العراق

الصدر يضع عمامته ويعيد حشد أنصاره.. إلى أين تتجه حالة التشنج السياسي في العراق؟

أخطأ إذًا من اعتقد أن مقتدى الصدر قد غادر الحياة السياسية في العراق فعلًا؛ فما يحدث منذ تاريخ انسحاب تياره من البرلمان وحتى اليوم يثبت أن للرجل شعبية مزعزعة قادرة -إذا شاء- على إيقاف الحياة السياسية في العراق، وذلك على أقل تقدير دون الحاجة إلى أكثر من التحدث لأنصاره.

وعلى طريقة إن عدتم، عدنا.. عاد أنصار الصدر أمس 30 يوليو 2022 إلى المنطقة الخضراء عابرين الحواجز الأمنية حيث تلقت القوات الأمنية توجيهات من الكاظمي بحماية المتظاهرين، ولكن على أي حال نقلت بعض الوسائل الإعلامية عن شهود عيان أنباءً عن سقوط جرحى عند الحواجز الأمنية المؤدية إلى المنطقة الرئاسية بعد الاشتباك مع قوات الأمن، ووصلت الأعداد إلى 125 إصابة.

ووصلت كذلك تعزيزات ضخمة من الجيش العراقي إلى بغداد قبيل التظاهرات، فيما تم تكليف قوات للشرطة بتوفير تعزيزات لحماية مقرات الأحزاب بالعاصمة العراقية، خصوصًا بعد محاصرة أنصار التيار الصدري لمكتب رئيس تيار الحكمة عمار الحكيم على خلفية الخطبة التي ألقاها أمام أنصاره والتي بدا جليًا فيها اعتراضاته وانتقاداته لتحركات مقتدى الصدر، وهو ما رد عليه الحكيم قائلًا ” لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ”.

وللمرة الثانية خلال أربعة أيام، اقتحم أنصار مقتدى الصدر البرلمان، ولكن هذه المرة فقد عادوا ليقيموا اعتصامًا مفتوحًا يجبر الإطار التنسيقي وزعيمه على التراجع بعد إصرار الأخير على محمد شياع السوداني كمرشح لرئاسة الحكومة، والدعوة إلى حوار وطني بين مختلف القوى السياسية على هذا الأساس.

ووصلت المظاهرات إلى مبنى ضيافة رئاسة الوزراء في المنطقة الخضراء ببغداد ومبنى المحكمة الاتحادية ومبنى مجلس القضاء الأعلى. ولذلك أصر الكاظمي -خلال كلمته التي ألقاها أمس- أن يؤكد على أن الحكومة الحالية ليست جزءًا من الأزمة السياسية في العراق. 

وفي نفس السياق، أقدم المتظاهرون على إغلاق عدد من مقار ومكاتب قوى الإطار التنسيقي في بغداد والمحافظات؛ فتم إغلاق مكتب تيار الحكمة في مدينة الكوت بمحافظة واسط، وإغلاق مكتب النائبة عالية نصيف في مدينتي الحرية والكاظمية في بغداد، وإغلاق مكتب النائب أحمد سليم الكناني في الزعفرانية، وإغلاق مقر أبو دشير الدورة جنوب بغداد وإغلاق مكتب حزب الدعوة في الزعفرانية، إلى جانب مقر لتيار الحكمة في محافظة البصرة. 

يأتي ذلك في الوقت الذي دعا فيه الإطار التنسيقي للقوى الشيعية أنصاره إلى التظاهر السلمي دفاعًا عن الدولة ومؤسساتها- وكأن العراق ليس به أجهزة أمنية تقوم بهذه المهمة! الأمر الذي يؤكد ما ورد في تسريبات المالكي حول رؤية الإطار لأجهزة الأمن العراقية. وإضافة إلى ما سبق- فإن دعوة المالكي المؤمنين “بالقانون” إلى التظاهر السلمي وحماية مؤسسات الدولة يحمل دعوة ضمنية إلى الاقتتال الأهلي، وهو ما استدعى ردًا من صالح محمد العراقي وهو أحد زعماء التيار الصدري تضمن تحذيرًا لكل القوى التي تحاول زعزعة السلم الأهلي.

ومن التطورات الأكثر إثارة للجدل، ما دار من حديث عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشأن إسقاط طائرة مسيرة في منطقة النجف، وهو ما علقت عليه المحافظة ونفته جملة وتفصيلًا، خصوصًا أنه قيل إن الطائرة المسيرة كانت متجهة إلى منطقة ” الحنانة” في النجف وهي المنطقة التي يقطن بها ” مقتدى الصدر”. 

فقد تدوولت صور تضمنت حطام طائرة مسيرة قيل إنها كانت موجهة لاستهداف منزل الصدر. ويبدو نفي شرطة النجف منطقيًا لأن نوري المالكي وحتى بعد أن جاب المنطقة الخضراء شاهرًا سلاحه ليس بالسذاجة السياسية التي تجعله يقدم على عملية اغتيال كهذه- بل الأحرى به أن يترك هذه المهمة للحرس الثوري الإيراني الذي يرتبط معه بعلاقات وثيقة، ويفهم ذلك من تغريدة محمد صالح العراقي حين قال إن “تفجير المسيرات هو من يكسر هيبة الدولة وليس حماية المؤسسات من الفساد”. 

وقد دفعت التطورات التي تم رصدها سلفًا البعثة الأممية ببغداد إلى أن تخرج بثاني تصريح لها عقب الاقتحام الأول للبرلمان يوم الخميس الماضي، قالت فيه إن التصعيد المستمر مقلق للغاية، وأن أصوات العقل والحكمة ضرورية لمنع المزيد من العنف وتشجيع جميع الجهات الفاعلة على وقف التصعيد لصالح جميع العراقيين.

قراءة في بيان الكاظمي

وجه رئيس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة السيد مصطفى الكاظمي كلمة للشعب العراقي والمتظاهرين، بدت فيها اللهجة سلمية تجاه المظاهرات، ولكنها تضمنت مطالب بالتزام السلمية والحرص على عدم التصعيد والالتزام بتوجيهات قوات الأمن حتى يتاح لها حمايتهم وحماية المؤسسات.

وهو الخطاب الذي وجده البعض متخاذلًا تجاه أنصار الصدر الذين أقدموا على اقتحام البرلمان وتعطيل الجلسات البرلمانية للمرة الثانية على التوالي دون رادع؛ إذ أدى الاعتصام في البرلمان أمس إلى إلغاء الجلسة التي كان من المفترض تسمية رئيس الجمهورية خلالها.

ولكنه في نفس الوقت أكد على أن استمرار التصعيد السياسي سيزيد من حدة التوتر في الشارع العراقي بطريقة لا تخدم الصالح العام، دون ذكر التيار الصدري صراحة بوصفه الطرف الذي يصعد في الشارع خلال الأيام الأخيرة. وفي كلمته وصف الكاظمي ما تمر به البلاد بالظرف “الحساس جدًا” لأن الظرف الذي تمر به العراق حاليًا من المرجح أن ينفلت إلى حالة من الاقتتال الشيعي- الشيعي، ولا شك أن الاقتتال الشيعي يسجل نهاية العملية السياسية في العراق لأجل غير مسمى.

وخلال كلمته دعا الكاظمي إلى حوار وطني بين جميع القوى والتيارات السياسية؛ لأن الشعب العراقي ما عاد قادرًا على دفع المزيد من الدماء والتضحيات. وأكد رئيس وزراء العراق على أن الحوار بين القوى السياسية يجب ألا يتضمن إقصاءً لأي تيار أو فصيل.

ولكن في ظل حالة التناحر بين الإطار والتيار، فإنه من المستبعد أن تجري هذه النوعية من الحوارات السياسية المثمرة؛ لأن العملية السياسية في الأساس قد وصلت إلى طريق مسدود، خصوصًا مع وجود تقارير تشير إلى أنه حتى لو تم فض اعتصام أنصار التيار الصدري في البرلمان، فإن التحالف الكردي -–السني سيقوم بعكس آلية الثلث المعطل لمنع اكتمال النصاب القانوني لجلسات البرلمان، حتى أن رئيس البرلمان العراقي ” الحلبوسي” طالب قوات الأمن في البرلمان بعدم التعرض للمتظاهرين.

تحدث الكاظمي عن العقلانية في إدارة الأمور وعدم الانزلاق للصدام والانصياع لمن يؤججون الفتن؛ لأن نار الفتنة ستحرق الجميع. وربما كان في حديث الكاظمي انعكاس لمعان طرحها السيد عمار الحكيم زعيم تيار الحكمة في خطاب له أول أمس أمام أنصاره. وعليه فقد حمل الكاظمي مسؤولية ما يحدث في العراق اليوم للجميع دون استثناء أي أحد. 

ما وصفه الكاظمي بحالة التشنج السياسي أكد أنها يجب أن تنتهي، وأن على الأطراف تقديم التنازلات أيًا كانت لأجل العراق والعراقيين. وهم ما يشير بقوة إلى خطورة الوضع الحالي والذي انعكس في خطاب الكاظمي الذي بدا مناشدة للقوى السياسية أكثر من أي شيء آخر- بعبارة أخرى- أكد أن الحكومة وهي حكومة تصريف أعمال على استعداد لتقديم أي تنازل وأية تضحية في سبيل اتفاق الفرقاء السياسيين؛ أي أن الحكومة الحالية جزء من الحل، ولن تكون جزءًا من الأزمة أو سببًا لها.

كيف استُقبل بيان الكاظمي؟

قال الرئيس العراقي برهم صالح أمس إن الأوضاع في البلد تستدعي عملًا جادًا نحو تصحيح المسارات ومحاربة الفساد وترسيخ قيم الدولة، مؤكدًا على أن الحوار مطلوب بين الفرقاء السياسيين، ويجب أن يبحث جذور الأزمة، حسبما ذكرت وكالة أنباء العراق.

فيما قرر رئيس مجلس النواب العراقي محمد الحلبوسي، يوم السبت، تعليق جلسات البرلمان حتى إشعار آخر، وقال الحلبوسي في بيان: “ها نحن نعيش أوقاتًا صعبةً وحسَّاسةً تتطلَّب منَّا جميعًا كظم الغيض، والتحلّي بأعلى درجات الحلم والمسؤولية الوطنية الصادقة، يتحمَّل فيها الجميع النتائج على حدٍّ سواء، مهما كانت وإلى أيِّ اتجاه ذهبت”. وتابع: “من منطلق المسؤولية الوطنية والسياسية والوظيفية، والتزامًا باليمين الدستورية بالمادة 50 من الدستور، التي ألزمتنا حفظ مصالح الشعب، واستنادًا إلى المادة 62 من قانون مجلس النواب وتشكيلاته رقم 13 لسنة 2018، والمادة 34/ ثامنًا من النظام الداخلي لمجلس النواب، تقرَّر، تعليق عقد جلسات مجلس النواب حتى إشعار آخر”. ودعا الحلبوسي القائد العام للقوات المسلحة إلى اتخاذ التدابير اللازمة لحماية المؤسسات، وحماية المتظاهرين، الذين أدعوهم إلى الحفاظ على سلميتهم وحفظ ممتلكات الدولة”.

وأضاف، “إن الاختلاف في وجهات النظر، حتى بين الأطراف، حالة طبيعية في أكثر الدول تقدمًا وضمن أرصن ديمقراطيات العالم، ومهما بلغت ذروته فالحوار هو الحل، ودعوتنا صادقة ومخلصة إلى جميع الأطراف السياسية في هذا البلد الجريح بتغليب المصلحة العليا للوطن والمواطن، والنظر إلى عواقب الأمور ومآلاتها الكارثية إذا استمرَّ هذا الاحتقان والتوتر”. ودعا الحلبوسي، جميع القادة والكتل السياسية إلى “لقاء وطني عاجل؛ لإنجاز حوار وطني فاعل ومسؤول تكون مخرجاته من أجل الوطن، وتغليب مصلحته على كل المصالح الحزبية والفئوية، وأن يجتمعوا على رأي واحد يحفظ البلاد ومقدرات الشعب، ويعبر بنا من هذه الأزمة التي طالت وطال انتظار الشعب لحلِّها”.

 سطوة طهران

من الخطأ النظر إلى التطورات الحالية في العراق بوصفها انعكاس لتفاعلات داخلية؛ فهناك أطراف متعددة ومتضاربة المصالح على الصعيد الخارجي تمسك بالخيوط داخل العراق وتحركها وعلى رأسها ” إيران” عن طريق نفوذها الميليشاوي، مع الأخذ بالحسبان أنه وحتى الساعات الحالية لم يظهر لطهران تصريح واضح أو تلميح ضمني بتحريكها للوضع الحالي في العراق، عدا زيارة إسماعيل قاآني.

ولكن ماذا سوف يحدث إذا اتخذت السطوة الإيرانية منحى مختلف فدعت صراحة إلى حوار وطني أو إلى تسوية سياسية؟ منطق الأمور يشير إلى أن الأوضاع قد تتغير إذا ما حدث ذلك؛ ولذلك فإنه لا ينبغي عقد الآمال على تغيير حقيقي في العراق طالما ظلت الهيمنة الإيرانية على حالها.

وعلى الرغم من أن مقتدى الصدر وأنصاره يحاولون بإلحاح الفكاك من هذا الفخ، ويفهم من التحرك الأخير والذي حدث بالتزامن مع زيارة إسماعيل قاآني إلى بغداد ” أن الصدريين لا يهابون”، إلا أن النتائج لا زالت غير مضمونة. يحسب مقتدى الصدر حساباته ولكنه يتحرك في اللحظات الحاسمة أو الأخيرة وليس أدل على ذلك من أن ترتيباته من يوم صلاة الجمعة الموحدة، وحتى الاقتحام الأخير للبرلمان جاء في لحظة شديدة الدقة بات فيها من الظاهر أن هناك توافقًا على السوداني رئيسًا للحكومة، وأن الإطار ماضٍ في طريقه بثبات يمكن أن يقنع الأكراد في نهاية الأمر بسرعة تسمية رئيس الجمهورية.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\images_articles_131944_Ismail-Kaani (1).jpg

ولكن على أي حال، فإن الأكراد والسنة ردوا الصفعة للإطار حين أبلغ زعيم تحالف السيادة السني خميس خنجر الإطار التنسيقي بأن تحالف السيادة وبالتوافق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني لن يحضر جلسة البرلمان التي كان من المفترض أن تنعقد أمس. وعلى قدر ما أن الأمر مستحسن من قبل التيار الصدري، إلا أنه لا يبشر بمستقبل مستقر في العراق، وتاريخيًا تعد هذه المرة الأولى التي يدخل فيها الأكراد والسنة طرفًا في صراع شيعي – شيعي في العراق.

إجمالًا؛ فإنه حتى لو دفعت التطورات الحالية ” محمد شياع السوداني” -ظل المالكي- إلى الاعتذار عن الترشح لمنصب رئيس الوزراء حتى يبرئ نفسه من الناحية الأخلاقية، فإن الأمور قد لا تذهب في طريقها للحل؛ وهو ما أشار إليه عمار الحكيم حينما طرح فكرة أن الصدر قد يعترض على أي مرشح آخر للإطار التنسيقي حتى لو انسحب السوداني، بعبارة أخرى فإن اعتراض الصدر هو على آلية تشكيل الحكومة القادمة وعلى إقصائه من المشهد.

ذلك بالنظر على وجه الخصوص إلى أن إصرار الإطار التنسيقي على مرشحه المثير للجدل “محمد شياع السوداني” لا يأتي من باب المكايدة السياسية، ولكن من ناحية أن كل المرشحين الذين طرحهم الإطار التنسيقي غير متوافق عليهم؛ فالمالكي نفسه لا يستطيع ترشيح نفسه رسميًا بعد فضيحة التسريبات، وحيدر العبادي أحجم عن الترشح على الرغم من أنه يتمتع بعلاقات جيدة مع مقتدى الصدر، ومستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي أعلن اعتذاره عن قبول ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء؛ حتى بدا أن السوداني هو المرشح الوحيد الذي لا يثير حفيظة أي تيار سياسي إلا التيار الصدري.س

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى