دول الخليج العربيالاقتصاد الدولي

النتائج الاقتصادية ما بعد قمة جدة

انعقدت قمة جدة للأمن والتنمية في منتصف شهر يوليو، في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية، وذلك بمشاركة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والولايات المتحدة الأمريكية ومصر والعراق والأردن. بحثت القمة عدة ملفات طارئة تختص بدواعي الأمن العالمي وتحديات التنمية وسط المستجدات الإقليمية والدولية. وبحثت سبل توسيع التعاون بين الدول المشاركة، لاسيما في المجالات الاقتصادية والأمن الغذائي وأمن الطاقة والمياه، وتوسيع الوصول إلى الإنترنت عالي السرعة في الشرق الأوسط، وقضايا أخرى.

أصدرت الدول المشاركة في القمة بيانًا مشتركًا عقب الاجتماع بين رؤساء وملوك الدول، سلط البيان الضوء على الشراكة التاريخية بين الدول المشاركة، من الخليج وخارجه، والحرص على الاستفادة من إنجازات القمة والقمم السابقة لتعزيز التعاون في كافة المجالات. كذلك أعرب القادة خلال الاجتماع، الذي أقيم وسط ظروف اقتصادية حساسة للعالم أجمع، عن دعمهم لكافة الجهود الدبلوماسية الهادفة إلى تخفيف التوترات الإقليمية. وكذلك وقعت الدول المشاركة عددًا من الاتفاقيات الدولية والثنائية التي تخدم منطقة شرق أوسط مستقر ومزدهر.

نتائج اقتصادية للقمة

خلصت نتائج القمة إلى عدة نقاط أساسية، يتبلور الجزء الاقتصادي منها في عدة قرارات؛ فقد أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن خلال القمة أن الولايات المتحدة خصصت مليار دولار كمساعدات جديدة للأمن الغذائي على المدى القريب والبعيد لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتم تقديم تعهد بالدعم المالي من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لمجلس القيادة الرئاسي اليمني، والذي سيساعد في تحسين الخدمات الأساسية والاستقرار الاقتصادي لتخفيف معاناة اليمنيين، إذ يشمل هذا الدعم التعهد بتقديم أكثر من مليار دولار لمشاريع التنمية ودعم الوقود، بالإضافة إلى وديعة سعودية وإماراتية مشتركة بقيمة 2 مليار دولار للبنك المركزي اليمني.

كذلك رحب الرئيس الأمريكي بايدن بخطة المملكة العربية السعودية للاستثمار بشكل استراتيجي في المشاريع التي تتوافق مع أهداف الشراكة الأمريكية للبنية التحتية والاستثمار العالمية، والمطلق عليها PGII. كانت الولايات المتحدة وقادة مجموعة السبع قد كشفت عن تلك الأهداف في 26 يونيو 2022، خلال قمة مجموعة السبع. وطبقًا لخطة المملكة العربية السعودية، فسيعمل الجانب الأمريكي والسعودي معًا على تعبئة مئات المليارات من الدولارات لتقديم بنية تحتية عالية الجودة ومستدامة تحدث فرقًا في حياة الناس في جميع أنحاء العالم، وتقوي سلاسل التوريد الخاصة بنا وتنوعها، وتخلق فرصًا جديدة للعمال والشركات، بهدف تحقيق التقدم والحفاظ على الأمن القومي.

وتم كذلك إطلاق مبادرة جديدة في مجال الاتصالات في إطار عمل ثنائي من خلال توقيع مذكرة تعاون بين الإدارة الوطنية الأمريكية للاتصالات والمعلومات ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات السعودية، والتي ستربط شركات التكنولوجيا الأمريكية والسعودية بصورة تفيد تطوير قطاع الإنترنت فائق السرعة بالدول النامية. فيهدف التعاون إلى نشر تقنيات الجيل الخامس 5G باستخدام شبكات الوصول اللاسلكي المفتوحة والظاهرية والقائمة على نظم cloud. ويهدف إلى تطوير تقنيات 6G أيضًا بصورة مماثلة. 

ومن ثم ستدعم الشراكات التي تم إنشاؤها بموجب مذكرة التفاهم نشر شبكات الجيل الخامس، ليس فقط في المملكة العربية السعودية، بل وفي الدول النامية والمتوسطة الدخل بعد ذلك من ربطها بأهداف PGII التي التزمت المملكة العربية السعودية باستثمار كبير بمشاريعها تحت مظلة الشراكة من أجل البنية التحتية العالمية والاستثمار.

كذلك تم تناول التأمين البحري لحركة التجارة العالمية، مع تأكيد التزام الدول المشاركة على الحفاظ على التدفق الحر للتجارة من خلال الممرات المائية الدولية الاستراتيجية مثل باب المندب ومضيق هرمز، والتي تمر عبرها 40 في المائة من طاقة تجارة العالم كل يوم.

تعاون جديد في مجال أمن الطاقة

كان من المتوقع أن تكون أسعار الطاقة، التي ارتفعت منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية، على رأس جدول الأعمال. لكن الخبراء الاقتصاديين خففوا من التوقعات بأن تحل القمة الأزمة بشكل قاطع. وذهب البعض لتوقعات بوضع اتفاق للمنتجين الإقليميين يعزز من حجم العرض على فترات مرحلية بعد القمة؛ وذلك بسبب حساسية هذا الملف مع تشابكه مع العديد من الملفات الأخرى، منها القدرات الاقتصادية للدول المنتجة، والأزمة الاقتصادية العالمية ما بعد الحرب الروسية الأوكرانية وتبعات وباء كوفيد 19 من قبلها، واختلال الأسواق العالمية للمنتجات الاستراتيجية المختلفة، وتحديات التغيرات المناخية، ومشاكل السياسة الخارجية بين دول الخليج وإيران.

ولكن رغم تلك الصعوبات، تم التأكيد على التزام المملكة العربية السعودية بدعم موازنة سوق النفط العالمية من أجل النمو الاقتصادي المستدام. إذ رحبت الدول المشاركة بالقمة بالزيادة في مستويات الإنتاج بنسبة 50 في المائة فوق ما كان مخططًا له خلال شهري يوليو وأغسطس 2022. ومن المتوقع أن تتبع هذه الخطوات خطوات أخرى مرحلية خلال الأسابيع والشهور المقبلة في محاولة المساعدة في استقرار الأسواق إلى حد كبير.

لم تتوقف المناقشات بحسب على الوقود الأحفوري، بل طالت المصادر المتجددة للطاقة؛ ففي إطار ثنائي جديد للتعاون تم الترحيب بتوقيع على إطار شراكة ثنائية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية لتعزيز قطاع الطاقة النظيفة، مع استثمارات سعودية جديدة لتسريع انتقال الطاقة ومكافحة آثار تغير المناخ.

يركز هذا الإطار بشكل خاص على الطاقة الشمسية، والهيدروجين الأخضر، والطاقة النووية، ومبادرات الطاقة النظيفة الأخرى. وذلك من خلال بناء قنوات جديدة للتعاون القائم بين خبراء الطاقة بين البلدين. يسعى الاتفاق إلى تعزيز الجهود لمعالجة أزمة التغيرات المناخية وتعزيز نشر أكبر لموارد الطاقة النظيفة في جميع أنحاء العالم. وستعمل الشراكة على تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص لتعزيز نشر حلول الطاقة النظيفة مع تسريع البحث والتطوير وإظهار التقنيات المبتكرة اللازمة لإزالة الكربون من الاقتصاد العالمي وتحقيق صافي انبعاثات صفرية.

مشاريع اقتصادية بمنطقة تيران

تم الاتفاق خلال القمة على إزالة جنود حفظ السلام من جزيرة تيران والذي يتبعه استكمال خطط تنمية المنطقة سياحيًا. إذ أعلنت السعودية خلال عدة مناسبات منذ عام 2017 عن خططها لتطوير منطقة اقتصادية جديدة في شمال غرب المملكة باستثمارات تصل إلى 500 مليار دولار. وستغطي المنطقة الجديدة المسماة نيوم مساحة 26 ألف كيلومتر مربع بطول 486 كيلومترًا على ساحل البحر الأحمر وستمتد عبر المملكة العربية السعودية والأردن ومصر.

الخطط هي جزء من رؤية القيادة السعودية لإصلاح اقتصاد البلاد وتقليل اعتمادها على النفط كمصدر للإيرادات. وهي تلك الخطط التي شملت الطرح العام الأولي لـ 5٪ من شركة النفط الحكومية أرامكو السعودية. وتشمل كذلك إنشاء شبكة طرق بين الدولة المصرية والمدينة السعودية الجديدة عبر جسر يمر من خلال البحر الأحمر عبر جزيرتي تيران وصنافير، وهو ما استلزم التوصل لقرار إزالة جنود حفظ السلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى