أسواق وقضايا الطاقة

أزمة أسعار النفط العالمية.. هل تؤثر الضغوط الأمريكية على قرار أوبك بلس المقبل؟

تلقي الأزمة الأوكرانية في اللحظة الحالية بظلال كثيفة على المشهد النفطي العالمي، ولعل من أهم التداعيات هو تأثير هذه الأزمة على إمدادات النفط والغاز الطبيعي وأمن الطاقة بشكل كبير؛ فبعد ١٥٠ يومًا تسببت الأزمة الروسية الأوكرانية في تغيير كبير في خريطة النفط والإمدادات العالمية، لذلك تترقب الأسواق ما سيسفر عنه الاجتماع الوزاري الجديد لمجموعة أوبك بلس الأربعاء القادم، مع التذبذب القوي في أسعار النفط العالمية، مما انعكس على أسعار الوقود في العديد من دول العالم.

فيأتي الاجتماع في الوقت الذي تشهد فيه أسعار الوقود ارتفاعات كبيرة حول العالم بسبب الارتفاع المتواصل لأسعار النفط، وهو الأمر الذي يمثل إرهاقًا لكل من الشركات والأفراد، مما أثار مخاوف الدول المستهلكة للنفط وخاصة مع حالة عدم الاستقرار في الأسواق النفطية العالمية، وبصورة قد تتجاوز التوقعات في ظل زيادة الطلب العالمي على النفط بعد الأزمة الروسية الأوكرانية. 

وفي نفس التوقيت، تسعى بعض الدول إلى الاعتماد على منتجات الطاقة النظيفة منها الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية، في محاولة للحد من الانبعاثات الضارة لكي تصل إلى معدلات آمنة يمكن أن تحافظ بها على البيئة. ومن جهة أخرى، ينعقد الاجتماع الوزاري لمجموعة أوبك بلس لمناقشة التغيرات الأخيرة في سوق النفط وبحث سياسة الإنتاج، اجتماع في ظل اتهام التحالف بالتسبب في تذبذب الأسعار.

هل أوبك بلس المسؤول الأول عن ارتفاع الأسعار الحالية؟ 

بصفة عامة، تتأثر حركة أسعار النفط بالأحداث التي لا تتعلق بصورة مباشرة بعمليات العرض، بدءًا من الأحداث الجيوسياسية مثل الأحداث المناخية الكبرى إلى حالات عدم الاستقرار الإقليمي أو الجيوسياسي، قياسًا على ما حدث في الصدمة النفطية الأولى والتي أُطلقت على الحظر النفطي العربي عام ١٩٧٣، والتي أدت إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل مبالغ بنحو حوالي ٢٣٠٪ وأيضًا عندما قررت منظمة الأوبك عام ٢٠١٧ خفض إنتاجها من أجل الحفاظ على أسعار النفط عالميًا، مما أدى أيضًا إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة بلغت حوالي ٧٪.وأيضًا انتشار الأوبئة مثلما حدث في بداية عام ٢٠٢٠ وتأثيرها القوي على انخفاض أسعار النفط عالميًا، ومؤخرًا الحرب الروسية الأوكرانية والتي أدت إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات لم تحدث منذ ١٤عامًا.

ولكن في صناعة النفط الارتفاعات اللحظية السريعة تتبعها انخفاضات حادة في الأسعار، لذلك وطبقًا للمؤشرات السابقة فإن سياسات التحالف لا علاقة لها بارتفاع الأسعار الحالية للنفط، حيث إن ظروف الأسواق الحالية لا علاقة لها بسياسة أوبك بلس ولا علاقة لها بنقص المعروض من كميات النفط العالمي، ومن هنا نستخلص أهم العوامل التي أدت إلى التذبذب الواضح في أسعار النفط العالمية وبالتالي الانعكاس على ارتفاع الوقود العالمي:

  • الانتعاش الاقتصادي في بعض الدول كالصين والهند والولايات المتحدة الأمريكية والتوقعات المتفائلة حول عدم خطورة الإصابات بالمتحور أوميكرون وتنامي الأصوات بشأن الفتح الكلي للاقتصادات.
  • الحرب الروسية الأوكرانية والتخوف من وقوع أزمة إمدادات عالمية وبالأخص بعد العقوبات الأوروبية في يونيو الماضي.
  • سياسة تحالف أوبك بلس بشأن عملية التحكم في العرض وضمان استقرار الأسعار وذلك لصالح المنتجين قبل المستهلكين.
  • النقص الحاد في طاقة التكرير في العديد من دول العالم، مما أدى إلى ارتفاع أسعار البنزين والديزل وبدرجة أكبر من تكلفة النفط الخام.
  • أدت الانقطاعات المفاجئة في إمدادات النفط في ليبيا وكازاخستان والإكوادور إلى خفض معدلات المعروض النفطي، إلا أنه وبشكل عام فإن أزمة قلة المعروض وزيادة الإمدادات لن يتحسن في الوقت القريب.
  • قيام الدول والشركات بالاستفادة من مخزونات النفط والمنتجات النفطية المخزنة والمعدة بشكل رئيس للاستخدام المستقبلي، وهو الأمر الذي يُعد أمرًا سلبيًا لسوق النفط العالمي، لأنها ستكون مضطرة لإعادة بناء هذه الاحتياطات.

إعلان السعودية زيادة الطاقة الإنتاجية لها هل سيكون له مردود إيجابي على الأسواق؟

خلال قمة جدة الأخيرة أعلن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، عن رفع تدريجي في طاقة المملكة العربية السعودية في معدلات الإنتاج النفط إلى حوالي ١٣ مليون برميل يوميًا وذلك بحلول عام ٢٠٢٧ من طاقة إنتاجية تبلغ الآن حوالي ١٢ مليون برميل (تحتفظ بها الدول خوفًا من الأزمات العالمية أو النقص في الإمدادات النفطية)، وموضحًا أنه بعد ذلك لن يكون لدى المملكة أي قدرة أخرى على زيادة الإنتاج، حيث إن تبني سياسات غير واقعية تجاه مصادر الطاقة سيؤدي إلى التضخم خلال السنوات المقبلة، وضرورة وأهمية ضخ الاستثمارات في الطاقة الأحفورية خلال العقدين القادمين.

وبحسب بيانات منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك في يونيو الماضي بلغ معدل إنتاج السعودية من النفط حوالي ١٠٬٥۸ مليون برميل يوميًا، وتنفذ مجموعة أوبك بلس، وهي مجموعة الدول المصدرة للنفط بجانب روسيا، خطة لرفع إنتاجها تدريجيًا بدءًا من أغسطس الماضي، وذلك بعد تخفيضات كبيرة نفذتها بسبب تراجع الطلب على النفط  منذ بداية جائحة كورونا في مارس من عام ٢٠٢٠. 

ومنذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية قفزت مستويات أسعار النفط لمستويات كبيرة واستقرارها فوق ١٠٠ دولار للبرميل، مما انعكس على رفع أسعار الوقود في كل دول العالم ومنهم الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن ورغم جميع المؤشرات السابقة لماذا أعلنت السعودية مستويات سقف إنتاجها؟

بالنظر إلى إعلان ولي العهد السعودي عن السقف الأخير(القدرة الإنتاجية) لمعدلات إنتاج السعودية (١٣ مليون برميل يوميًا) نجد إنه هناك العديد من الرسائل لجميع دول العالم بشأن صناعة النفط العالمية ومن أهمها: 

  • أهمية وضرورة أن يكون هناك استثمار مستمر في مصادر الطاقة الأحفورية لكي نصل إلى مصادر كافية من الطاقات المتجددة في المستقبل لتخفيف الاعتماد على الطاقة الأحفورية.
  • أن السعودية تستثمر بغزارة لضمان أمن الطاقة العالمي، لكنها تضع المستقبل في اعتبارها أيضًا وتتحرى طريقها الخاص نحو الطاقة البديلة.
  • الجهود العالمية والمشتركة ضرورية ومهمة من أجل تعافي الاقتصاد العالمي وأن السياسات غير الواقعية بشأن الطاقة ستؤدي إلى تضخم غير مسبوق.
  • ضرورة وأهمية ضخ الاستثمارات في مزيج الطاقة.
  • أن انتقال الطاقة، واعتبارات الأمن القومي للجميع، يتطلبان سلاسل إمدادات مستقرة ومتنوعة.
  • نمو الاقتصاد العالمي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالاستفادة من جميع مصادر الطاقة المتوفرة في العالم بما فيها الوقود الأحفوري مع ضرورة التحكم في انبعاثاتها من خلال التقنيات النظيفة مما يعزز إمكانية وصول العالم إلى الحياد الصفري وذلك بحلول عام ٢٠٥٠ أو ما قبله مع المحافظة على أمن إمدادات الطاقة.

ولكن هل تستطيع المملكة العربية السعودية اتخاذ القرار منفردًا، أقصى ما يمكن للمملكة أن تفعله، هو أن تأخذ الطلب الأمريكي إلى اجتماع تحالف أوبك بلس القادم لمناقشته والنظر في إمكانية القبول به وزيادة الإنتاج بصورة جماعية وليس بصورة منفردة، حيث إنها لا تأخذ قرارها بصورة منفردة طالما هي في تحالف، وهذا الأمر ليس لإرضاء موسكو والتي هي عضو رئيس ومشارك في التحالف، وإنما لإعطاء مصداقية لقرار التحالف.

الفائض العالمي من النفط

طبقًا للمؤشرات العالمية وحركة أسواق النفط، نجد أن الفائض العالمي في طاقة إنتاج النفط الخام في يونيو الماضي كان أقل بحوالي من نصف متوسطه في نفس الشهر من العام الماضي وذلك نتيجة للعقوبات الأوروبية على موسكو بسبب عملياتها العسكرية في أوكرانيا، وتشير التوقعات إلى أن فائض الطاقة الإنتاجية انخفض بحوالي ٨٠٪ في الدول غير الأعضاء في منظمة أوبك اعتبارًا من يونيو مقارنة بالعام الماضي، في حين تراجع الفائض من منظمة أوبك إلى حوالي ٣ ملايين برميل يوميًا من ٥٬٤ ملايين برميل يوميًا قبل عام، وبصفة عامة تُمثل أوبك حوالي ٤٠٪ من الإنتاج العالمي من النفط ومع تحالف أوبك بلس يصل إلى حوالي ٦٥٪، وهو ما يعني أن أوبك تحتاج لضخ المزيد من النفط خلال عام ٢٠٢٣، في حالة رغبة المجموعة في تحقيق التوازن بين العرض والطلب وتحقيق مستويات مستقرة من الأسعار، وهو ما يبدو صعبًا مع وصول إنتاج أوبك لأقصى مستوياته، وسط نقص الاستثمار في تطوير قدرات جديدة لإنتاج النفط الخام.

وعلى الجانب الآخر يواجه أكبر مُنتجي النفط في العالم حدودًا لم يمكنهم من استخراجه حيث بلغ متوسط نسبة النجاح التجاري حوالي ٤٠٪ في حين بلغت نسبة النجاح التقني في دول العالم حوالي ٥٠٪، حيث شهد العالم حالة انخفاض في معدلات الحفر الاستكشافي.

وفي بداية شهر يوليو الماضي ولأول مرة منذ شهر أبريل، انخفض المؤشر العالمي القياسي للنفط إلى ما دون ١٠٠ دولار للبرميل، مما رفع آمال جميع دول العالم بأن ارتفاع أسعار الوقود على وشك النهاية، إلا أننا لم نبلغ هذه النقطة بعد، حيث يشير التغيير الأساسي لمبدأ العرض والطلب على النفط في الواقع لطول أمد إلى ارتفاع مستويات الأسعار قد يدوم لأشهر، لأن العالم لا زال في حالة زيادة الطلب والانتعاش على الوقود لما كان عليه قبل حالة الإغلاق التام منذ بداية جائحة كورونا، وأيضًا هناك حالة من العجز في المصافي التي تُحول النفط إلى مشتقات ومنتجات بترولية. 

هذه المؤشرات السابقة تأتي في الوقت الذي تكبت فيه الحرب الروسية الأوكرانية الصادرات النفطية، الآن الدول النفطية الكبرى تكافح بشكل أساسي لإنتاج كل ما تحتاجه من نفط وسط تراجع حاد مقارنة عن الوضع في عام ٢٠٢٠، حين أثرت جائحة كورونا على انخفاض معدلات الطلب إلى أدنى مستوياتها منذ عقود مما انعكس على انخفاض أسعار النفط الخام إلى ما دون الصفر، ومن المتوقع أن معدلات استهلاك النفط العالمي في عام ٢٠٢٣ ستتخطى مستويات ما قبل الجائحة بأكثر من حوالي ٢٪، حيث إنه من المتوقع أن يتجاوز الاستهلاك العالمي ١٠٠ مليون برميل يوميًا، إذ كانت آخر مرة استهلك فيها العالم أكثر من ١٠٠ مليون برميل يوميًا من النفط في عام ٢٠١۹، ومع العلم بإن إجمالي المعروض من خارج أوبك حوالي ٦٥٬۹ مليون برميل يوميًا، في حين إجمالي المعروض من داخل أوبك بلغ حوالي ٤٢ مليون برميل يوميًا، وفي ظل وصول إجمالي مستويات الخفض الأعوام السابقة إلى حوالي أكثر من ٩ ملايين برميل يوميًا. 

وإذ نظرنا إلى متوسط أسعار نفط سلة أوبك في السنوات الماضية سنجد أن سعر سلة نفط أوبك حوالي ١١٠٬٨٤ دولارًا للبرميل وبارتفاع أكثر من ٥٠٪ عن متوسط عام ٢٠٢١، تلك الأسعار التي تصب في مصلحة التحالف في المقام الأول.

ترقب عالمي لاجتماع أوبك بلس وسعر برميل النفط

طبقًا لما سبق، من مؤشرات في السعر العالمي للنفط وإعلان ولي العهد السعودي الذي يُعد من العوامل القوية المؤثرة في التحكم في مستويات أسعار النفط فيما يخص زيادة دول أوبك معدلات إنتاجها النفطي، تترقب أسواق النفط العالمية ماذا سيحدث لسعر البرميل إثر إعلان المملكة العربية السعودية الزيادة التدريجية  بحلول عام ٢٠٢٧، ولكن أي قرار لدولة متعلقة بالزيادة أو الخفض في مستويات ومعدلات الإنتاج النفطي سُيتخذ في إطار اجتماع أوبك بلس الذي سيعقد اجتماعه المقبل لاتخاذ القرار في ٣ أغسطس المقبل، وطبقًا للمؤشرات التالية من المتوقع أن منظمة أوبك وحلفاءها سيدرسون إبقاء إنتاجهم من النفط دون تغيير خلال شهر سبتمبر على الرغم من دعوات من الولايات المتحدة الأمريكية بضخ مزيد من الإمدادات النفطية، وإن كانوا سيبحثون أيضًا على الأرجح زيادة طفيفة في الإنتاج، ولكنها وأن تمت ستكون متواضعة للغاية وذلك للأسباب التالية:

  • تحرك التحالف بالفعل لتسريع زيادات في مستويات الإنتاج في يونيو الماضي، وذلك بعد اتصالات من كبرى الدول المستهلكة وخصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية.
  • انعكاس الاجتماع الأخير على مستويات الأسعار وانخفاضها بنسبة اقتربت من حوالي ٢٠٪.
  • تهالك البني التحتية للعديد من دول المنظمة مما يعوق أي زيادة كبيرة قادمة.
  • تصاعد المخاوف من الركود الاقتصادي العالمي.
  • نقص الاستثمار في تطوير قدرات جديدة لإنتاج النفط الخام.
  • وصول إنتاج أوبك للدرجة القصوى وهو ما يعني أنها لا يمكن أن تمد السوق بأكثر مما هو عليه الآن.
  • الوضع الداخلي الليبي، وتوصل الحكومة الليبية والمؤسسة الوطنية للنفط والمتظاهرين إلى اتفاق لإعادة فتح حقول النفط الليبية ومحطات التصدير، حيث يأتي الاتفاق بعد تعهد فرحات بن قدارة الرئيس الجديد لمؤسسة النفط الوطنية الليبية بإنهاء الحصار ومضاعفة إنتاج الخام إلى حوالي ١٬٢ مليون برميل يوميًا وذلك في خلال أسبوع، مما انعكس على ارتفاع معدلات الإنتاج إلى حوالي أكثر من مليون برميل يوميًا من النفط الخام وذلك مقارنة بحوالي ٨٧٠ ألف برميل الشهر الماضي.

المؤشرات السابقة، ستضعها أوبك بلس على مائدة الاجتماع، فمن المتوقع أن يتم تثبيت معدلات الإنتاج السابقة أو تكون الزيادات الإضافية متواضعة ولن تذهب بعيدة عن سقف مستويات شهر يونيو الماضي، وبصفة عامة تختار دائمًا الدول الكبرى المنتجة وذات الوزن الثقيل في الخليج العربي الحفاظ على طاقتها الفائضة المتبقية وذلك وسط اضطرابات الإمدادات الحالية والنقص الحاد، والتي تتأرجح ما بين الأزمات السياسية الكثيرة بالإضافة إلى الحرب الروسية الأوكرانية.

ختامًا، تترقب أسواق النفط العالمية تحديد سياسة الإنتاج الجديدة لتحالف أوبك بلس، مع انتهاء اتفاقية الإمدادات الحالية في سبتمبر المقبل، إذ من المقرر أن ينهي التحالف الإلغاء التدريجي لتخفيضات مستويات الإنتاج المقررة من عام ٢٠٢٠، بما يعيد أهداف إنتاج المجموعة إلى مستويات ما قبل جائحة كورونا، ومن المؤكد أن الحرب الروسية الأوكرانية شكلت تحالفات جديدة في صناعة النفط العالمية وستفرض نفسها بقوة على أولويات وجدول أعمال أوبك بلس خلال عام ٢٠٢٢، وبالأخص فيما يتعلق بسياسة ضبط معدلات الإنتاج والأسعار العالمية. 

د. أحمد سلطان

دكتور مهندس متخصص في شؤون النفط والطاقة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى