الأمريكتانروسيا

مُكالمة “بلينكن” و”لافروف”: موقف السجناء الأجانب في المُعادلات السياسية للحروب

أجرى وزير الخارجية الأمريكي، “أنتوني بلينكن”، محادثة هاتفية، الجمعة 29 يوليو، مع نظيره الروسي، “سيرجي لافروف”، تعد هي الأولى من نوعها منذ بدء الحرب في أوكرانيا في أواخر فبراير من العام الجاري. واشتملت المحادثة على موضوعات عدة تدور جميعها في فلك أحداث الحرب الجارية وما يتصل بها من تداعيات. لكن يظل العنصر الرئيس المسبب للمكالمة، وفقًا لما أعُلن عنه، هو مطالبة الولايات المتحدة روسيا بإطلاق سراح سجينين أمريكيين لدى روسيا مقابل إجراء عملية تبادل سجناء. في أحداث تُلقي بظلالها على الدور الذي يلعبه الأسرى الأجانب في المعادلة السياسية للمشهد بين موسكو من جهة، وواشنطن من جهة أخرى. 

قصة السُجناء في زمن الحرب

يوجد هناك، بطبيعة الحال، نوعان من السجناء الأجانب؛ أحدهما مجرد سجناء تم القبض عليهم في مواقف مختلفة تخلو من أي حرب، والآخر يتمثل في الأسرى الذين تم القبض عليهم أثناء مشاركتهم الفعلية في الحروب. وفي حين يتمتع أسرى الحرب عادة بالحماية الرسمية بموجب الاتفاقيات والمواثيق الدولية الموقعة منذ عام 1929؛ بشكل أكثر تحديدًا اتفاقية جنيف الثالثة المتعلقة حصرًا بمعاملة أسرى الحروب، والتي يبلغ عدد الدول الموقعة عليها 196 دولة من بينهم روسيا. نجد أن مسألة تبادل السجناء تقتصر عادة على اتفاقيات مزدوجة يتم توقيعها بين دول محددة وفقًا لرغباتهم. 

وفي الحالة الراهنة، يدور المشهد حول مزيج يخلط بين النوع الأول والثاني، في حالة فريدة من نوعها نجد فيها رغبة مزدوجة من دولتين لعقد عملية تبادل سجناء في توقيت تسري فيه حرب ينخرط فيها كلاهما. وعلى هذا الأساس، جاءت المحادثة الأخيرة بمبادرة من الجانب الأمريكي.

وعلى الرغم من أن الجانب الأمريكي تطرق خلال المحادثة إلى نقاط عدة مثل الحرب في أوكرانيا والتأكيد على أهمية وفاء روسيا بالتزاماتها في اتفاقية صادرات الحبوب الأوكرانية، إلا أن العنصر الأهم في المحادثة، وفقًا لما أعلنه الجانب الأمريكي وأكد عليه مرارًا وتكرارًا، كان يتمثل في تحرير السجينين الأمريكيين؛ “بريتني جرينير” لاعبة كرة السلة التي تم القبض عليها واحتجازها في مطار موسكو منذ فبراير الماضي على خلفية اتهامها بتهريب المخدرات، بالإضافة إلى السجين الأمريكي، “بول ويلان” المسجون في روسيا منذ عام 2020 بتهمة التجسس. 

ومن جهتها، علقت الخارجية الروسية، الخميس 28 يوليو، عشية المحادثة بأن لفتت إلى أن المفاوضات في هذا الصدد تجريها السلطات المختصة ولم يتم التوصل إلى أي اتفاق حتى الآن. وأضافت أن الرئيسين “فلاديمير بوتين”، و”جو بايدن”، قد أمرا بإجراء محادثات لتبادل السجناء، موضحة أن هذه المسألة تطرح باستمرار منذ القمة التي جمعتهما في يونيو 2021 في جنيف. فيما علق الكرملين، 28 يوليو، موضحًا على لسان “ديميتري بيسكوف”، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الروسية، قائلًا إن المفاوضات المتعلقة بتبادل الأسرى عادة ما تتم في سرية من وراء الكواليس. مضيفًا؛ “نعلم أن مثل هذه القضايا تناقش دون الإفصاح عن مثل هذه المعلومات”. مؤكدًا أن الجمهور عادة يعرف بشأن النتائج الخاصة بهذا النوع من المفاوضات فور الانتهاء من تنفيذها. وأكد أنه “لم يتم الانتهاء من أي اتفاقات” ورفض تقديم مزيد من التفاصيل.

في غضون ذلك، تطرق “بلينكن” خلال مكالمته مع “لافروف” إلى موضوعات أخرى؛ فقد أكد أن المجتمع الدولي يتوقع من روسيا أن تفي بالتزاماتها في اتفاقية صادرات الحبوب الأوكرانية. وعبر “لافروف” من جهته أن الوضع الحالي في مجال الأمن الغذائي العالمي معقد بسبب العقوبات الأمريكية ضد الاتحاد الروسي. وبالإضافة إلى ذلك، أشار “بلينكن” إلى أن العالم لن يعترف أبدًا بضم الأراضي الأوكرانية الجديدة، وإذا حدث ذلك، فستواجه روسيا إجراءات عقابية إضافية. بدوره، شدد “لافروف” على أن روسيا تعتزم تحقيق جميع أهداف وغايات الحرب في أوكرانيا. 

وصرح “بلينكن” للصحفيين فور مكالمته مع “لافروف”، قائلًا: “من المهم جدا أن يسمع الروس عن هذا منا شخصيًا، ليس فقط أننا لن نعترف بهذا الضم، ولكن أنه أيضًا سيكلف روسيا غاليًا بسبب العقوبات الكبيرة التي ستفرض عليها”. ووفقًا لـ “بلينكن”، فإن روسيا تستعد لإجراء استفتاءات وهمية من خلال محاولة خلق مظهر يوحي بأن الناس من سكان هذه المناطق الأوكرانية يسعون بطريقة أو بأخرى إلى أن يصبحوا جزءًا من روسيا. ووفقًا له، فإن هذه الاستفتاءات تستهدف تحقيق رغبة الرئيس الروسي في ابتلاع أكبر قدر ممكن من الأراضي الأوكرانية. 

من ناحية أخرى، صرح “لافروف” بأن تسليم أسلحة غربية إلى أوكرانيا يطيل أمد عذاب النظام الأوكراني. مؤكدًا أن الأسلحة الغربية تستخدم على نطاق واسع ضد السكان المدنيين. وشدد لافروف على أن القوات المسلحة الروسية تلتزم بصرامة بقواعد القانون الدولي، وأن العمل قد انطلق في “الأراضي المحررة” للعودة إلى الحياة المدنية. واقترح وزير الخارجية الروسي، أن يعود “بلينكن” إلى الدبلوماسية الهادئة بشأن قضية تبادل الأسرى. 

عقبات ونقاط خلافية على طريق صفقة التبادل

نقلت وكالة “رويترز” عن مصادر رفضت الإفصاح عن اسمها في وقتٍ لاحق من الشهر الجاري ما يفيد بأن الروس طالبوا –من خلال قناة خلفية غير رسمية تستخدمها وكالة التجسس الروسية- أنهم يريدون إطلاق سراح “فاديم كراسيكوف” المُدان في ألمانيا بتهمة قتل مُقاتل شيشاني سابق يدعى سليم خان ببرلين عام 2019، وهي الجريمة التي تلقى عليها حكمًا بالسجن مدى الحياة. 

بالإضافة إلى “فيكتور بوت”، المسجون لدى الولايات المتحدة منذ عام 2010 على خلفية أنشطته في مجال تجارة الأسلحة، بعد أن اتهمه الادعاء بتقديم تعهدات بتوصيل 100 صاروخ أرض جو و20 ألف بندقية و10 ملايين طلقة من الذخيرة إلى مسلحين في كولومبيا عام 2008. وهو الشيء الذي قال عنه، “برندان ماكغوير”، مساعد المدعي العام حينئذ: “هذا الرجل، فكتور بوت، وافق على توفير كل ذلك إلى منظمة إرهابية أجنبية كان يعتقد أنها ستقتل أمريكيين”.

وفي الوقت الذي أبدى فيه الأمريكيون موافقة على تبادل السجينين الأمريكيين بتاجر الأسلحة الروسي، وجد المسؤولون الأمريكيون أن روسيا تضع العقبات في طريق إتمام الصفقة؛ نظرًا إلى أن المحتجز الآخر، وهو “كراسيكوف” ليس موجودًا في حوزة الولايات المتحدة، بل لدى ألمانيا. ومن جهتها، صرحت “أدريان واتسون”، المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي، 28 يوليو، “إن احتجاز أمريكيين ظلمًا كرهائن لإطلاق سراح قاتل روسي محتجز لدى دولة ثالثة ليس عرضًا مضادًا خطيرًا فقط، بل إنها محاولة تعكس سوء نية لتجنب الصفقة المطروحة على الطاولة التي يجب على روسيا اتخاذها”. 

كيف تؤثر عمليات تبادل السجناء على الموقف السياسي العام؟

ليس ثمة شك في أن صفقة تبادل السجناء بين دولتين تجمعهما عداوة من أي نوع تنطوي على صعوبات شديدة، لاسيما وإن كانت هناك حالة حرب جارية في هذه الأثناء. لكن هذا لا يعني أن هذا النوع من الصفقات يكون مستحيلًا في هذه الحالة، خاصة وأن البلدين قد أبرمتا صفقات مماثلة في توقيت ليس ببعيد؛ ففي إبريل من العام الجاري، أي بعد أن شنت روسيا بالفعل حملتها على أوكرانيا، نجحت موسكو وواشنطن في إبرام صفقة تبادل سجناء بوساطة تركية، وتمت مبادلة تريفور ريد الجندي السابق في مشاة البحرية الأمريكية والذي كان محتجزا في سجن روسي، مقابل المواطن الروسي كونستانتين باروشينكو الذي كان معتقلا بالولايات المتحدة ويواجه عقوبة السجن 20 عاما. 

وقد تدخلت تركيا للتوسط في هذه الصفقة بعد أن فشلت مفاوضات طويلة بين روسيا والولايات المتحدة أدت إلى أن توجه الطرفان بطلب الوساطة إلى تركيا. وتوجه الرئيس الروسي، “فلاديمير بوتين”، بالشكر لنظيره التركي، “رجب طيب أردوغان”، على الوساطة التركية، في مكالمة هاتفية أجراها بتاريخ 28 إبريل عقب إتمام الصفقة.

وختامًا، نخلص إلى أن عمليات مبادلة السجناء تتعقد بشكل كبير تأثرًا بالمواقف السياسية للدول الأطراف، لا سيما في أوقات حرب، لكنها مع ذلك لا تؤثر في حالة إتمامها على إمكانية تقريب المسافات بين صناع قرار البلدين. ومن المستبعد في الوقت نفسه أن تؤثر بشكل محوري على الموقف العام للدولة صاحبة الرغبة الأكبر في تحرير سجنائها. بمعنى آخر، سواء نجح الطرفان في إتمام هذه الصفقة أم لا، ستظل الولايات المتحدة محتفظة بموقفها من دعم أوكرانيا على كل حال، والعكس بالمثل صحيح. 

داليا يسري

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى