مصر

في اتجاه الإصلاح الإداري: ماذا أنجزت مصر حتى الآن؟

أصبح الإصلاح الإداري سمة شبه دائمة لمعظم الحكومات في جميع أنحاء العالم، مدفوعة بالسعي إلى تحقيق الكفاءة. وحسب تعريف الأمم المتحدة، فالإصلاح الإداري هو “الاستخدام المتعمد للسلطة لتطبيق إجراءات ومعايير جديدة على نظام إداري من أجل تغيير أهدافه وهياكله التنظيمية وإجراءاته؛ بهدف زيادة الجودة والكفاءة والفاعلية في تطوير الخدمات المقدمة”. 

فملخّص الإصلاح الإداري ليس شيئًا يمكن التعامل معه على أنه مجال محدد للسياسة العامة؛ لأنها ببساطة طريقة محددة لإنشاء سياسات إدارية. وبالتالي، فإن الإصلاح الإداري هو وسيلة لتصميم وتنفيذ السياسات الإدارية، من خلال بذل جهود مدروسة لتغيير الترتيبات المؤسسية الفعلية والعمليات والإجراءات الخاصة بالإدارة العامة.

تاريخ الإصلاح الإداري

لقد بدأ التفكير الجذري في الإصلاح الإداري في مصر منذ خمسينيات القرن الماضي، فنجد أنه في عام 1952 صدر مرسومان: أولهما في 4 أغسطس من أجل توزيع الاختصاصات في الوزارات والمصالح الحكومية، والآخر مرسوم قانون 158 الذي جعل ديوان الموظفين ملحقًا بوزارة المالية والاقتصاد في ذلك الوقت. وفي عام 1954 ومن أجل التطوير والإصلاح الإداري، استعانت الحكومة المصرية بخبير من الأمم المتحدة يسمى “سالفور” لوضع مشروع إنشاء “معهد الإدارة العامة لتدريب الموظفين” الذي بدأ في ممارسة نشاطه في أوائل عام 1955.

وفي أوائل الستينيات، شهد الإصلاح الإداري تطورات مهمة لعل من أبرزها: “إنشاء المعهد القومي للإدارة العليا” عام 1961 لتدريب وتأهيل المديرين، وفي عام 1964 تم إنشاء “الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة” ليحل محل “ديوان الموظفين”، ويصبح مختصًا طبقًا لقانون إنشائه برسم سياسة الإصلاح الإداري.

ولكن منذ منتصف السبعينيات والإصلاح الإداري في ثبات؛ فنجد أنه في عام 1975 تم الإعلان عن خطة خمسية قومية للتنمية الإدارية، غير أن هذه الخطة واجهتها عقبات حالت دون تنفيذها، ثم شهدت الفترة بين 1987- 2002 خططًا وبرامج للإصلاح الإداري، ولكن لم تحقق أهدافها المنشودة بشكل كبير.

إلى أن وصلنا إلى بداية القرن الحادي العشرين حيث نستطيع القول إن الإصلاح الإداري بدأ يأخذ منظورًا جديدًا وهو التحول الإلكتروني والحكومة الإلكترونية، والذي يتوافق مع التطورات التي صاحبت الثورة الصناعية الثالثة أو الثورة الرقمية؛ في محاولة للتخلص من البيروقراطية، والتي رغم محاولات التخلص منها ما زالت مستمرة. والحكومة الإلكترونية هي مصطلح يعبر عن استبدال الطريقة التقليدية في الإدارة العامة والاتصال وحفظ المعلومات بين إدارات الحكومة بعضها البعض وبينها وبين المواطنين والمؤسسات لتحقيق إدارة عامة أدق، وأسرع، وأكثر فاعلية، وبتكلفة أقل.

ولمسايرة هذا التطور، تبنت مصر مبادرات مختلفة لتطبيق خدمات الحكومة الإلكترونية، واستخدام التكنولوجيات الحديثة في بناء قواعد البيانات المركزية؛ فقامت بإصدار بطاقة شخصية حديثة بها رقم قومي خاص لكل مواطن، ويرتبط الرقم القومي بقواعد بيانات مركزية على مستوى الدولة تحوي العديد من البيانات الهامة عن صاحب الرقم وتسهل كثيرًا من إجراءات استخراجه للشهادات والتصاريح المختلفة وتعامله مع الإدارات العامة. ولكن ظل مفهوم الحكومة الإلكترونية في مصر مقتصرًا على توفير النماذج والطلبات المختلفة من خلال شبكة الإنترنت، مع عدم توافر البنية التحتية المناسبة وتوسيع ودعم استخدام الكومبيوتر بين المواطنين والمؤسسات المختلفة.

وما لبث أن تباطأت عجلة الإصلاح الإداري في ظل حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي شهدتها البلاد بعد أحداث يناير، والتي رافقها الخلل التنظيمي، وعدم الكفاءة، والإنفاق غير المسؤول، وغيرها من الإخفاقات الإدارية؛ فالإصلاح الإداري يتطلب وجود أنظمة سياسية مستقرة ذات أهداف سياسية واضحة كي تمكّنها من المحافظة على مسارات الإصلاحات.

إلى أن بدأت حقبة الجمهورية الجديدة التي أرست مأسسة الإصلاح فوضعت خطة للإصلاح الإداري عام 2014، تضمنت مبادئ الحوكمة في محاورها الخمسة، وهي: الإصلاح التشريعي، والإصلاح المؤسسي، وبناء وتنمية القدرات، وبناء وتكامل قواعد البيانات، وتحسين الخدمات العامة.

خطوات على طريق الإصلاح الإداري

عكفت الإدارة المصرية على بناء خدمة مدنية جاهزة للمستقبل؛ إذ أدركت ضرورة وجود برنامج وطني لبناء قدرات موظفي الخدمة المدنية، يعمل على الإصلاح الشامل وبناء القدرات على المستويات الفردية والمؤسسية والعملية، من أجل تقديم خدمات عامة فعالة، والسعي في تطبيق الحد الأقصى للحوكمة من خلال اتباع الكفاءة والشفافية والحكم الرشيد، وذلك من خلال:

  • مكافحة الفساد: 

تعمل الدولة المصرية جاهدة لتفعيل المادة 218 لسنة 2014 والتي تنص على التزام الدولة بمكافحة الفساد والتزام الهيئات والأجهزة الرقابية المختصة بالتنسيق فيما بينها في مكافحة الفساد، وتعزيز قيم النزاهة والشفافية؛ ضمانًا لحسن أداء الوظيفة العامة، ووضع ومتابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد بالمشاركة مع غيرها من الهيئات والأجهزة المعنية.

من أجل الحد من الفساد، عملت الدولة على تشريع قوانين وأنظمة تجرم أفعالًا محددة، وتعاقب مرتكبيها، ووضعت استراتيجيتين لمكافحة الفساد؛ بهدف: تطوير جهاز إداري كفء وفعال، وتقديم خدمات عامة ذات جودة عالية، وتفعيل آليات الشفافية والنزاهة، وتطوير البنية التشريعية الداعمة لمكافحة الفساد، وتحديث الإجراءات القضائية تحقيقًا للعدالة الناجزة، ودعم جهات إنفاذ القانون للوقاية من الفساد ومكافحته، وزيادة الوعى المجتمعي بأهمية الوقاية من الفساد ومكافحته، وتفعيل التعاون الدولي والإقليمي في منع ومكافحة الفساد، ومشاركة منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص في منع الفساد والوقاية منه.

هذا بالإضافة إلى تأسيس الأكاديمية الوطنية لمكافحة الفساد، والتي تعد جزءًا لا يتجزأ من هيئة الرقابة الإدارية وفقًا للقانون رقم 207 لسنة 2017؛ بهدف تحقيق التميز في مجال الدراسات والبرامج التدريبية، وتطوير البحوث وابتكار حلول جديدة للحد من ظاهر الفساد.

وبالإضافة إلى هيئة الرقابة الإدارية، فإن مصر تتعدد لديها الأجهزة الرقابية ومنها: الجهاز المركزي للمحاسبات، والهيئة العامة للرقابة المالية، والهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، وهيئة الرقابة والبحوث الدوائية، وهيئة الرقابة على المصنفات الفنية، ومصلحة الرقابة الصناعية، وكل تلك الأجهزة تهدف في الأساس إلى مكافحة الفساد في شتى المجالات.

  • التعاون الدولي في مجالات الحوكمة:

لقد استعانت الإدارة المصرية بأفضل الممارسات العالمية في مجالات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فقررت التعاون مع دولة إستونيا للاستفادة من تجربتها في رقمنة الخدمات الحكومية، فقد نجحت إستونيا في التحول إلى دولة رقمية وإتاحة الخدمات الإلكترونية في عدة مجالات، ومن أبرزها: التصويت الإلكتروني، ومجلس الضرائب الإلكترونية، والأعمال الإلكترونية، والخدمات المصرفية الإلكترونية، والتذكرة الإلكترونية، والتعليم الإلكتروني. 

وتعتزم الدولة المصرية الاستعانة بالتجربة الإستونية كذلك في مجال التحول الرقمي، حيث تُعد من أكثر المجتمعات الرقمية تطورًا في العالم، لاسيما المتعلقة بالهوية الرقمية، والسياسات والقوانين التنظيمية لتحقيق التحول الرقمي، وحوكمة البيانات. هذا بالإضافة إلى تعاون مصر وإستونيا في مجال تكنولوجيا الأمن السيبراني فإستونيا تعد دولة رائدة في هذا المجال، ويشمل التعاون أنشطة فريق الاستجابة للطوارئ الحاسوبية، وتبادل المعلومات حول سياسات الأمن السيبراني السائدة وأفضل الممارسات، بالإضافة إلى التعاون في بناء القدرات.

وبهذا فإن مصر في طريقها إلى رقمنة جميع الخدمات المقدمة للمواطنين في الدولة، حيث رصدت مصر في ميزانية 2020- 2021 نحو 13 مليار جنيه لتدعيم جهود التحول الرقمي ومكافحة الفساد، مما يقلل من تدخل العنصر البشري في الخدمات المقدمة للمواطنين، من خلال معايير وآليات تضمن توفير أكبر قدر من النزاهة والشفافية والحيادية، ويُغلق بشكل عام أوجه استغلال المواطنين عن طريق الرشى، أو الفساد في تقديم الخدمات والمرافق.

وشهدت مصر ميلاد “مجمع الإصدارات المؤمنة والذكية” الذي يعد الأحدث في تصنيع وإصدار كافة الوثائق والمحررات المؤمنة والذكية والبيو مترية ومكوناتها، والنظم المعلوماتية للوزارات والهيئات والمصالح وكافة الأجهزة الحكومية وهيئاتها. وتتمكن الدولة، من خلال الهوية الرقمية المؤمنة، من إنشاء علاقة فردية مع المواطنين للتأكد من حصولهم على حقوقهم كاملة وفقًا لمجتمع “رقمي آمن” يستخدم أحدث الأدوات التكنولوجية لضمان جودة وكفاءة الخدمات الحكومية المقدمة، مما يعزز الثقة في المجتمع.

ووفرت الدولة كذلك عدة وسائل لتقديم شكوى عبر الإنترنت من أي موقع جغرافي والتي يأتي على قمة هذه الوسائل “البوابة الالكترونية لمنظومة الشكاوى الحكومية الموحدة” والتي تعد إحدى خطوات تطبيق برامج التحول الرقمي والتي تتبناه كافة أجهزة الدولة ومؤسساتها، للارتقاء بجودة الخدمات الحكومية المقدمة للمواطن؛ إذ إنها تمكّن المواطن من تتبع التظلم عبر الإنترنت مع الإدارات المعنية.

  • قانون الخدمة المدنية:

بعد أكثر من 200 تعديل على قانون العاملين المدنيين بالحكومة رقم 47 لسنة 1972، والذي استمر لنحو 43 عامًا دون تحسين أو تطور ملحوظ في الجهاز الإداري للدولة الذي عانى من نماذج سياسة الهيمنة والتقاليد الإدارية العميقة والنقص المالي والمصالح الراسخة التي تعد قيودًا ثقيلة أمام متابعة الإصلاح الإداري؛ ظهرت بوادر التغيير، وضمن الانفتاح الدوري لمسارات الإصلاح في الجمهورية الجديدة تم وضع خطة تحديثية للجهاز الإداري.

فتم إقرار قانون الخدمة المدنية عام 2017 ضمن خطة الإصلاح الإداري والذي يهدف إلى: مكافحة الفساد الإداري عن طريق بناء جهاز إداري كفء وفعال يتسم بالشفافية والعدالة والنزاهة وتكافؤ الفرص، ويخضع للمساءلة، ويولي الاهتمام برضاء المواطن، ويتيح الخدمات العامة بعدالة وجودة عالية؛ وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة كأساس لنظام العمل؛ وترسيخ الحوكمة في عمليات التعيين في الجهاز الإداري للدولة، ويتم التعيين على أساس الكفاءة والجدارة دون محاباة أو وساطة، وكذا الترقي بناءً على الكفاءة وليس الأقدمية؛ والاستناد على آليات الموارد البشرية الحديثة من أجل رفع كفاءة الموظفين وتحديد حقوقهم وواجباتهم.

  • البرامج التدريبية:

تم إنشاء قاعدة بيانات “طاقات” بهدف إنشاء خريطة للقوى البشرية المتاحة داخل الدولة المصرية، وقاعدة بيانات الاستشاريين، وقاعدة بيانات المدربين، وقاعدة بيانات معاوني ومساعدي الوزراء، وقاعدة بيانات الشؤون الوظيفية، وفيها يتم تسجيل كل ما يتعلق بالشؤون الوظيفية، وقاعدة بيانات الأحكام القضائية، وتضم الأحكام القضائية التي تصدر لصالح موظفي الدولة الحاليين أو السابقين.

وتم كذلك وضع ضوابط ومعايير صارمة لانتقاء المعينين الجدد في الجهات الحكومية من خلال مسابقة مركزية إلكترونية تقيس الجدارات والقدرات بما لا يسمح بأي شكل من أشكال الواسطة. إلى جانب تطوير ورفع كفاءة العاملين القدامى ورفع شأن الجهاز الإداري للدولة. بالإضافة إلى بلورة خطة الانتقال للعمل في العاصمة الإدارية الجديدة، فتم وضع الخطة التنفيذية لتدريب الموظفين المرشحين للانتقال للعاصمة الإدارية؛ إذ تم الانتهاء من تدريبهم في الأكاديمية الوطنية لمكافحة الفساد، وتم تدريب على برامج التخصص الوظيفي بالتعاون مع الجهات المعنية، وتنمية قدراتهم على عدة تطبيقات إلكترونية من قبل معهد النظم بالقوات المسلحة.

ذلك علاوة على إطلاق مدونة السلوك الوظيفي لتعزيز قيم النزاهة لحسن أداء الوظيفة العامة ومنع الفساد، مع تضمين قسم المراجعة الداخلية بالجهاز الإداري للدولة للمساهمة في الحد من ممارسات الفساد.

  • حرية تداول المعلومات:

الحق في تداول المعلومات هو استحقاق دستوري، ومقوم أساسي من مقومات تحقيق التنمية؛ إذ نص دستور 2014 في المادة 68 على أنَّ “المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها، وقواعد إيداعها وحفظها، والتظلم من رفض إعطائها، ويحدد عقوبة حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمدًا”.

وتبنت الحكومة المصرية في الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان “2021- 2026” إصدار قانون لتنظيم حق الحصول على المعلومات والبيانات والإحصاءات الرسمية وتداولها. ومن المتوقع مناقشة حرية تداول المعلومات على أجندة الحوار الوطني القائم حاليًا، والخروج بقانون يتوافق عليه كافة القوى الوطنية، ويأخذ في الحسبان إنشاء آلية قانونية قادرة على تطبيق حرية تداول المعلومات بما لا يتعارض مع الأمن القومي للدولة.

وختامًا؛ نوصي بمُضي الإدارة المصرية قدمًا نحو الحكومة المفتوحة تدريجيًا وفقًا للمحاور السابقة، بحيث يتم التركيز في كل محور على أحد أبعاد الحكومة المفتوحة والتي تعتمد على مبدأَي الانفتاح والتشاركية وعلى حق كل مواطن في الوصول إلى المعلومات، وهو أحد الحقوق التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وعلى الرغم من أن برنامج الحكومة المفتوحة يتطلب تغييرات استراتيجية في طرق عمل القطاع الحكومي، إلا أن هذا لا يصعب على الدولة المصرية، خاصة وأنها بدأت بالفعل وبشكل تدريجي في إحداث تغييرات في البنى التشريعية والتنظيمية والتكنولوجية وكذلك القدرات البشرية، مما يمكنها من خلال تطبيق الحكومة المفتوحة تحقيق العديد من المنافع الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة، ويدعم جهود مكافحة الفساد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى