دول الخليج العربيمصر

العلاقات المصرية – العمانية وحتمية الشراكة الاستراتيجية

وصل الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى سلطنة عمان في زيارة رسمية تستغرق يومين، وهي الزيارة التي تدفع باتجاه تعميق الشراكة الاستراتيجية الراسخة بين البلدين الشقيقين، وتأتي كاستكمال لسلسلة الحراك العربي – العربي الجاري، للتنسيق بخصوص رؤية مشتركة للتعاطي مع المتغيرات الإقليمية والدولية الراهنة، بما يُشير إلى أننا أمام مرحلة جديدة من التفاعلات والشراكات، التي قد تدفع باتجاه تبلور مشهد جديد في المنطقة.

محددات العلاقات الثنائية

يُسيطر على العلاقات المصرية العُمانية تاريخيًا حالة من الحيوية والاستراتيجية، بما جعل هذه العلاقات تكتسب مناعة ضد أي تصدعات قد تترتب على المتغيرات السياسية الداخلية في كلا البلدين أو في الإقليم، لكن العلاقات الثنائية باتت أكثر حيوية في مرحلة ما بعد ثورة الثلاثين من يونيو 2013، وذلك في ضوء بعض المحددات الرئيسة:

1- العلاقات المصرية العُمانية هي جزء من العلاقات الاستراتيجية التي تربط مصر بدول الخليج، وهي العلاقات التي تعززت بعد ثورة الثلاثين من يونيو، في ضوء الدعم والمساندة الكبيرة التي حظيت بها مصر في تلك الفترة العصيبة، وهو الدعم الذي كان له دور كبير في احتواء المواقف الأمريكية والأوروبية في تلك الفترة، حيث وفر هذا الدعم من الأشقاء العرب مظلة حماية سياسية واقتصادية ومعنوية لمصر.

2- هناك حالة من وحدة المصير بين مصر وشركائها في دول الخليج وفي القلب منهم عمان؛ ذلك أن أمن دول الخليج يُعد تاريخيًا جزءًا من أمن مصر، وهو ما عبر عنه الرئيس السيسي في أكثر من مناسبة عندما استخدم مصطلح “مسافة السكة”، في إشارة وتأكيد على جاهزية مصر واستعدادها الوقوف مع أشقائها من دول الخليج ضد أي تهديدات.

3- يجمع البلدين موقف واحد ومشترك فيما يتعلق بمسألة مكافحة التطرف الذي يدفع باتجاه تبني الإرهاب؛ فمصر معروفة بجهودها في هذا الصدد منذ الإطاحة بحكم جماعة الإخوان في 2013، وسلطنة عمان قامت مبكرًا بتحجيم أنشطة هذه التيارات وخصوصًا الإخوان، فقامت عام 1994 أصدرت بيان إدانة رسميًا لحاملي تلك الأفكار تحت تهمة: “الانتماء لتنظيم دولي محظور، له فروع في دول أخرى” في إشارة واضحة إلى تنظيم الإخوان. وفي عام 2014، قامت الحكومة العمانية بإصدار حكم إسقاط الجنسية عن “كل عُماني يثبت انتماؤه لتنظيم الإخوان”، وهو الحكم الذي لا يمكن فصله عن التطورات الإقليمية في تلك الفترة. وقد قطعت هذه التحركات العمانية الطريق على جماعة الإخوان التي سعت إلى التغلغل داخل المجتمع العماني.

4- في ذات السياق، تمثل الرؤية الإقليمية والعربية لكلا البلدين نقطة انطلاق رئيسة لتعميق الشراكة بينهما؛ إذ تتبنى الدولتان رؤية تقوم على السعي إلى التسوية السلمية لأزمات المنطقة، والدفع باتجاه إيجاد حلول سياسية لهذه الأزمات، مع التحرك لزيادة التنسيق والعمل العربي المشترك، فضلًا عن دعم مسار التهدئة الذي يشهده الإقليم حاليًا، وهي الرؤية التي عبرت عنها في حالة مصر الجهود التي بُذلت على مستوى الأزمات الليبية واليمنية والسورية وكذا في العراق، والانفتاح الذي شهدته العلاقات المصرية القطرية، وفي حالة عُمان الوساطة التي تبنتها السلطنة بين الفرقاء الإقليميين خصوصًا بين دول الخليج وإيران.

5- يمثل العامل الاقتصادي أحد المحددات الرئيسة الحاكمة للعلاقات الاستراتيجية بين مصر وعُمان، وهو المحدد الذي تعاظمت أهميته في ضوء تداعيات جائحة كورونا، وكذا الحرب الروسية الأوكرانية. وفي هذا السياق، كشف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن ارتفاع قيمة التبادل التجاري بين البلدين في 2021 بنسبة 7.2% مقارنةً بالعام 2020، فقد سجلت قيمة الصادرات المصرية لسلطنة عمان 163.3 مليون دولار خلال عام 2021 مقابل 170.2 مليون دولار خلال عام 2020 بنسبة انخفاض قدرها 4.1%، وبلغت قيمة الواردات المصرية من سلطنة عُمان 422.9 مليون دولار خلال عام 2021 مقابل 376.7 مليون دولار خلال عام 2020 بنسبة ارتفاع قدرها 12.3%، وبلغ عدد الشركات المصرية المستثمرة في سلطنة عُمان في عام 2020 نحو 744 شركة بإجمالي رأسمال مستثمر بلغ أكثر من مليار و856 مليون دولار أمريكي.

ملفات على طاولة النقاش

يُرجح أن تركز مباحثات الرئيس عبد الفتاح السيسي مع السلطان هيثم بن طارق، على عدد من الملفات والمحاور الرئيسة، وذلك على النحو التالي: 

1- تفرض القمة التي ستُعقد في جدة منتصف يوليو المقبل بين زعماء الدول العربية والخليجية والرئيس الأمريكي جو بايدن نفسها على المشهد والحراك العربي الراهن، بل ليس من قبيل المبالغة القول إن الحراك العربي المكثف الأخير، والذي تجسد في المباحثات التي عقدها الرئيس عبد الفتاح السيسي مع زعماء دول الأردن والبحرين والسعودية وقطر والإمارات وصولًا إلى عمان، يستهدف بشكل رئيس بلورة رؤية عربية مشتركة للملفات التي ستُطرح في هذه القمة، فضلًا عن كون هذا الملف جزءًا من المساعي لتعزيز العمل العربي المشترك.

2- يُرجح أن يحظى الملف اليمني بأولوية كبيرة على هامش مباحثات الرئيس عبد الفتاح السيسي والسلطان هيثم بن طارق، وهو ترجيح مبني على الدور الكبير الذي لعبته السلطنة في الآونة الأخيرة في الأزمة اليمنية، وحالة الاختراق التي حققها هذا الدور على مستوى الوساطة بين أطراف الأزمة، وكذا بين دول الخليج وإيران. ومن جانب آخر، يوجد تعويل كبير من الجانب اليمني ممثلًا في المجلس الرئاسي اليمني بقيادة “محمد رشاد العليمي” على الدور المصري في حلحلة الأزمة، وهو ما تم التعبير عنه بشكل واضح في زيارة “العليمي” الأخيرة إلى مصر.

3- بطبيعة الحال، سوف تتطرق مباحثات الطرفين إلى التطورات والمتغيرات الإقليمية الراهنة، وهي المتغيرات التي ترتبط بشكل رئيس بمسار التهدئة في المنطقة، والذي بدأ مع قمة العلا في يناير 2021، وكذا الدعوة الحالية إلى بلورة “ناتو عربي” لمواجهة مهددات الأمن القومي العربي -وهي الدعوة التي عبر عنها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في تصريحات منذ أيام- والملف النووي الإيراني، والتطورات في الدول المأزومة في المنطقة.

4- سوف يحظى الملف الاقتصادي بأهمية كبيرة على هامش مباحثات الجانبين، خصوصًا مع سعي الدولتين إلى الارتقاء بمستوى العلاقات الاقتصادية والاستثمارية المتبادلة، بما يتفق والشراكة الاستراتيجية والعلاقات العميقة التي تربط البلدين، بما يُعزز القدرات الثنائية على مواجهة الارتدادات الاقتصادية لجائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية.

وختامًا، يمكن القول إن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى سلطنة عمان تأتي كتعبير عن الشراكة الاستراتيجية العميقة بين البلدين، وكجزء من المساعي التي تقودها مصر في الآونة الأخيرة لبلورة رؤى عربية مشتركة إزاء التهديدات والمتغيرات العديدة التي تشهدها المنطقة والعالم، في إطار المحدد الرئيس الحاكم للسياسة الخارجية المصري عربيًا، والمتمثل في دعم منظومة العمل العربي المشترك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى