آسياالاقتصاد الدولي

الأبعاد الاقتصادية للنزاع الصيني التايواني

زارت رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي تايوان، تلك الزيارة استفزت الصين التي ردت بفرض عقوبات اقتصادية على تايوان والتي تمثلت في منع تصدير عدد من المنتجات وإيقاف استيراد عدد آخر من المنتجات. ومنذ سنوات تسير العلاقات الصينية بين الصين وتايوان على صفيح ساخن؛ إذ تحاول الأولى ضم الثانية لها، وتحاول تايوان الانفصال عن الصين، وهو ما تعدّه الصين أمرًا غير قابل للنقاش، فما هي العواقب المترتبة على إذا ما قامت الصين بالتدخل لاستعادة تايوان مرة أخرى؟

منذ تسعينيات القرن الماضي، حاولت تايوان تقليل اعتمادها الاقتصادي على الصين فيما تمت تسميته بسياسة الجنوب التي يتبعها الرئيس “لي تنغ هوي”، والتي هدفت إلى توسيع التبادلات الاقتصادية مع الدول في جنوب تايوان، ومن ثم فقد تم نقل العديد من المصانع إلى جنوب شرق آسيا لتوسيع العلاقات الاقتصادية مع المنطقة.

تلك السياسات نتج عنها استحواذ دول الآسيان على حصة أكبر من واردات وصادرات تايوان. لكن وحتى مع تلك التطورات ما زال الاقتصاد التايواني معتمدًا بشكل كبير على السوق الصينية؛ إذ تقف الصين عقبة أمام توسع تايوان في شراكاتها التجارية مع دول الجوار، لكن تايوان استطاعت تحقيق تقدم جيد في مفاوضاتها لتوسيع شراكتها عبر المحيط الهادئ، خاصة وأن الولايات المتحدة الأمريكية تلعب دورًا كبيرًا في تلك المفاوضات.

لكن وعلى الرغم من كل تلك المحاولات، بلغت التجارة بينهما في عام 2021 حوالي 446 مليار دولار أمريكي، مقابل 305 مليارات دولار في عام 2012. واتسعت الفجوة بين الصادرات والواردات بين البلدين لصالح تايوان، فبلغ حجم الفائض التجاري 86 مليار دولار في عام 2020. لكن حصة الصين من إجمالي التجارة مع تايوان يظل مرتفعًا؛ إذ تستحوذ الصين على حوالي 27.7% من صادرات تايوان، وتمثل الصين مصدرًا لحوالي 23.5% من ورادات تايوان. وتمثل صادرات الرقائق الإلكترونية والإلكترونيات حوالي 30% من إجمالي صادرات تايوان.

علاقات متشابكة

ردًا على زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي إلى تايوان، لوحت الصين باستخدام القوة العسكرية لغزو تايوان، تلك الحرب التي يمكن أن تكون تكرارًا لحرب روسيا على أوكرانيا، لكن الوضع الحالي يختلف كثيرًا؛ فنصيب الصين من الناتج الاقتصاد العالمي يمثل 18.8%[1]، مقابل روسيا التي تبلغ 3.07%[2]. وترتبط الصين بسلاسل الإنتاج عالميًا بشكل متكامل؛ فقد مثّلت على سبيل المثال حوالي 19.50% من واردات الولايات المتحدة الأمريكية بحوالي 506 مليار دولار في عام 2020 فقط، ورغم كل محاولات الإدارة الأمريكية السابقة لكبح جماح نمو الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة، إلا أن الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة لا تزال ترتفع.

وهو ما يدعم القول حول صعوبة اتجاه الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات على الصين في حال غزوها لتايوان أسوة بالعقوبات الغربية التي فُرضت على روسيا. وإذا اضفنا أن معظم الصادرات الصينية تأتي في شكل معدلات وأجهزة إلكترونية كجزء من سلاسل التوريد العالمية، فإنه في حال فرض حظر تجاري على الصين ومنعها من التصدير ستتوقف معظم المصانع في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا والتي تعتمد على الصين في حصولها على مدخلات الإنتاج نصف المصنعة، ومن ثم فإن احتمالية فرض حظر تجاري على الصين يترتب عليها دخول العالم في كساد كبير لن تستطيع دول العالم مواجهته.

أما عن موقف دول شرق آسيا الأخرى والتي تتمثل في اليابان وكوريا الجنوبية تجاه الصين، فمن غير المتوقع أن تتبع تلك الدول الولايات المتحدة في حال فرضها لعقوبات على الصين؛ فالصين تمثل 24.7% من صادرات كوريا الجنوبية، و24.6% من وارداتها لعام 2020، أما عن اليابان فإن الصين تمثل 21.3% من صادراتها وحوالي 26.1% من وارداتها، ومن ثم فإن أي اجراء أمريكي تجاه معاقبة الصين بفرض حظر تجاري عليها يمثل تهديدًا لجميع دول شرق آسيا الكبرى وعلى رأسها كوريا الجنوبية واليابان.

وهو ما قد يترتب عليه خسارة الولايات المتحدة لتلك الدول كحلفاء لها. وهو ما يقلل من احتمالية أن تدخل الولايات المتحدة في حرب تجارية أو عسكرية مع الصين في حال إقدام الصين على احتلال تايوان عسكريًا، خاصة وأن استثمارات الشركات الأمريكية ستتأثر بشدة جراء اتخاذ الولايات المتحدة لأي إجراء ضد الصين؛ إذ بلغت استثمارات الولايات المتحدة في الصين 118.19 مليار دولار في عام 2021[3].

الرد الصيني

علقت إدارة الجمارك الصينية استيراد بعض أنواع الفاكهة والأسماك من تايوان، وتصدير الرمال الطبيعية إليها (يتم استخدام تلك الرمال في صناعة أشباه الموصلات)، لكن ذلك الإجراء ليس جديدًا؛ فعادة ما تتبنى الصين موقفًا صارمًا للغاية فيما يتعلق بالامتثال للقواعد بحثًا عن أي سبب يبرر الحظر التجاري، تختلف تلك الأسباب بين تسجيل مستويات مفرطة من مبيدات الحشرات، أو وجود طفيليات ضارة على ثمار الحمضيات.

هذا فضلًا عن إعلان الصين القيام بمناورات عسكرية بالذخيرة الحية بين عدد من المناطق المجاورة حول تايوان. وإذا توسعت الصين لشن عملية عسكرية فسيكون ذك بهدف شل حركة التجارة بينها وبين باقي دول العالم، خاصة من خلال منعها من تصدير أشباه الموصلات التي تدخل في معظم الصناعات التكنولوجية والحربية والإلكترونيات، وهو ما يهدد بوقف إنتاج تلك السلع في معظم دول العالم بخلاف كوريا الجنوبية والصين اللتين تمتلكان قدرات لتصنيع تلك المنتجات. وفي حال تشديد الخناق الصيني حول تايوان ومنعها من التصدير ربما تتدخل كل من الولايات المتحدة واليابان للضغط على الصين لتخفيف القيود عن تايوان.

لكن يظل من المستبعد القيام بعملية عسكرية في تايوان لعدة أسباب: أولها أن الصين تعلمت من الحرب الروسية الأوكرانية والتي شهدت تأثيرات عميقة على العالم، وثانيها أنها تعلم أن الولايات المتحدة تدعم تايوان وهو ما يعني أنها ستدخل في حالة حرب بالوكالة مع الولايات المتحدة في تايوان، وثالثها -والذي لا يقل أهمية- هو أن الشعب التايواني هو أصلًا ينحدر من أصول صينية.

هل من مصلحة الصين ضم تايوان؟

منذ سنوات تعلن الصين عن حقها في ضم تايوان لتكون جزءًا من الأراضي الصينية، ربما تكون تلك المحاولات سياسية من الدرجة الأولى لكن اقتصاديًا تختلف دلالات المحاولات الصينية لضم تايوان، حيث تختلف الآراء حول ذلك الضم ما إذا كان ذلك الضم يخدم المصالح الصينية من عدمه؛ فعلى سبيل المثال يمكن أن تحقق الصين مكاسب كبرى من ضم تايوان إليها خاصة في حال النظر إلى ملف صناعة الرقائق والذي تعد تايوان الأولى عالميًا فيه من خلال شركتها TSMC التي تستحوذ على 65% من سوق الرقائق العالمية، وبالنظر إلى أن الصين تمتلك 5% منها، فإن نصيبها من السوق العالمي يصبح 70%.

وبالنظر إلى أن ذلك المنتج هو الأساس الذي يدخل في معظم الأجهزة الإلكترونية والحواسيب الآلية والأنظمة الحربية عالمًيا، فإن الصين ستمتلك العالم، وستحدد من تسمح له من الدول بالاستمرار في الإنتاج ومن ستعاقبه بمنع رقائقها عنه ومن ثم وقف الإنتاج في مصانعه، ربما تكون صناعة السيارات أحد الصناعات الأساسية التي يمكن للصين الاستحواذ عليها بالكامل، إذ سيتوقف الإنتاج في معظم مصانع السيارات عالميًا نتيجة عدم توريد تلك الرقائق ليتبقى المنتج الصيني فقط.

ذلك الملف بالتحديد يفسر سخونة العلاقة بين الصين وتايوان عندما يتم الحديث عن الضم الصيني لتايوان؛ إذ إن ضم الصين لتايوان يعد بمثابة إعلان الحرب على باقي دول العالم خاصة أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، لكن بخلاف تلك النقطة هل تستفيد الصين من ضم تايوان؟

هناك وجهة نظر تشير إلى أن تايوان التي يتمثل نظامها الاقتصادي في النظام الرأسمالي، وتعد ملاذًا للشركات العالمية التي ترغب في الاستثمار في الصين لكن بقوانين يسيرة تتناسب مع النظام الرأسمالي العالمي، وهو ما يسهم في تدفق عدد كبير من الشركات العالمية إلى الصين من خلال تايوان.

فعلي سبيل المثال استثمرت تايوان بين الأعوام 1991 وحتى نهاية مايو 2021 حوالي 193.51 مليار دولار من خلال عدد 44.58 صفقة استثمارية، ومن ثم فإن أي محاولة صينية لضم تايوان ستؤدي إلى خروج جزء كبير من الشركات من السوق التايوانية وبحثها عن أسواق بديلة بالمنطقة مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وفيتنام، ومن ثم فبحسابات الاقتصاد تخسر الصين أكثر مما تستفيد في حال سعيها إلى ضم تايوان إلى حدودها باستخدام القوة العسكرية.

[1] IMF’s latest World Economic Outlook.

[2] Aaron O’Neill, statista, 2022.

[3] https://www.statista.com/statistics/188629/united-states-direct-investments-in-china-since-2000/

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى