانتخابات وهي المتورطة في نظره في انتخابات أكتوبر الماضي التي تضمنت تزويرًا وتلاعبًا بالنتائج. من زاوية أخرى، يعلق الإطار التنسيقي موافقته على مبادرة الصدر على التغيير الجوهري في قانون الانتخابات ومهمة المفوضية العليا في الوقت الحالي لأنها كانت المسؤولة عن خروج الانتخابات بهذا العوار.

وإذا كنا قد أفردنا ما تقدم لبحث موقف التيار الصدري والإطار التنسيقي؛ فإن هناك قوى سياسية أخرى في العراق ينبغي فهم موقفها. وإذا كان الصدر قد تمكن من فرض إرادته على الإطار التنسيقي، فيجب الأخذ بالحسبان هنا الولاءات المذهبية التي تجمع الصدر مع الإطار وأن التأثير لن يكون بنفس الحجم على باقي القوى السياسية.

فسوف يحتاج مقتدى الصدر بذل جهد أكبر لإقناع السنة والأكراد بأهمية الذهاب إلى انتخابات مبكرة، وهي معادلة أو معضلة تحتاج إلى حل؛ ذلك أن المستقبل القريب يشير إلى أن التحالف بين الصدر والأكراد والسنة لم ينجح في الوصول إلى مآربه طالما كان هناك خلاف داخل البيت الشيعي. وعلى الضفة الأخرى، فإنه إذا كان هناك توافق بين أطراف المكون الشيعي فإن النجاح يبقى غير مضمون إذا ما عرقل الأكراد أو السنة طريق الحل.

ومن هنا نذهب إلى موقف الكرد من الانتخابات المبكرة؛ فحزب الاتحاد الوطني الكردستاني لم يعلن الانحياز بشكل صريح لمبادرة الصدر ولكنه أعلن الترحيب بأي أمر يؤدي إلى حلحلة الأمور من الناحية السياسية، في حين أن الحزب الديمقراطي الكردستاني أكد أن الذهاب لخيار الانتخابات المبكرة ليس بالحل السهل وأن الصدر يمتلك سلاحين: الأول كان الأغلبية البرلمانية وقد فقدها، والثاني هو الأرضية في الشارع وهذا الحل لم يستنفد بعد.

ثالثًا) تفسير الدستور العراقي: 

لا يتعلق إجراء انتخابات مبكرة بمبادرة التيار الصدري ورد الإطار التنسيقي فقط؛ وإنما يتعلق الأمر بمدى توافق ذلك قانونيًا مع الدستور العراقي- والسؤال الأبرز هنا: هو هل يمكن إجراء انتخابات مبكرة في ظل حكومة تصريف أعمال “حكومة مصطفى الكاظمي”. خصوصًا أنه وفقًا للقوانين الحالية فإن البرلمان يحل نفسه عن طريق توقيع ثلث أعضائه أي 110 نائب – فيما يدعو رئيس الجمهورية المنتهية ولايته أصلًا إلى انتخابات مبكرة.

أما الحل الآخر الأكثر تعقيدًا واستحالة من الناحية القانونية فهو أن يحل البرلمان عن طريق طلب من رئيس الوزراء ومثيله من رئيس الجمهورية، على أن تتم الموافقة على الطلبين من قبل أغلبية الأعضاء، وهو ما يبدو معجزًا في التوقيت الحالي من الناحية السياسية.

والاستحالة الأخرى من الناحية السياسية والتي تتطلب توافقًا على حكومة مؤقتة بين التيار الصدري والإطار التنسيقي هو أن الحكومة الحالية هي حكومة تصريف أعمال، ومن ثم فلا يحق لرئيسها ولا لرئيس الجمهورية العراقية الحالي تقديم الطلب لأنه غير دستوري، وبالتالي لا يبقى أمام البرلمان سوى حل نفسه؛ وهو ما يعول عليه مقتدى الصدر فيحل البرلمان نفسه فيما يدعو الرئيس إلى انتخابات مبكرة خلال 60 يومًا وتواصل الحكومة الحالية تصريف الأعمال.

من زاوية أخرى، فقد نقضت المحكمة الاتحادية أربع مواد في قانون الانتخابات الحالي، وهو ما يعني أن البرلمان العراقي مدعو للانعقاد لتعديل هذه المواد وفق ما أقرته المحكمة، وإلا تكون أي انتخابات مطعون في صحتها، وهو ما يشكل عقبة أخرى في ظل الاعتصام الحالي.

رابعًا) موقف الأمم المتحدة: 

مع تصاعد الأمور في العراق قدمت المبعوثة الأممية هناك “جينين بلاسخارات” مبادرة لقطع الطريق على الأزمة السياسية تضمنت عقد مؤتمر للحوار برعاية الأمم المتحدة، وتشترك فيه جميع الأطراف الشيعية والسنية والكردية. وتأتي جهود المبعوثة الأممية على خلفية زيارتها إلى زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، لبحث الأزمة السياسية الراهنة. ويتوقع أن تجري بلاسخارات قريبًا زيارة إلى الإطار التنسيقي حيث ستنقل له رد الصدر شفاهة.

خامسًا) صفحات الممكن في المستقبل السياسي للعراق:

إجمالًا، تبدو الآفاق مسدودة أمام أغلب الحلول المطروحة، فإذا ذهبنا إلى الطرح القائل بحل البرلمان لنفسه؛ فإن البرلمان غير قادر على الاجتماع من الأساس؛ بسبب اعتصام أنصار الصدر وتوقف العملية السياسية وحتى لو تم فض الاعتصام واجتمع البرلمان لحل نفسه فإن الشروط التي يضعها الإطار التنسيقي للذهاب إلى انتخابات مبكرة والتي تتضمن وجود حكومة مؤقتة رئيسها توافقي مرفوضة من قبل التيار الصدري، وفي نفس الوقت فإن إجراء انتخابات مبكرة بإشراف حكومة الكاظمي مرفوض من نوري المالكي لأنه يرى أن الحكومة الحالية هي المسؤولة عن التجاوزات في الانتخابات الماضية.

وحتى لو تم تجاوز كل ذلك فكيف يمكن تمرير إجراء انتخابات شرعية في ظل وجود حكومة وظيفتها تصريف الأعمال ورئيس جمهورية منتهية ولايته؛ ولذلك نقول إن الحل للانسداد السياسي في العراق ربما يكمن في إجراء فوق دستوري يكسر الأطر السياسية الحالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى