مصر

خطوات نحو تحقيق جودة الحياة وتعزيز الصحة النفسية

ظهر متغير جودة الحياة لرصد التغير الاجتماعي وتحسين السياسة الاجتماعية والرضا عن الحياة في أواخر سنة 1950، ويستخدم مصطلح جودة الحياة للتعبير عن الرقي في مستوى الخدمات المادية والاجتماعية التي تقدم لأفراد المجتمع. ويستخدم للتعبير عن إدراك الأفراد لمدى قدرة هذه الخدمات على إشباع حاجاتهم المختلفة. ونتساءل في هذه الورقة عن: كيف حققت الإدارة المصرية في الجمهورية الجديدة جودة الحياة بما يسهم في تعزيز الصحة النفسية لمواطنيها؟

ماهية جودة الحياة ومعوقات الوصول إليها

عرّفت منظمة الصحة العالمية جودة الحياة بأنها إدراك الفرد لوضعه في الحياة في ضوء النظام القيمي والثقافي الذي يعيش فيه، وعلاقة هذا الإدراك بأهدافه وتوقعاته ومعاييره واهتماماته. وتعد مفهومًا شاملًا يضم كل جوانب الحياة كما يدركها الأفراد، وهو يتسع ليشمل الإشباع المادي للحاجات الأساسية، والإشباع المعنوي الذي يحقق التوافق النفسي للفرد عبر تحقيقه لذاته.

لذا، أدرك صانعو السياسات في الدولة المصرية في بنائهم لأعمدة الجمهورية الجديدة الأسباب النفسية والاجتماعية التي تعوق تحقيق جودة الحياة، والتي منها: عدم الوصول إلى الخدمات الأساسية، وانتشار العشوائيات والمناطق غير الآمنة، والصراع مثل الانزعاج والمضايقة من قبل الجيران، وصعوبة الحصول على وحدة سكنية، وعدم الحصول على مياه شرب نظيفة، وتهالك منظومة الصرف الصحي، والافتقار إلى المرافق التعليمية والمدارس وتدني جودة التعليم، وسوء وعدم كفاية مرافق الصحة العامة، ومساحة عامة غير آمنة بسبب الجرائم والصراعات، وعدم كفاءة المؤسسات التي تقدم الخدمات العامة، وعدم وجود أماكن للثقافة والترفيه في القرى والأحياء النائية، ووجود شبكة مواصلات عامة غير مناسبة وصعوبة في الوصول إلى وسائل النقل العام، والزيادة السكانية التي تلتهم التنمية، والتلوث البيئي، وصعوبة الوصول إلى الموارد العامة “الحدائق والمتاحف والمكتبات”، وصعوبة الوصول إلى النوادي والأماكن الرياضية، ووجود مخاطر غير محمية “مثل السكك الحديدية وخطوط الكهرباء”. 

وهو الأمر الذي جعل الدولة تعكف منذ ثماني سنوات على وضع “رؤية مصر للتنمية المستدامة 2030″، والتي نص أول أهدافها على الارتقاء بجودة حياة المواطن المصري وتحسين مستوى معيشته. وفسرت جودة الحياة بالارتقاء بحياة المواطن وتحسين مستوى معيشته بالحد من الفقر بجميع أشكاله، والقضاء على الجوع، وتوفير منظومة متكاملة للحماية الاجتماعية، وإتاحة التعليم وضمان جودته وجودة الخدمات الصحية، وإتاحة الخدمات الأساسية، وتحسين البنية التحتية، والارتقاء بالمظهر الحضاري، وضبط النمو السكاني، وإثراء الحياة الثقافية، وتطوير البنية التحتية الرقمية.

التغلب على معوقات جودة الحياة

لقد انتبهت الإدارة المصرية للعلاقة الارتباطية بين جودة الحياة ومؤشرات الصحة النفسية؛ فعملت خلال الثماني سنوات الماضية على بناء رؤية إصلاحية على أسس علمية في كافة المجالات بالتوازي لتحسين جودة حياة المصريين؛ فنجدها في: 

• نحو تطوير العشوائيات: إذ يرتبط العيش في العشوائيات أو في القرى الفقيرة والمحرومة بخطر أكبر للإصابة بسوء الصحة النفسية (مثل الاكتئاب والفصام). فأثبتت الأدلة العلمية أن المرض النفسي أقوى في المناطق الأكثر حرمانًا، إذ يواجه الأشخاص في المناطق المحرومة مزيدًا من الصعوبات في بناء العلاقات الاجتماعية الداعمة والحفاظ عليها، وقد يكون لديهم قابلية متزايدة للإصابة بالأمراض العقلية. وثبت علميًا أيضًا أن العشوائيات والأحياء غير المنظمة اجتماعيًا يشعر فيها الناس بعدم الأمان ويتعرضون للعنف بشكل متكرر، مما يسهم في زيادة التعرض للصدمات مع ما يترتب على ذلك من عواقب على الصحة النفسية.

وقد قدرت المنظمات الدولية أن أكثر من مليار شخص (حوالي 32٪ من المجتمعات الحضرية) يعيشون في الأحياء الفقيرة. وقد نما هذا الترتيب المعيشي في جميع أنحاء العالم منذ التسعينيات، ومن المتوقع أن يتجاوز عدد الأشخاص الذين يعيشون في الأحياء الفقيرة 2 مليار بحلول عام 2030.

وفي المقابل؛ فإن العيش في أماكن تمتلك مقومات الحياة الأساسية والتي تتميز بالدعم الاجتماعي العالي والفاعلية الجماعية يؤدي إلى التخفيف من الإجهاد المتصور من خلال شبكات الدعم التي تعزز الصحة العقلية. بالإضافة إلى ذلك، قد تسهم شبكات الدعم الاجتماعي في الأعراف والممارسات الاجتماعية في الوقاية من اضطرابات تعاطي المخدرات أو محاولات الانتحار. لذا؛ سارعت الإدارة المصرية في تطوير المناطق العشوائية والتي بلغت 357 منطقة على مستوى الجمهورية، على مساحة 160.8 ألف فدان، وتم الانتهاء من 95% منها، بتكلفة تخطت الـ 40 مليار جنيه.

• نحو توفير سكن ملائم: إذ يشكل الهيكل المادي السلبي للإسكان من (نقص القوة والمتانة وسلامة المباني بسبب استخدام مواد هشة وغير معمرة، ووجود غرف صغيرة في البيوت مع تلوث الهواء الداخلي وسوء التهوية، واستخدام مراحيض غير صحية، واستخدام المواد الممرضة والسامة في بناء المنازل مثل الأسبستوس والرصاص، وانعدام الأمن والخوف من هدم المباني بسبب البناء المخالف أو مصادرة المنزل سواء كان إيجارًا أو ملكية خاصة) خطورة على البيئة السكنية الاجتماعية والنفسية. وكذلك يشكل الازدحام وقله عدد الغرف ضغطًا هائلًا على السكان، مع ما يترتب على ذلك من آثار على الصحة النفسية، ربما بسبب الافتقار إلى الخصوصية.

لذا، سارعت الإدارة المصرية إلى عمل مشروع الإسكان الاجتماعي، فتم بناء 453.6 ألف وحدة من إجمالي مليون وحدة مستهدف بناؤها، وكذا مشروع الإسكان المتوسط؛ فبلغ عدد الوحدات المنفذة بمشروع إسكان دار مصر 37.7 ألف وحدة، ووصل عدد الوحدات المنفذة بمشروع سكن مصر إلى 37.9 ألف وحدة.

• نحو تعليم متطور وشامل: إذ تعد جودة النظم التعليمية والمدارس ومعدلات التخرج مؤشرًا قويًا على الحالة الصحية المستقبلية للفرد؛ وفي هذا الشأن تسير مصر وفق رؤية محددة وواضحة لتحسين جودة النظام التعليمي بما يتوافق مع النظم العالمية، وإتاحة التعليم للجميع دون تمييز، وتحسين تنافسية نظم ومخرجات التعليم. وتضمنت عملية التطوير كذلك تطوير المناهج، وتوفير البنية التحتية، وتطوير أساس التقييم القائم على الحفظ والتلقين فقط إلى منظومة تركز على التقويم الشامل (معرفيًا – مهاريًا – وجدانيًا). وكذا تم بناء الجامعات الحكومية والأهلية الجديدة بمعايير وجودة عالمية.

• نحو حياة صحية ومستدامة: فبغية الوصول إلى حياة صحية أفضل، تم بناء المستشفيات الجديدة وإعادة تأهيل البنية التحتية الصحية، وتطوير الوحدات الصحية بالقرى، وتحسين جودة الخدمات المقدمة لكافة المصريين، وإقامة العديد من المبادرات التي شملت معظم الأمراض، وتطوير وتأهيل العاملين في القطاع الصحي، بالإضافة إلى منظومة التأمين الصحي الشامل التي تمثل التغطية الصحية الشاملة لكل المصريين مع نهاية 2030 وفقًا لأعلى معايير الجودة العالمية. هذا إلى جانب تحسين جودة الحياة للأفراد الذين يعانون من الأمراض على المستويين البدني والنفسي، وهو ما تجلى بوضوح في القضاء على استيطان “فيروس سي”، والعبور من جائحة كورونا، مع توفير اللقاحات في وقت عجز فيه العديد من الدول عن توفير اللقاحات لمواطنيها.

• نحو بناء الهوية الثقافية والحضارية: فقد فعّلت مصر دور المؤسسات الثقافية في تنمية الموهوبين، ودعم المبدعين، وتعزيز القيم الإيجابية للمجتمع. بجانب تحقيق العدالة الثقافية عن طريق تنفيذ مشروع المسارح المتنقلة والتي تضم “معارض كتاب – اكتشاف مواهب – عروض فنية وثقافية – تدريب حرف تراثية”؛ بهدف وصول الخدمة الثقافية إلى مختلف النجوع والقرى. 

ونختتم هذه الورقة؛ بالمشروع التنموي الأكبر في العالم “حياة كريمة” الذي سيغير نوعية حياة أكثر من 58 مليون مواطن في الريف المصري إلى الأفضل، إذ يغطي أكثر من 4500 قرية، بإجمالي 175 مركزًا في 20 محافظة، لإحداث نهضة شاملة للبنية التحتية، والمؤسسات الخدمية والترفيهية. ومن وعي الإدارة المصرية بأن الاضطراب النفسي على المستوى الفردي يرتبط بالفقر على مستوى المجتمع، كان ضمن أولويات مبادرة حياة كريمة “القضاء على الفقر” عن طريق بناء المشروعات التنموية التي توفر فرص عمل لائقة بجانب فرص العمل التي توفرها المشروعات القومية الأخرى، وأيضًا برامج الحماية الاجتماعية التي سعت الدولة إلى توفيرها لمحدودي الدخل. 

وواكب المبادرة مسار تنويري يسعى إلى تطوير الوعي المجتمعي من خلال أنشطة فكرية ومعرفية وترفيهية، إلى جانب اهتمام مبادرة حياة كريمة بمراكز الصحة النفسية وعلاج الإدمان. وبهذا تلعب الخدمات المجتمعية دورًا حاسمًا في تحسين جودة الحياة، وتعزيز الوعي بالصحة النفسية، ودعم التعافي والاندماج الاجتماعي، والوقاية من الاضطرابات النفسية.

ومما سبق ووفقًا لتقرير مؤشر أفضل دول العالم من حيث جودة الحياة الصادر عن مجلة سي إي أو ورلد الامريكية “CEOWORLD”، في يونيو 2021؛ جاءت مصر في المركز الـ 69 عالميًا بإجمالي 77.28 نقطة، وذلك من بين 165 دولة، جاءت فيهم دولة فنلندا في المرتبة الأولى عالميًا جاءت بـ 99.06 نقطة، والدنمارك بـ 98.13 نقطة، والنرويج بـ 96.75 نقطة. والثامنة عربيًّا بعد دولة الإمارات التي جاءت في المرتبة الأولى عربيًا بـ 83.79 نقطة، ثم قطر بـ 82.24 نقطة، والجزائر بـ 80.96 نقطة. 

وبهذا يتضح أن مصر في جمهوريتها الجديدة تتجه نحو تحقيق جودة الحياة وتعزير الصحة النفسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى