العراق

العراق بين مطرقة الاضطرابات السياسية وسندان الفوضى الأمنية

شهدت الساحة العراقية في الأيام الماضية العديد من التطورات المتسارعة التي ارتبطت بشكل رئيس بترشيح الإطار التنسيقي الشيعي محمد شياع السوداني لمنصب رئيس الوزراء، واعتراض مقتدى الصدر على هذا الترشيح، فقام بتحريض أنصاره على اقتحام المنطقة الخضراء ومبنى البرلمان في 27 يوليو 2022، وهي الاحتجاجات التي تكررت اليوم 30 يوليو، وهي تطورات دفعت باتجاه زيادة حالة الاستقطاب السياسي في البلاد، وزادت من حالة الغموض التي تخيم على المشهد.

خلفيات ترشيح “السوداني”

جاء ترشيح “السوداني” لرئاسة وزراء العراق بعد خلافات عديدة داخل الإطار التنسيقي على شخص رئيس الوزراء القادم، وهي الخلافات التي جاءت إثر سعي بعض دوائر الإطار إلى عمل تراجع تكتيكي استجابةً للغضب الشعبي على قيادات الصف الأول في الإطار وتحميلهم مسؤولية الفشل الذي تعيشه البلاد منذ سنوات، واستشراء الفساد. وقد جاء ترشيح “السوداني” بعد انسحاب منافسه “قاسم الأعرجي” المستشار الحالي للأمن الوطني، وقد عزز من هذه الفرضية دعم “المالكي” ترشيحه في مفاوضات اللحظة الأخيرة داخل الإطار قبل الإعلان عنه مرشحًا وحيدًا وبالإجماع عن الإطار التنسيقي.

يتزعم النائب والوزير السابق محمد شياع السوداني حاليًا تيار “الفراتين” وله عدد من النواب في البرلمان، لكنه كان في السابق قياديًا بارزًا في حزب الدعوة – تنظيم العراق وفي ائتلاف دولة القانون، لكنه استقال من حزب الدعوة في 2019، وأسس تيار “الفراتين” في 2021. وينتمي “السوداني” إلى التيار المعروف بـ “عراقيي الداخل” أي من غير القادمين للحكم من المعارضة الخارجية للنظام السابق، بل هو معارض من الداخل عاش داخل العراق ولم يغادره حتى التغيير في عام 2003 وبعده.

وُلد “السوداني” في العاصمة العراقية بغداد عام 1970، وفي عام 1980 أعدم نظام صدام حسين والده وخمسة من أفراد عائلته، بينما كان طفلًا بعمر العاشرة؛ لانتمائهم إلى حزب “الدعوة الإسلامية” المحظور في حينها. وبعد سقوط نظام صدام حسين في 2003، عُين السوداني منسقًا بين الهيئة المشرفة على إدارة محافظة ميسان وسلطة الائتلاف المؤقتة، وفي 2004 تقلد منصب قائم مقام مدينة العمارة مركز محافظة ميسان وأكبر مدنها، وفي الفترة بين 2010 و2014، عُين وزيرًا لحقوق الإنسان بالعراق، ثم وزيرًا للعمل والشؤون الاجتماعية في حكومة حيدر العبادي، في الفترة بين عامي 2014 و2017، وفي عام 2016، تولى منصب وزير الصناعة، وشغل لفترة منصب وزير التجارة بالوكالة.

تصاعد الاضطراب السياسي

عقب اتفاق الإطار التنسيقي الشيعي على ترشيح محمد شياع السوداني كرئيس جديد للوزراء، اقتحم المئات من أنصار “مقتدى الصدر” مبنى البرلمان في المنطقة الخضراء التي تضم مؤسسات حكومية وسفارات أجنبية، للتنديد بترشيح “السوداني” للمنصب، وبعد نحو ساعتين من الاحتجاجات دعا زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر في تغريدة على تويتر أنصاره إلى الانسحاب قائلًا: “ثورة إصلاح ورفض للضيم والفساد، وصلت رسالتكم أيها الأحبة، فقد أرعبتم الفاسدين… عودوا إلى منازلكم سالمين”، ما دفع المتظاهرين إلى البدء في الانسحاب تدريجيًا. لكن هذه الاحتجاجات تجددت اليوم 30 يوليو، حيث اقتحم أنصار التيار الصدري المنطقة الخضراء، ودخلوا إلى مقر البرلمان، ورفعوا شعارات تندد بسياسات وممارسات الإطار التنسيقي الشيعي.

الجدير بالذكر أن هذه الاحتجاجات المتجددة تؤكد أن تحركات “التيار الصدري” ستكون محددًا رئيسيًا في رسم المعادلة السياسية في العراق خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا مع اختيار التيار الصدري لخيار التصعيد الجماهيري والاحتجاجي، بعد التحرر من شروط ومقتضيات العمل السياسي ومحاذيره، عقب استقالة الكتلة الصدرية من البرلمان، الأمر الذي فاقم أزمة الشرعية التي يعاني منها البرلمان الحالي، وأنعش النزعة الاحتجاجية في الشارع، وأكسب “الصدر” المزيد من المصداقية في الشارع، وذلك في إطار مساعيه لإعادة بناء قاعدته المجتمعية، وإعادة رسم معالم المشهد السياسي اعتمادًا على “الأداة الاحتجاجية”، استغلالًا لكونه الأكثر قدرةً على تجييش الجماهير، في ضوء قاعدته الشعبية الواسعة داخل الأوساط الشيعية وكذا السنية. لكن ومع ذلك يظل الرهان على “الاحتجاجات” فقط يمثل مخاطرة كبيرة من قبل “الصدر”، خصوصًا مع عدم الثقة في نتائج الرهان على هذا الخيار.

أحد الفرضيات التي يمكن في ضوئها تصاعد اعتماد “التيار الصدري” على الأداة الاحتجاجية، تتمثل في رغبة “الصدريين” في الدفع باتجاه إجراء انتخابات نيابية مبكرة، وغلق الباب أمام سعي الإطار التنسيقي إلى تشكيل حكومة جديدة، بما يُعطي “الصدر” فرصة لتشكيل حكومة أغلبية وطنية جديدة، وهو المسعى الذي ترفضه قوى الإطار التنسيقي التي ترغب في تشكيل حكومة “توافقية” تضم كل أطراف القوى السياسية على أساس من المحاصصة الطائفية، بما يتوافق ورغبة الراعي الإيراني في توحد كل القوى الشيعية في العراق.

ومع إصرار التيار الصدري على التصعيد الاحتجاجي والجماهيري ضد قوى الإطار والمنظومة الحاكمة منذ عقود، تتصاعد التخوفات من انزلاق العراق في حالة من الفوضى السياسية، وهو سيناريو ستتصاعد معه التهديدات الأمنية التي تواجه البلاد، خصوصًا في ضوء تنامي تهديدات تنظيم داعش واستعادته النشاط داخل العراق، فضلًا عن العديد من المهددات الأمنية الأخرى، وذلك جنبًا إلى جنب مع التداعيات السلبية اقتصاديًا ومجتمعيًا لهذه الحالة.

تحديات تواجه “السوداني”

على الرغم من النظر إلى “السوداني” على أنه واحد من الشخصيات المعتدلة داخل الإسلام السياسي الشيعي، حيث يرفع الرجل شعارات الإصلاح السياسي، ويتجنب أي خطابات طائفية، إلا أنه يواجه بعض التحديات التي قد تعوق مساعي تشكيله حكومة جديدة، ومن هذه التحديات:

1- أزمة الشرعية التي يعاني منها البرلمان العراقي الحالي، فقد كانت هناك تشكيكات في مشروعية هذا البرلمان، بسبب معدلات المشاركة المتدنية، وقد تصاعدت هذه التشكيكات بعد انسحاب التيار الصدري من البرلمان في يونيو الماضي، خصوصًا وأن الكتلة الصدرية المنسحبة كانت هي الفائزة في انتخابات أكتوبر 2021، فضلًا عن أن “السوداني” لا يملك كتلة برلمانية كبيرة تدعمه، وهو الأمر الذي سيزيد من تبعيته للإطار التنسيقي الشيعي.

2- تصاعد الخلاف الشيعي – الشيعي في العراق، وذلك مع تبني “الصدر” الواضح لخيار المواجهة مع قوى الإطار التنسيقي الشيعي، خصوصًا مع رغبة تيار “الفتح” الذي يقوده هادي العامري وتيار “قوى الدولة” الذي يتصدره عمار الحكيم وحيدر العبادي، لاحتواء التيار الصدري عبر ترشيح رئيس وزراء مقبول له لا يستفزه. وحتى إذا افترضنا قدرة الإطار التنسيقي على استغلال حالة الفراغ السياسي التي خلفها انسحاب “الصدر” من البرلمان، فإن هناك إشكالية تتعلق بالتوافق مع الكرد والسنة، خصوصًا مع إمكانية استغلال هذين التيارين لحضورهم في البرلمان من أجل عرقلة تكليف “السوداني”.

3- أحد أهم التحديات التي تواجه “السوداني” في المرحلة الحالية ترتبط بشكل رئيس بالتصعيد الجماهيري والاحتجاجي الذي يقوم به التيار الصدري، وسعيه إلى تكوين قاعدة شعبية تجمع بين أنصاره، وبين القوى الاجتماعية والشعبية المتضررة من منظومات الحكم المتعاقبة، لعرقلة عملية تكليف “السوداني” على اعتبار أنه مرشح “نور المالكي”.وختامًا، يمكن القول إن هناك العديد من التحديات التي تواجه عملية تكليف “السوداني” كرئيس وزراء جديد للعراق، لكن ومع ذلك يظل هناك احتمال قائم بإمكانية قدرة الإطار التنسيقي الشيعي على تجاوز هذه التحديات وتكليف “السوداني”، خصوصًا حال توظيف الميليشيات الشيعية من أجل مواجهة هذا التصعيد الشعبي والاحتجاجي، وكذا قدرة الإطار على عقد صفقة مع الأكراد والسنة من أجل دعم هذا المسعى، لكن التيار الصدري سوف يستمر في التصعيد حال تحقق هذا السيناريو، بما يدفع باتجاه البلاد نحو حالة من الفوضى الأمنية والسياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى