مصر

“سوسيولوجيا ظاهرة الغارمات”…. محددات وتداعيات

انتشرت ظاهرة الغارمات في المجتمع المصري، وأضحت تشكل عبئًا ضخمًا، لذا سعت القيادة السياسية إلى إطلاق مبادرات رئاسية للإفراج عن الغارمات، كانت المبادرة الأولى عام 2015 بعنوان “مصر بلا غارمين وغارمات”، والثانية عام 2018 بعنوان “سجون بلا غارمين”. وخلال هذا العام أثناء إفطار الأسرة المصرية في رمضان الماضي، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي باستكمال سداد مديونية عدد من الغارمين والغارمات؛ من خلال تدقيق القوائم وترتيب الأولوية للأرامل والمعيلات والمسنين بالتنسيق مع المجتمع المدني والمؤسسات المعنية. إلى جانب تلك المبادرات، أطلقت الدولة العديد من برامج التمكين الاقتصادي والحماية الاجتماعية للمرأة، وعلى الرغم من أهمية هذه التدخلات إلا أن تقصّي الدوافع الاجتماعية والنفسية للظاهرة يعد إجراءً ضروريًا لبحث جذور الظاهرة، والتنبؤ بمدى تطورها، ومحاولة علاجها من المنبع.

المحددات الاجتماعية والنفسية للظاهرة

أثبتت دراسات عديدة أن الديون أكثر شيوعًا بين الفئات الأقل دخلًا أو التي تعاني الفقر، وأظهرت نتائج دراسات حديثة عن سوسيولوجيا الديون وعلم نفس الاستدانة الفردية عوامل ومحددات متعددة لسلوك استدانة الأفراد منها:

النظرة المجتمعية للديون: تغيرت مواقف المجتمع تجاه الديون والاستدانة بشكل عام بالتزامن مع التغيرات المصاحبة للتطور التكنولوجي، وتباين أشكال السلوك الاستهلاكي للأفراد بسبب انفتاح الاسواق وتغير الذوق العام، علاوة على انتشار خدمات “الشراء بالتقسيط”، وشركات الإقراض بأجل، والتي أسهمت في تنامي “ثقافة المديونية”.

التنشئة السوسيو-اقتصادية: تغذي تجارب الاستدانة المبكرة للأفراد داخل نطاق الأسرة تشكيل معايير ثقافية لقبول الديون، فآراء الوالدين تمثل لبنة يمكن التنبؤ من خلالها على قدرة الأبناء على الاستدانة أو التورط في الديون مستقبلًا.

الوصم الاجتماعي: التورط في الديون يرتبط بشكل كبير بمرجعيات مقارنة اجتماعية غير متوافقة، وهي ما تسمى بـ “مواكبة الجيران”، فتصبح نفقات الأفراد مدفوعة بمقارنات اجتماعية لحالات أخرى لديهم موارد اقتصادية أكبر نسبيًا. وتعد نظرية “الوصم الاجتماعي” من النظريات التفسيرية في علم الاجتماع الجنائي، والتي تعنى بتفسير رد الفعل الاجتماعي كدافع لانحراف سلوك الفرد، وهنا تلعب العادات والتقاليد المتعلقة -على سبيل المثال- بتجهيزات الفتيات المقبلات على الزواج دور الدافع إلى استدانة أمهاتهن، ومن ثم تحولهن إلى غارمات؛ خوفًا من الوصم الاجتماعي.   

مهارات إدارة الأموال والأنماط الاستهلاكية: غالبًا ما تعاني الغارمات اللاتي تورطن في الاستدانة بأجل من ضعف مهارات إدارة الأموال، وعدم القدرة على إدارة ميزانية المنزل؛ بسبب نقص المعرفة وعدم استيعاب بعض المسائل المالية، والتي تكون سببًا رئيسًا في اللجوء إلى الديون، هذا بالإضافة إلى نمط حياتهن غير المنظم بشكل عام، واضطراب أنماطهن الاستهلاكية، خاصة في ترتيب شراء الأولويات من السلع الأساسية، فبعض الدراسات أثبتت ارتفاع نسب المدخنين سواء بين حالات الغارمين والغارمات أنفسهم أو ذويهم داخل الأسرة الواحدة، فهم يرون التدخين بندًا من بنود الإنفاق التي لا يمكن الاستغناء عنها.

المبررات والسوابق والعواقب: الفقر والبطالة مبرران رئيسان للجوء إلى الديون، فهما يشكلان دوافع أساسية للميل النفسي تجاه الاستدانة دون تأنيب ضمير، كذلك يساعد الجهل بالعواقب -سواء العقوبة القانونية أو التداعيات الاجتماعية على الأسرة– على احتمالية تكرار اللجوء إلى الاستدانة. وعلى صعيد متصل، تسهم تدخلات المعالجة من خلال سد الديون بشكل مباشر في استباحة تكرار الاستدانة، فتصبح نسب من لهن سابقة سجن كغارمات أعلى من الغارمات المسجونات للمرة الأولى.

تداعيات وتوصيات

هناك جُملة من التداعيات المُتعلقة بالأبعاد الاجتماعية والنفسية للظاهرة، يُمكن إجمالها على النحو التالي:

استشراء الظاهرة: على الرغم من غياب الإحصائيات الدقيقة والحديثة لأعداد الغارمات داخل السجون أو خارجها، إلا أن العديد من التقارير الصادرة عن وزارة التضامن الاجتماعي تثبت زيادة في معدلات الغارمات بشكل عام، وهذه الزيادة تعكس الأبعاد الاجتماعية والنفسية المتعلقة بـ “توريث” سلوك الاستدانة ضمن تجارب التنشئة الاجتماعية الاقتصادية داخل الأسرة، الأمر الذي يفرض حتمية تطبيق دراسات مسحية لفحص مسببات استشراء الظاهرة اجتماعيًا، ورسم خريطة “إثنوغرافية” (الإثنوغرافيا هي وصف الأعراق البشرية) للظاهرة، وتحليلها.

تأنيث الظاهرة: إذا ما كان الفقر من أهم دوافع ومبررات ظاهرة الغارمات، فإن تأنيث الظاهرة هو نتيجة مؤكدة على ذلك، وهو ما يعكس حجم الفجوة الجنسانية في سوق العمل، وأهمية التمكين الاقتصادي للمرأة.

الخلل الأسري: تتسبب ظاهرة الغارمات في إحداث خلل أسري بأشكال متعددة، منها الانفصال، أو الطلاق، واضطراب ثقة المرأة واحترامها لذاتها بسبب الشعور بالذنب. فالبعد النفسي والسلوكي للاستدانة ينطوي على “المسؤولية والمخاطرة” كسمة شخصية ودافع ذاتي، الأمر الذي يستدعي بحث أدوار المرأة داخل الأسرة المصرية، وتنمية مهاراتهن في إدارة المسؤوليات اليومية حول الشؤون المالية للأسرة، للتوفيق بين الديون والتعامل مع حالات الطوارئ المالية، والتمييز بين الديون “الجيدة” والتي تهدف إلى إقامة مشروعات صغيرة أو متناهية الصغر وتحقق إنتاجية وتدر ربحًا، وبين الديون “المعدومة” والتي تكون بهدف استهلاكي فقط.  

تفاقم التكلفة: تتكبد الدولة تكلفة اقتصادية واجتماعية بسبب ظاهرة الغارمات، فتكلفة السجين الواحد تتراوح بين 3000 الى 3500 شهريًا وفق ما أعلنه رئيس محكمة الاستئناف عام 2018، هذا إلى جانب تكلفة برامج الحماية الاجتماعية لأسر السجناء من الغارمات، علاوة على الدعم النقدي المباشر المقدم من بنك ناصر. 

تراجع التنمية: إن فاتورة معالجة ظاهرة الغارمات تعرقل خطط التنمية؛ فنسب المخصصات المالية لسداد ديون الغارمات كانت ستسهم في زيادة نسب رفاهية المواطنين إذا ما تم توجيهها نحو برامج تنموية أو مشروعات البنية التحتية أو برامج التمكين الاقتصادي. 

مجمل القول: إن فهم ظاهرة الغارمات يتطلب فهم السياق الاجتماعي الأوسع للديون كجزء من سلوك اقتصادي مضطرب يدلل على ضعف مهارات إدارة الأموال على صعيد الأسرة، مما يفرض ضرورة محو الأمية المالية، والقضاء على سلوك الشراء القهري بدافع عدم التعرض للوصم الاجتماعي، وتفتيت القيود الاجتماعية لتمكين المرأة، وهذا الأمر يتطلب تدشين خطة توعية إعلامية تبرز القصص المجتمعية الناجحة في الاستغناء عن بعض عادات وتقاليد المغالاة في تجهيزات الزواج، بالإضافة إلى إنتاج دراما تلفزيونية توضح الآثار السلبية للديون على الأسرة إذا ما أصبحت الأم غارمة ومهددة بالسجن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى