آسيا

تايوان.. توترات أمريكية صينية نتاج توقعات حول زيارة بيلوسي لتايبيه

بدأت رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي جولة تشمل عدة دول آسيوية هي اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا، وهي الدول الحليفة والصديقة للولايات المتحدة في منطقة الإندوباسيفيك، حيث تقود وفدًا يضم خمسة نواب آخرين –من الديمقراطيين- لـ “تأكيد التزام واشنطن الراسخ تجاه الأصدقاء والحلفاء في المنطقة، إضافة إلى عقد لقاءات رفيعة المستوى لمناقشة كيفية تعزيز القيم المشتركة، بما في ذلك السلام والأمن، والنمو الاقتصادي والتجارة، ومواجهة COVID-19، وأزمة المناخ وحقوق الإنسان والحكم الديمقراطي” بحسب بيان رسمي من بيلوسي.

لكن هذه الرحلة تحيطها توقعات حول احتمالية زيارة بيلوسي إلى تايوان، في خطوة تثير حفيظة بكين (جمهورية الصين الشعبية) التي ترى في الجزيرة جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، وترى كذلك أن هذه الزيارة –إن حدثت- ستشكل  انتهاكًا لمبدأ الصين الواحدة الذي تعترف به الولايات المتحدة بموجب الإعلانات الثلاث للعلاقات بين البلدين في نهايات سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن العشرين. يأتي ذلك فيما رفضت بيلوسي قبل أيام الإدلاء بتصريح للصحفيين إن كانت تايبيه –التي كانت تنوي زيارتها في أبريل الماضي قبل إصابتها بكوفيد 19- ستكون إحدى محطاتها في هذه الجولة. 

الزيارة إلى تايوان أثارت الجدل في دوائر صنع القرار في واشنطن، فقد أشار الرئيس الأمريكي جو بايدن في تصريح للصحفيين إلى أن البنتاجون لا يرى أن خطوة بيلوسي ستكون فكرة جيدة في هذا التوقيت. وفي حال اتخاذ بيلوسي الخطوة فإنها ستكون الزيارة الأولى لرئيس مجلس النواب إلى تايوان منذ عام 1997، فقد سبقها في ذلك نيوت جينجريتش المنتمي إلى الحزب الجمهوري، لكن الموقف الآن يختلف عما كان عليه قبل ربع قرن من الزمان. 

بين زيارتي 1997 و2022

حينما زار جينجريتش تايوان كان على الصين القيام بالمواءمة التي تتلاءم مع الظرف الذي كانت تعيشه، فلم يكن قد مضى على أحداث ميدان السلام السماوي “تيان آن مين” 1989 سوى سنوات قليلة فرضت عليها عزلة دولية، وكان جنجريتش ممن أسهموا في إخراج الصين من هذه العزلة بلقاء الرئيس الصيني جيانج زي مين، مع إعطاء الأولوية لعودة هونج كونج إلى الصين الأم في هذا العام بحسب ABC News. اقتصاديًا، كانت الصين تحتل في هذا التوقيت المرتبة السابعة في قائمة أكبر الاقتصادات العالمية.

أما الآن فالوضع اختلف تمامًا؛ فقد أصبحت الصين ثاني أكبر اقتصاد عالميًا، فيما تتوقع أن يكون الاقتصاد الأول عالميًا بحلول عام 2028، إضافة إلى التوسع في مجال الصناعات العسكرية واحتلالها المركز الثالث عالميًا من حيث القوة العسكرية والمركز الأول كأكبر قوة بحرية عالميًا بحسب موقع جلوبال فاير باور

علاوة على كل ذلك، فإن شي جين بينغ الطامح لفترة رئاسة ثالثة للحزب الشيوعي الذي يعقد اجتماعه في الخريف المقبل قد يواجه ضغوطًا من منافسيه الداخليين إذا لم يظهر قويًا أمام التحركات الأمريكية، خاصة بعد إقرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني العام الماضي  لـ“تاريخ المنجزات المهمة والتجارب التاريخية في كفاح الحزب على مدى قرن” حيث يضع شي جين بينغ إلى جانب القائدين ماوتسي تونغ ودينغ شياو بينغ، حيث يقود شي الصين إلى القوة بعد أن قادها ماو إلى التخلص من القهر وقادها دينغ نحو الازدهار بحسب نيويورك تايمز.

لكن هذه الزيارة التي لا يعرف موقفها حتى كتابة هذه السطور أيضًا تختلف عن سابقتها بالنسبة للولايات المتحدة، فهي زيارة تتم من شخصية تحتل المرتبة الثالثة في تولي رئاسة الولايات المتحدة بعد رئيس الدولة ونائبته، وتأتي بعد استكمالًا لأكثر من عشرين زيارة لنواب أمريكيين للجزيرة منذ توقيع الرئيس السابق دونالد ترامب على قانون زيارة تايوان عام 2018، وهو قانون يسمح بتبادل الزيارات بين مسؤولي واشنطن وتايبيه على كل المستويات بحسب CNN

تايوان في محادثة شي وبايدن.. اختلاف المرجعيات والتعريفات

هذه التسريبات أعقبها بعد أيام قليلة محادثة هاتفية امتدت لساعتين كانت تايوان فيها أحد العناوين الرئيسة للنقاش بين الرئيس الأمريكي جو بايدن ونظيره الصيني شي جين بينغ، وبحسب بيان الحكومة الصينية حول المحادثة فإن شي قد أكد أن مبدأ الصين الواحدة هو الأساس السياسي للعلاقات الصينية الأمريكية، وأن على الولايات المتحدة احترام هذا المبدأ وتنفيذ ما جاء في الإعلانات الثلاث. البيان الصادر من بكين أشارفي الوقت ذاته إلى أن بايدن قد أكد أن سياسة الصين الواحدة التي تنتهجها الولايات المتحدة لم تتغير ولن تتغير، وأن واشنطن لا تدعم “استقلال تايوان”.

في حين جاء البيان الصادر عن البيت الأبيض مقتضبًا، فقد أشار فقط إلى أن بايدن أكد عدم تغير سياسة بلاده ومعارضة واشنطن لأي جهود أحادية لتغيير الوضع الراهن أو تقويض السلام والاستقرار عبر مضيق تايوان، إلا أن التفسير جاء في المؤتمر الصحفي الذي عقده “مسؤول إداري كبير” في البيت الأبيض الذي قال إن بايدن أعاد التأكيد على مبدأ الصين الواحدة لكن مع استرشاده بالإعلانات الثلاثة إلى جانب “قانون العلاقات مع تايوان والتأكيدات الستة“.

وهنا يجدر الإشارة إلى أن هذا القانون الصادر عام 1979 يقر نقطتين رئيستين: الأولى هي أن إقامة علاقات دبلوماسية مع بكين يعتمد على توقع إقرار مستقبل تايوان بالطرق السلمية، إضافة إلى تزويد واشنطن لتايبيه بأسلحة ذات طابع دفاعي ومع الحفاظ على قدرة الولايات المتحدة على مقاومة أي لجوء إلى القوة أو غيره من أشكال الإكراه التي من شأنها أن تعرض الأمن أو النظام الاجتماعي أو الاقتصادي للشعب في تايوان للخطر.

أما الضمانات الستة، فقد كانت عبارة عن برقيتين سريتين أرسلهما الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريغان عام 1982 لرئيس تايوان حينها تشانغ تشينغ-كو قبيل الإعلان المشترك الثالث بين بكين وواشنطن حول مبيعات الأسلحة لتايوان، ورفع عنها السرية عام 2020 وتتضمن التالي بحسب موقع Share America  التابع لوزارة الخارجية الأمريكية: 

  • الولايات المتحدة لم توافق على تحديد موعد لإنهاء مبيعات الأسلحة إلى تايوان.
  • الولايات المتحدة لم توافق على التشاور مع جمهورية الصين الشعبية بشأن مبيعات الأسلحة إلى تايوان.
  • واشنطن لن تلعب دور الوسيط بين تايبيه وبكين.
  • واشنطن لم توافق على مراجعة قانون العلاقات الأميركية التايوانية.
  • الولايات المتحدة لم تغير موقفها فيما يتعلق بالسيادة على تايوان.
  • الولايات المتحدة لا تمارس أية ضغوط على تايوان للدخول في مفاوضات مع جمهورية الصين الشعبية.

وعلى مدار 40 عامًا، كانت واشنطن تعتمد على هذه النقاط الثلاث “الإعلانات المشتركة، وقانون العلاقات مع تايوان، التأكيدات الستة” في استخدام استراتيجية الغموض حال محاولة بكين ضم تايوان بطرق غير سلمية. 

هل انتهى الغموض الاستراتيجي الأمريكي؟

حينما سئل بايدن في مايو الماضي حول إمكانية استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية حال إقدام الصين على الحل العسكري لضم تايوان كانت الإجابة نعم، وكانت هذه المرة الثانية التي يتحدث فيها بايدن بشكل واضح عن تدخل واشنطن في تغير للغموض الاستراتيجي الذي تتمسك به واشنطن حول موقفها من الأزمة، رغم توضيحات مسؤولي الإدارة الأمريكية لاحقًا بأن الرئيس الأمريكي يتمسك بالسياسة التي طالما انتهجتها البلاد طوال 40 عامًا حيال القضية. 

آخر هذه التأكيدات جاء جانب مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض جيك سوليفان الذي تحدث عن أن هذا الغموض هو ما سمح بـ ” بالحفاظ على السلام والاستقرار عبر مضيق تايوان لعدة عقود عبر إدارات متعددة.” بحسب نيكي آسيان ريفيو

وبعيدًا عن استراتيجية الغموض وتصريحات القادة الأمريكيين، فإن واقع الإمدادات العسكرية الأمريكية لتايوان يعكس شكل الاستراتيجية العسكرية التي قد تعمل عليها واشنطن حال استخدام بكين للحل العسكري، فخلال زيارته لتايوان في يوليو الماضي ضمن وفد المركز الأطلنطي “The Atlantic Council” قال وزير الدفاع الأمريكي السابق مارك إسبر-في حقبة ترامب ويؤيد فكرة التخلي عن الغموض الاستراتيجي- إنه قد لمس حاجة تايوان إلى الوصول بشكل أكبر إلى أسلحة Javelin وStinger، وهما سلاحان مضادان للدبابات والطائرات على التوالي. 

وتزامن ذلك مع بيع الولايات المتحدة لأسلحة تقدر بـ108 ملايين دولار أمريكي تشمل قطع غيار للدبابات والمركبات القتالية مع توفير الدعم الفني واللوجستي من جانب واشنطن بحسب ما نقلته وكالة الأنباء التايوانية CNA  عن البنتاغون.

يعكس ذلك مساعي الولايات المتحدة لدعم تايوان في بناء استراتيجية عسكرية قائمة على مواجهة في حرب غير متكافئة تتشابه مع تلك الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، حيث تواجه القوة الأصغر العدو الأكبر باستخدام أسلحة متنقلة، ما يجعل مسألة السيطرة على الأرض أمرًا صعبًا، وهو ما أشار إليه إسبر بالقول إن تايوان لن تكون قادرة على مجاراة الصين من حيث القوة التقليدية، ولذلك فعليها دراسة ما تفعله أوكرانيا في مواجهة روسيا، وذلك بحسب وكالة رويترز للأنباء

الداخل التايواني

حتى الآن، لم يصدر أي بيان رسمي من جانب تايبيه حول الزيارة، إلا أن نائب المتحدث باسم وزارة خارجية تايوان تساي تشينغ لين قال إن الوزارة لم تتلقَ أي معلومات رسمية حيال هذا الأمر، لكن الحكومة التايوانية ترحب بأي زيارة من جانب النواب الأمريكيين. 

هدوء الحكومة التايوانية في التعامل مع هذا الأمر يرجع إلى عدة عوامل، أبرزها أنها تعمل على تجنب ظهورها كمشجع لزيارة بيلوسي لتايوان، وحينها يظهر أن القرار نابع من رئيسة مجلس النواب الأمريكي وبالتالي تتجنب التصور الصيني بأن تايبيه هي من دبرت أمر الزيارة، وذلك بحسب أستاذ علم السياسة في برنامج دراسات تايوان بالجامعة الوطنية الأسترالية وين تي سونغ.

علاوة على ذلك، يظهر عدم تركيز وسائل الإعلام في تايوان على الزيارة بصورة كبيرة مقارنة بالتركيز بشكل أكبر على الانتخابات التشريعية المقبلة – الانتخابات النصفية- والمناورات العسكرية السنوية.  وهنا يمكن القول إن تايوان تقع بين شقي رحى يتمثل الأول في أهمية استقبال النواب والمسؤولين القادمين من الولايات المتحدة التي تقدم لها الدعم العسكري فيما تعمل بأكبر قدر ممكن على تجنب مزيد من الضغوط الصينية التي تؤكد في كل مناسبة أن بكين هي صاحبة السيادة على الجزيرة التي تشكل آخر فصول الحرب الأهلية في البلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى