الاقتصاد الدولي

الأضرار الاقتصادية على أهداف التنمية المستدامة

حذرت الأمم المتحدة من آثار التدهور الاقتصادي المستمر منذ عام 2019، فقد تم إصدار عدة تقارير تفيد بمخاوف عدم تحقيق أهداف التنمية المستدامة المفترض تحقيقها في عام 2030. وبرغم ظهور العديد من الأصوات المشككة في قدرة العالم على تحقيق تلك الأهداف منذ البداية، إلا أنه بعد التأثير الجسيم على اقتصاديات الدول في فترة وباء كورونا أصبح من العسير النجاح فيها.

منذ عام 2019، زاد عدد الأشخاص الذين يعانون من الجوع بمقدار 46 مليون في أفريقيا، وحوالي 57 مليون في آسيا، وحوالي 14 مليون أخرين في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. إضافة إلى ذلك، هناك 77 مليون نسمة يعيشون في فقر مدقع رغم البرامج الدولية العديدة لتحسين الأوضاع. وأدت عمليات الإغلاق إلى مشاكل ليست فقط اقتصادية بل كذلك اجتماعية؛ إذ تضررت العملية التعليمية حول العالم بما يمكن حسابه بخسائر تصل إلى 17 تريليون دولار في أرباح هذا الجيل من الطلاب خلال حياتهم.

أخطار جديدة ما بعد الوباء

لم تتوقف المشكلة على فترات التوقف عن العمل أثناء الوباء، إنما حتى بعد انحسار الموجة الرئيسة منه ظهر خطر جديد في عام 2022 متمثل في الحرب الروسية الأوكرانية. ومن هذا المنطلق، ظهرت تقارير جديدة من الأمم المتحدة تفيد بحجم الأضرار، وصرح الأمين العام للأمم المتحدة بأن التخفيضات الكبيرة الأخيرة لميزانيات المساعدات الخارجية من قبل الحكومات سيكون لها “آثار سلبية مباشرة” على قدرة العالم على تحقيق أهداف التنمية المستدامة لعام 2030.

وأرجع السبب إلى التحديات المتتالية بما في ذلك وضع التغيرات المناخية، والأزمة الثلاثية للغذاء والطاقة والديون، والتي تفاقمت جميعًا بسبب نتائج الوباء الاقتصادية ومن بعده الحرب الروسية الأوكرانية. ووفقًا للتقديرات الأولية لفريق عمل الأمم المتحدة المعني بالأزمة العالمية، يعاني 1.7 مليار شخص بالفعل اقتصاديًا؛ منهم 553 مليون يعانون من الفقر، و215 مليون يعانون من نقص التغذية.

تأتي أزمة الحرب الروسية الأوكرانية على رأس الأولويات لكون البلدين من بين أهم سلال الخبز والوقود في العالم؛ إذ يوفرا نحو 30% من القمح والشعير في العالم، ولهما حصة كبيرة من محصول الذرة وزيوت الطعام. في نفس الوقت، فإن الاتحاد الروسي هو أكبر مصدر للغاز الطبيعي، وثاني أكبر مصدر للنفط، ويعد من أهم مصدري السماد عالميًا. إذًا، فالأزمة تشكل خطرًا فوريًا على قطاعات الغذاء والطاقة، مما يهدد أكثر من نصف أهداف التنمية المستدامة بصورة مباشرة، مثل الهدفين الأول والثاني المعنيين بالقضاء على الفقر والمجاعات. 

آثار الحرب في أوكرانيا محسوسة ليس فقط على المستوى الإقليمي، ولكنها تمس العالم بسبب مساهمة منطقة النزاع بصورة كبيرة في الغذاء والطاقة. تضررت عمليات الإنتاج من ناحية، وتضررت الحركة التجارية وعمليات التصدير للمواد الغذائية والحبوب واستيراد المنتجات المتعلقة بتيسير خدمات قطاع الطاقة والأمن الغذائي من ناحية أخرى.

بالطبع، أدى انخفاض الإتاحة إلى ارتفاع الأسعار، ويبدو أنه لا مفر من أن تواصل هذا الارتفاع حتى نهاية الحرب على الأقل. سيكون لهذا تأثيرات واسعة النطاق يمكن أن تكون بعيدة المدى، نهاية بعدم القدرة على تحقيق أهداف التنمية المستدامة. لكن ستكون العواقب على الفقراء والضعفاء وخيمة بشكل خاص، رغم محاولات الاستفادة من استراتيجيات الدول المتعاونة في خطط الاستدامة وتوفيرها فرص للتكيف مع السياق مع التركيز على تنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030.

تصاعد الأسعار للسلع الأساسية

بالفعل زادت الأسعار للسلع الأساسية حول العالم وصولًا إلى مستويات قياسية بـ 34% زيادة عن العام الماضي، فضلًا عن أن سبل العيش ستتأثر أيضًا، مع تزايد عدد وسطاء ومنتجي الأغذية والمزارعين، وخاصة الصغار منهم، غير القادرين على الوصول إلى الأسمدة والاحتياجات المختلفة من طاقة وميكنة والمدخلات الزراعية الأخرى التي يحتاجون إليها، وهو ما سيزيد من احتمالية الشعور باضطرابات السوق الحالية حتى عام 2023. وقد يتفاقم هذا الوضع بصورة أكبر إذا قررت الحكومات إغلاق أسواق الغذاء، الذي سيؤدي إلى إطلاق تأثير الدومينو للقيود التجارية وحظر التصدير، مع عواقب أخرى وخيمة محتملة.

ارتفاع الأسعار يرفع من جرس الإنذار بشأن الغذاء الأمن والاستقرار السياسي (مؤشر الأسعار، سنة الأساس = 2008)

كذلك يؤدي الاضطراب في أسواق الأسمدة إلى تعقيد هذا الوضع بشكل كبير في مناطق عدة كالشرق الأوسط؛ إذ يتوقع بعض المحللين انخفاضًا في الإنتاج لبعض المحاصيل يصل إلى 50٪، ولا سيما في البلدان التي تضم نسبة كبيرة من صغار المزارعين.

ربما كانت أخطر تلك الزيادات هي المتعلقة بالغاز الطبيعي بالنسبة للاتحاد الأوروبي، والقمح والذرة للعالم ككل. فهناك بعض الدول التي تعتمد بشكل أساسي على استيراد القمح القادم من روسيا وأوكرانيا، موفرين حصة سنوية داخل ميزانياتهم تتزايد مع نمو السكان. وكانت أسعار القمح والذرة شديدة التقلب منذ بدء الحرب، لكنها لا تزال أعلى بنسبة 30٪ عن مستواها في بداية العام.

شكل بياني لارتفاع الأسعار وتقلبها في أسواق القمح والذرة (السعر بالدولار الأمريكي)

الوضع الحالي لأهداف التنمية المستدامة

لمس التضرر الأبعد الرئيسة للاستدامة للبيئة والمجتمع والاقتصاد، فوفقًا لتقرير الحالة والتوقعات الاقتصادية في العالم (WESP) الصادر بالربع الثاني من العام الحالي 2022، من المتوقع أن يتقلص نمو الاقتصاد العالمي بنسبة الربع ليكون 3.1 في المائة فقط عوضًا عن توقعات النمو 4.0 في المائة الصادرة في يناير 2022. بجانب أنه من المتوقع حدوث تضخم عالمي، بالتزامن مع الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء والطاقة، قد يرتفع إلى 6.7 في المائة في نفس العام. وتعد هذه النسبة أكبر من ضعف المتوسط ​​البالغ 2.9 في المائة خلال الفترة 2010-2020.

لن تعطل الأرقام السلبية السابقة وحدها أهداف التنمية المستدامة؛ إذ تمثل الزيادة الحادة في أسعار الطاقة صدمة كبيرة في معدلات التبادل التجاري بالنسبة للاتحاد الأوروبي، صاحب المعدلات القوية في الأهداف المتعلقة بالقطاع. ففي ظل اعتماد دول الاتحاد على الاستيراد بشكل مكثف، وصل في عام 2020 إلى 57.5 في المائة من إجمالي استهلاكه للطاقة، تراجعت آفاق نمو اقتصاد الاتحاد الأوروبي بشكل كبير. وبالتالي، أصبح من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.7 في المائة فقط في عام 2022، بدلًا من 3.9 في المائة المتوقعة في وقت سابق في يناير.

ونظرًا إلى أن الواردات من الاتحاد الروسي شكلت ما يقرب من 25 في المائة من استهلاك الطاقة في أوروبا في عام 2020، فمن المرجح أن يؤدي حدوث توقف مفاجئ في تدفقات النفط والغاز الطبيعي من الاتحاد الروسي إلى زيادة أسعار الطاقة وتفاقم الضغوط التضخمية. تتأثر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من أوروبا الشرقية ومنطقة البلطيق بشدة لأنها تعاني بالفعل من معدلات تضخم أعلى بكثير من متوسط ​​الاتحاد الأوروبي.

لا تحسن حتى تتوقف الحرب

مثلما أجبر الوباء الحكومات على خفض ميزانيات التعليم والبنية التحتية والإنفاق الرأسمالي الآخر في عام 2020​، ستؤدي تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية من ارتفاع لأسعار الطاقة والسلع الأساسية، فضلًا عن الاضطرابات المتجددة في سلسلة التوريد​، إلى تفاقم هذه التحديات وإثارة تحديات جديدة.

ومن المرجح أيضًا أن تؤدي الحرب إلى زيادة ضائقة الديون وزيادة الجوع، مما يزيد من اتساع “فجوات التعافي الوبائي” التي كانت موجودة قبل الصراع، خاصة مع كشف التقرير عن أنه في المتوسط​​، تدفع أفقر البلدان النامية حوالي 14 في المائة من الإيرادات للفائدة على ديونها، مما يهدد من فرصها في تحقيق النمو المرجو وليس حتى محاولة تحقيق المعدلات المطلوبة لإنجاح أهداف التنمية المستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى