سوريا

حرب حلب الشرقية.. كيف نقرأ التصعيد التركي الجديد؟

فيما يعد كسرًا لهدوء استمر ثلاثة أعوام، صعّدت تركيا من اشتباكها مع قوات سوريا الديموقراطية شمال شرق سوريا وتحديدًا في محيط مدينتي منبج وتل رفعت في شرق حلب. وكانت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قد سعت ما بين عامي 2017 و2019 إلى رسم خطوط النفوذ في سوريا والتوصل إلى اتفاقيات طويلة الأمد لخفض مستوي التوتر في الحرب السورية، ما جعل سوريا تنهى عام 2019 في هدنة غير رسمية بين كافة الأطراف المتصارعة هناك منذ مارس 2011.

خطوط النفوذ في حلب

يخطئ من يظن أن النفوذ في حلب منقسم بين الأكراد والفصائل السورية الموالية لتركيا؛ إذ تسيطر روسيا على مطار منبج في ريف حلب الشرقي، وتحضر إيران بفصائلها السورية في منطقتي نبّل والزهراء شمالي حلب، إذ تنتشر ست ميلشيات موالية لإيران على رأسها فوج الأمام الحجة، في ظل انتساب أهالي المدينتين للمذهب الشيعي.

وكان تحالف قسد، قوات سوريا الديموقراطية، الذي يتألف من فصائل سورية مسلحة تنتمي إلى المكون الكردي والآشوريين والأرمن والسريان واليزيديين إضافة إلى العشائر العربية في الجزيرة الفراتية؛ قد أعلن فيدرالية الشمال او روج آفا عام 2016، وبعد اعتراضات إقليمية على المسمى الكردي الانفصالي تحول الاسم إلى الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.

ولا تسيطر الإدارة الذاتية على مناطق في شرق حلب فحسب، وإنما أغلب مساحات محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، وجميعها يقع في شرق سوريا في ظل وجود قوات ومستشارين عسكريين من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وألمانيا وبريطانيا. أما الفصائل السورية الموالية لتركيا، والتي تقع تحت مظلة الجيش الوطني السوري، الاسم الجديد للجيش السوري الحر، فهي غطاء إداري لمناطق تحتلها تركيا في وسط وغرب حلب، ومناطق حدودية في محافظتي الرقة والحسكة.

أما محافظة إدلب الواقعة بالكامل تحت الاحتلال التركي فتقع تحت إدارة هيئة تحرير الشام، المسمى الجديد لجبهة النصرة التي بايعت تنظيم القاعدة في السنوات الأولى من الحرب، ولا يزال أبو محمد الجولاني يسيطر على هذا التنظيم. وتحتل تركيا 10% من مساحة سوريا، أي ضعف مساحة لبنان، فيما تسيطر قسد على 23% من سوريا تحت الحماية الأمريكية المباشرة، في حين يسيطر النظام السوري بدعم روسي إيراني على 63% من مساحة سوريا، بعد أن كانت تلك المساحة قد تقلصت إلى قرابة 10% قبل التدخل العسكري الروسي المباشر عام 2015.

المطالب التركية الجديدة

يتحدث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول منطقة آمنة بعمق 30 كيلو مترًا شمال سوريا، دون أن توجد بها قسد وتحديدًا وحدات حماية الشعب التابعة لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي السوري، فتصر أنقرة على وجود روابط بين هذا المكون الكردي وحزب العمال الكردستاني الناشط في الأراضي التركية.

التدخل التركي في شمال سوريا -وإن جاء بناءً على طموحات المشروع الإقليمي التوسعي التركي وبعض الادعاءات التي لا أساس لها حول تبعية شمال سوريا للجمهورية التركية- يأتي في إطار مساعي تركيا التاريخية لعدم قيام دولة كردية تصبح نواة لجمهورية كردية إقليمية تهدد تركيا والعراق وإيران معًا.

وقد ذهبت قراءات إلى أن التدخل التركي ضد أكراد سوريا على وجه التحديد قد أتى بضوء أخضر من دمشق وطهران، على ضوء موالاة الكرد السوريين للوجود العسكري الأمريكي في سوريا. استلزم ذلك عدة عمليات عسكرية تركية: درع الفرات عام 2016، وغصن الزيتون عام 2018 ونبع السلام عام 2019، في حين أتت عملية درع الربيع عام 2020 في ادلب لهيكلتها وتمهيد السيطرة الشاملة للفصائل الإسلامية بقيادة جبهة النصرة.

وتتحدث أنقرة عن طرد قسد من منبج وتل رفعت على وجه التحديد خلال العملية المقبلة، ما يعني حسم حلب الشرقية وضمها إلى حلب الوسطى وحلب الغربية؛ إذ تسيطر تركيا عسكريا وعمليًا على تلك المناطق، وإن تركت إدارتها المحلية لمجالس محلية تحت إدارة هزيلة للائتلاف السوري المعارض.

وتمارس تركيا كافة أنواع التتريك في هذه المناطق، سواء فرض الليرة التركية، أو القوانين والمدارس واللغة التركية، إضافة إلى الفكر الديني التركي بعيدًا عن الخصوصيات السورية. وبحسب تفاهمات بين روسيا وتركيا، فأن هناك دوريات عسكرية مشتركة بين البلدين تجوب “الحدود” بين مناطق قسد والفصائل السورية الموالية لتركيا في حلب! ونصبت أنقرة منذ عدة سنوات ما يعرف بـ “غرفة عمليات كيليس” والتي تضم الجيش التركي والمخابرات التركية إضافة إلى كافة الفصائل السورية الموالية لأنقرة.

هل القاعدة الروسية هي الهدف؟

منذ اندلاع الحرب الأوكرانية في 24 فبراير 2022، يدور حديث حول تقلص التواجد العسكري الروسي في سوريا، رغم الاتفاق المعلن بين روسيا وبيلاروسيا على ارسال الجيش البيلاروسي إلى سوريا بدلًا من القوات التي تنسحب بشكل تدريجي من سوريا للتوجه إلى أوكرانيا، الا أن هناك حراكًا خلف كواليس المشهد السوري في محاولة لفهم مدى فرص إعادة رسم خطوط النفوذ والتماس بين اللاعبين في الملف السوري.

ومنذ بدأ الرئيس التركي في تهديد قسد في أبريل 2022، تتوالى ردود الأفعال الرافضة للعملية التركية المرتقبة، من موسكو وواشنطن ودمشق على حد سواء، ولكن بين سطور الرفض تظهر مواقف أكثر تعقيدًا، تليق بهذا التعقيد والتشابك بين خطوط التماس في حلب.

فالولايات المتحدة الأمريكية لم يكن لديها مانع يومًا ما من التخلص من الورقة الكردية متى انتهى الدور منها، وهو ما جرى في العراق مرارًا، وما فعلته بريطانيا في القرن العشرين بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية على حد سواء، بجانب أن تقلص مساحة قسد بخسارتها شرق حلب لا يعد كارثة قومية للكرد، ولكن ما يميز هذا الزحف التركي هو تطويق الجيش الوطني السوري –الجيش السوري الحر سابقًا– للقاعدة العسكرية الروسية في منبج.

إن هذا الوجود الروسي الوحيد والفريد في شرق سوريا يمثل أهمية استراتيجية مهمة وحيوية لموسكو، ونظرًا إلى أن موسكو لديها تفاهمات جيدة مع فصائل قسد، فإن كلا الطرفين، قسد وموسكو، استطاعا التعايش في شرق وشمال سوريا دون مشاكل.

بينما كان للفصائل السورية الموالية لتركيا وعلى رأسها الجيش السوري الحر قسط من التوافق مع روسيا، ولكن تركيا استطاعت ملء هذا الدور برعاية أمريكية، وهكذا فإن تمدد تلك الفصائل في محيط القاعدة الروسية يعني حرفيًا أن تصبح القاعدة حبيسة جدرانها الأربع، وأن تصبح الفصائل السورية الموالية لأنقرة هي المسيطرة على نقاط العبور والتفتيش إلى القاعدة الروسية في شرق الفرات.

فضلًا عن أن كلًا من دمشق وطهران لا تمانع في فكرة تقليص مساحات “دويلة الكرد” التي ينظر إليها الانفصاليون الأكراد في الشرق الأوسط بوصفها “كردستان الغربية”، خاصة إيران التي تعاني من تصاعد الأصوات المطالبة بانفصال محافظة كردستان إيران ومحافظة لرستان بوصفهما “كردستان الإيرانية”.

لذا تبدو شبكة التفاهمات والتوازنات الجديدة في سوريا عقب اندلاع الحرب الأوكرانية في طور التطور، ولا يمكن أن تحصل على قراءة كاملة إلا حينما تبدأ العملية التركية الجديدة وتبدأ عملية قياس ردة فعل دمشق وطهران وواشنطن الحقيقية حول هذا التحرك التركي، الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون حال حدوثه بمثابة تحدٍ لرؤية أمريكية، وذلك في ظل سعى الرئيس التركي إلى تهدئة الموقف مع واشنطن منذ عام 2016 خاصة في ظل اقتراب الانتخابات البرلمانية والرئاسية الحاسمة لأردوغان وحزبه العام المقبل.

إيهاب عمر

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى