أفريقيا

الانتخابات الكينية.. حجر دومينو أم طوق نجاة لشرق أفريقيا

تطورت السياسة في أفريقيا بشكل كبير في العقدين الأخيرين؛ إذ ارتفع عدد الدول الأفريقية التي تجري انتخابات ديمقراطية من 7٪ إلى 40٪. في عام 2010، تم تصنيف 18 دولة أفريقية على أنها ديمقراطيات انتخابية (فريدوم هاوس، 2010). ومع ذلك، سجل تقرير الحرية لعام 2020 انخفاضًا في مستوى الممارسة الديمقراطية ومراعاة حقوق الإنسان نتيجة لتبعات انتشار وباء كوفيد-19.

وفي حين زادت الانتخابات من المشاركة السياسية في بعض البلدان الأفريقية، كانت أيضًا مصدرًا رئيسًا للاضطرابات والخسائر الاقتصادية. وتجاوزت الاضطرابات ترهيب واعتقال القادة المنشقين إلى فتح المواجهات بين المواطنين وأفراد الأمن. ومن ثم أصبحت الانتخابات في شرق أفريقيا عرضة للعنف بشكل متزايد، ومن المحتمل أن تؤدي إلى تفاقم الصراعات الاجتماعية والسياسية الحالية دون أن تؤدي إلى إصلاح سياسي بنّاء، أو تعزيز كفاءة صنع السياسات، أو المشاركة المدنية.

وفي ظروف عالمية أكثر صعوبة بسبب الحرب الروسية، تُجرى خلال ساعات الانتخابات في كينيا الدولة الأكثر إثارة للقلق وتصعيد التوترات بين الطوائف قد يصل إلى عنف طائفي وهو ما حدث عام 2007. حيث تسببت في مقتل أكثر من 1200 شخص، وتشريد 600 ألف شخص، بل تم تبادل الاتهامات بتمويل المرشحين لفرق الموت.

دوافع العنف الطائفي في كينيا

غالبًا ما يتخذ العنف المرتبط بالانتخابات في كينيا شكل عنف طائفي، يشمل مجموعات -بدون تنظيم رسمي- تتصادم على طول خطوط الهوية؛ فقد اندلع العنف بين الجماعات العرقية المتحالفة مع الأحزاب السياسية الرئيسة في كينيا فيما يتعلق بانتخابات 1992 و1997 و2008 و2017. وقد أدرجت لجنة التماسك والتكامل الوطنية الكينية مؤخرًا 23 مقاطعة تعد بؤرًا ساخنة للعنف قبل انتخابات البلاد في أغسطس 2022.

لذا يندلع العنف الطائفي المرتبط بالانتخابات في كينيا لأسباب مختلفة:

أولاً: يرتبط بعضها ارتباطًا مباشرًا بالانتخابات. على سبيل المثال، تحريض السياسيين على العنف لتخويف المعارضين، واستخدامهم أيضًا خطاب الكراهية، مما يجعل المجموعات أكثر عداءً لبعضها البعض ويزيد من خطر العنف.

ثانيًا: النزاعات المحلية التي لا تتعلق مباشرة بالانتخابات، فيؤدي عدم اليقين وإعادة التفاوض بشأن علاقات القوة خلال فترة الانتخابات إلى زيادة حدة الصراع. لفهم مخاطر العنف المحلية، من المهم إذًا النظر إلى ديناميكيات الصراع على المستوى المحلي وما هو على المحك في الانتخابات.

ثالثًا: تعود جذور تصاعد العنف في كينيا والتوتر بين القبائل إلى التطورات السياسية أثناء الحكم الاستعماري وبعده. استخدم القادة السياسيون المتعاقبون والطامحون المظالم الجماعية لتعبئة الناخبين، وفي بعض الأحيان، استخدام الميليشيات العنيفة.

رابعًا: استخدام السياسيين لملكية الأرض كعامل جذب أثناء الانتخابات؛ إذ ظلت حيازة الأراضي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالهوية المجتمعية في كينيا؛ كونها مهمة للمعيشة وأيضًا للانتماء. وغالبًا ما لعبت الروايات حول أرض الأجداد ووضع الوافد الأول دورًا في التعبئة السياسية.

أداء مرشحي الرئاسة في الميزان

بينما يتفوق رئيس الوزراء السابق المرشح أودينجا بفارق ضئيل وفقًا لاستطلاع للرأي أجرته مؤسسة TIFA للأبحاث ومقرها نيروبي بحصوله على 46.7% من التأييد، مقارنة بـ 44.4% لروتو. وحصل المرشحان الآخران جورج واجاكوياه وديفيد موور ويهيجا على 1.8% و0.1% على التوالي.

فقد ركز السيد روتو ذو الـ55 عامًا ونائب الرئيس أوهورو كينياتا -والذي يشعر بالمرارة نتيجة لغدر الرئيس الكيني وعدم وفائه بوعده السابق بدعمه واختياره الانحياز لأودينجا- بشدة على كسب الشباب؛ وهذا ليس مفاجئًا لأن المعدل الرسمي للبطالة بين الشباب من سن 18 و34 عامًا يقارب 40٪، والاقتصاد لا يخلق وظائف كافية لاستيعاب 800 ألف شاب ينضمون إلى القوى العاملة كل عام. وقدم روتو نفسه كذلك كرجل عصامي باع الدجاج وسار حافي القدمين في سنواته الأولى بالرغم من ثرائه الفاحش اليوم.

فيما يعتمد خطاب السيد أودينجا (77 عامًا) الانتخابي والذي يتلقى دعم ومساندة الرئيس الحالي كينياتا؛ على التصنيع لخلق الوظائف. ووعد مليوني أسرة معوزة براتب شهري قدره 6000 شلن كيني (50 دولارًا – 40 جنيهًا إسترلينيًا) من صندوق حماية اجتماعية جديد إذا تم انتخابه رئيسًا.[1]

بينما وعد منافسه روتو بتقديم دعم بقيمة 50 مليار شلن كيني (417 مليون دولار أمريكي) “للمهمشين” واستثمارها في قطاع الزراعة وتوفير فرص عمل للرجال والنساء في قاع الهرم الاقتصادي. ولم يذكر عدد المرات التي سيتم فيها توفير هذا المبلغ، ولا مصدر هذا المبلغ وإلى متى سيستمر.[2]   

من المتوقع -نظرًا لكثرة أعداد المرشحين- ألا يتمكن مرشح واحد من الحصول على الأغلبية اللازمة لإعلانه رئيسًا، مما يفرض جولة الإعادة. وحتى في حالة الإعادة هناك تخوفات لها ما يبررها من عدم قبول المهزوم للنتيجة؛ فقد شابت انتخابات عام 2017 مخالفات وتزوير، لدرجة أن المحكمة العليا في كينيا ألغت النتيجة وأمرت بانتخابات جديدة فاز بها كينياتا بعد أن قاطعها أودينجا. واليوم كينياتا سيسلم مقاليد السلطة إما لصديقه الذي تحول إلى عدو، أو عدوه الذي تحول إلى صديق.

هذا الوضع المقلق أدى إلى استشراء المخاوف من انتشار العنف المرتبط بالانتخابات؛ ففي الأسابيع الأخيرة، انتقل بعض السكان في المناطق المختلطة عرقيًا -خاصة في وادي ريفت الذي شهد أسوأ اضطرابات في الانتخابات السابقة- طواعية إلى المدن الكبيرة الآمنة.

اقليم شرق أفريقيا يترقب

تترقب دول شرق أفريقيا إجراء الانتخابات الكينية بشكل سلمي في 9 أغسطس؛ لضمان حركة البضائع في الممر الشمالي؛ خوفًا من تعطيل الأنشطة الاقتصادية وتكرار ما حدث في عام 2007″. وهو ما تعاملت معه حكومة نيروبي إذ خرج وزير الداخلية فريد ماتيانجي، بتصريح لطمأنة المنطقة الأسبوع الماضي وأن الحكومة تتخذ أقصى درجات الأمن خلال فترة الانتخابات. وقال: “نحن مستعدون جيدًا للانتخابات، ولا يوجد دليل يستدعي القلق. هذا هو تأكيد الحكومة لشركائنا في التنمية “.[3]

وبالفعل تأثرت حركة التجارة خلال فترة ما قبل اجراء الانتخابات؛ إذ حدث تباطؤ في الأعمال، مع انتظار وترقب من قبل المستثمرين المحليين والأجانب قبل الشروع في مشاريع جديدة أو توسيع المشاريع القائمة. الأمر الذي أثر على خلق فرص العمل والثروة، وفي النهاية على أداء القطاعات الاقتصادية كلها داخل كينيا، وبالتالي على توفر السلع في دول شرق أفريقيا؛ كون كينيا هي المنفذ الأقرب للبحر.

في سياق إقليمي، يمكن أن تشهد رئاسة أودينجا فترة من الرخاء الاقتصادي بسبب عمله على انتعاش اقتصاد بحيرة فيكتوريا، الذي بدأ بالفعل، والرابطة الجديدة للثروة التي يتم تشكيلها في المثلث بين كيسومو-كينيا، وموانزا – تنزانيا، وبورت بيل- أوغندا. وبالفعل، أعطى ميناء كيسومو الذي أعيد إحياؤه وتكثيف الاستثمارات في المنطقة من قبل البلدان الثلاثة فرصة جديدة للحياة لتلك المنطقة الاقتصادية.

ولأول مرة عام 2014، شكلت 14 مقاطعة في كينيا الكتلة الاقتصادية لمنطقة البحيرة كمنطقة فرعية مصغرة تهدف إلى تحفيز تنمية أكبر في منطقة حوض البحيرة. وهذا من شأنه رفع أسهم أودينجا وخلق ديناميكية جديدة للاقتصاد الأزرق في قلب مجموعة شرق أفريقيا.

أما على صعيد العلاقات الدولية، فسيؤثر حتمًا فوز أحد المرشحين الاشهر على علاقات كينيا بباقي دول الاقليم؛ فمن المعروف أن الرئيس الأوغندي موسيفيني من أهم داعمي روتو. وقد ظهر فتور عندما زار أودينجا كمرشح موسيفيني في كمبالا في مايو الماضي؛ فهناك منافسة بين الرجلين لأن كليهما أبناء مناضلين وزعامات أفريقية تاريخية، هذا علاوة على أن كليهما يهدف إلى تقديم نفسه بوصفه الزعامة الأفريقية الأكبر سنًا. لذا سيواجه حال فوزه مشكلة مع أوغندا فيما يخص النزاع حول جزيرة ميجينغو التي تبلغ مساحتها 2000م2؛ قال موسيفيني إن المياه المحيطة بالجزيرة ملك كينيا، لكن الأسماك تنتمي إلى أوغندا.[4]

والوضع معكوس بالنسبة لجمهورية الكونغو الديمقراطية؛ إذ يحظى أودينجا مثل الرئيس المنتهية ولايته كينياتا بشعبية كبيرة بها وهما مقربين من الرئيس فيليكس تشيسكيدي، مما سيمهد الطريق أمام الأعمال التجارية الكينية. من ناحية أخرى، أثار روتو غضب الكونغوليين في فبراير الماضي عندما سخر منهم لارتدائهم سراويل على صدورهم وقال إنهم ليس لديهم أبقار، واستمر الغضب رغم اعتذر روتو عن جرح كبريائهم.

وإذا كان الرئيس الكيني قد قاد المحادثات داخل مجموعة شرق أفريقيا (EAC) للتوسط في السلام بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا فيما يخص تجدد هجوم حركة 23 مارس المتمردة في شرق الكونغو الذي أجبر عشرات الآلاف من الأشخاص على الفرار من ديارهم، كذلك فيما يخص قوة حفظ السلام الجديدة في المنطقة التي أعلنتها مجموعة شرق أفريقيا مع كل المشكلات بين كينشاسا وكيجالي؛ فإن تغيير القيادة في كينيا أكبر اقتصاد في شرق أفريقيا، ووجود رئيس يحظى بقبول من قادة هذه الدول أمر شديد الأهمية لا يمكن إغفاله.

من جانب آخر، مثلت الأقلية المسلمة (11%) في كينيا عنصرًا مهما في علاقتها واستقرارها الداخلي؛ إذ ظهرت حركة انفصالية تاريخية تخرج بمطالب الانفصال كل فترة، وهو ما أثر على العلاقة بالجار الصومال. فنتيجة لاشتراك كينيا في الحرب على الإرهاب؛ قامت حركة شباب المجاهدين الصومالية غير مرة بالهجوم على كينيا. وكذلك قامت حكومة كينياتا بالعديد من الانتهاكات ضد المسلمين على خلفية هذه الاعتداءات خارج إطار القانون.  [5]

لكن السبب الرئيس الذي تطلع دول شرق أفريقيا لنيروبي بسببه هو الخوف من انتشار العنف وانتقاله من كينيا إلى دولها بسهولة. وفي ظل العمل على مكافحة الإرهاب، يصبح نشوب أي صراع عرقي أمر غير مرغوب فيه بالمرة.


[1] Evelyne Musambi: Kenya’s election wrestling match: Dynasties v Hustlers, CNN  (6th. Aug.)

[2] Emma Elfversson : Kenya’s election promises: an economist’s perspective, the conversation (1st. May)

[3] LUKE ANAMI: East Africa private sector keeps close eye on Kenya elections, the east African (30th. Jul)

[4] Charles Onyango-Obbo: East Africa won’t sleep well until Kenya counts the votes,  the east African (Aug. 07

[5] Hassan Juma Ndzovu: Kenya’s Muslims – a Divided Community With Little Political Clout, all Africa (7th. Aug.)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى