آسيا

كازاخستان بين الاعتراف بالفضل الروسي والحياد المضطرب

لطالما عرف التاريخ بُلدانًا لعب موقعها الجغرافي دورًا محوريًا في تحديد طبيعة ما تواجهه من متغيرات سياسية ومواجهات مع دول الجوار. وبالحديث عن دولة كازاخستان، فإنه من الممكن القول إنها إحدى الدول التي تحظى بموقع جغرافي يفرض عليها إطارًا سياسيًا محددًا؛ إذ تقع في موقع جغرافي مميز مشترك بين قارتين؛ آسيا وأوروبا. وتتشارك في الحدود مع العديد من البُلدان؛ من ضمنها: “روسيا، والصين، وأوزبكستان، وتركمانستان، وقيرغيزستان”. وتُطل شواطئها على بحر قزوين، وتصنف الدولة التاسعة من حيث ضخامة المساحة على مستوى العالم. 

والشاهد أن كازاخستان عملت على مدار سنوات ما بعد استقلالها عن الاتحاد السوفيتي على اعتماد سياسة تقوم على توازن العلاقات ما بين الأقطاب الدولية المتعددة؛ روسيا، والصين، والولايات المتحدة، بالإضافة إلى العالم الإسلامي. لذلك، أدى قرار الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” بشن عملية عسكرية على أوكرانيا إلى الزج بالقيادة الكازاخية إلى موقف سياسي لا تُحسد عليه، يجعل من تمسكها بسياسة الحياد وتنوع العلاقات مهمة توازي في مشقتها محاولة القبض على الجمر. 

ومن هذا المنطلق، نجد الآن أنه من الضروري إلقاء نظرة عن كثب على طبيعة الحياة السياسية في الداخل الكازاخي، وكيف ترتبط كازاخستان بالأقطاب العالمية الفاعلة؟!، مرورًا باللحظات المحورية التي عصفت بها، وصولًا إلى اللحظة الراهنة، وطبيعة موقفها من الأحداث الجارية في جارة ليست بعيدة عن محيطيها الجغرافي والتاريخي معًا، وهي بالطبع أوكرانيا. 

“نور سلطان نازارباييف”: نظرة على حياة أول رئيس للبلاد

تقلد نور سلطان نازارباييف منصب أول رئيس لجمهورية كازاخستان في الفترة ما بين “1991- 2019”. ومن الممكن القول إن نازارباييف الابن البار للشيوعية السوفيتية؛ بوصفها المنبع الذي استقى منه أولى خبراته السياسية، والمدرسة الأولى التي أفرزت نوع الرئيس الذي نحن بصدد تقديم نبذة مختصرة عن مسيرته المهنية. فقد استهل مسيرته السياسية كسكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الكازاخستاني في الفترة ما بين “1979- 1984″، ومن ثم صار رئيس مجلس الوزراء في جمهورية كازاخستان الاشتراكية السوفيتية في الفترة ما بين “1984- 1989”. وتدرج في عدة مناصب بعد ذلك، وصولًا إلى لحظة نجاحه في أول انتخابات رئاسية تُجرى على مستوى البلاد في 1991.

وبنظرة على أبرز محطات مسيرته السياسية الحافلة التي شابتها سقطات بنفس الطريقة التي زانتها بها نجاحات، يظل في الإمكان وصفها -إجمالًا- بأنها كانت مسيرة ناجحة نسبيًا؛ إذ نجد -على سبيل المثال- أنه أرسى قواعد حُكم في كازاخستان بوصفها دولة تؤمن بتعددية قطبية فيما يتعلق بعلاقاتها الخارجية. فقد انضمت البلاد في عهده إلى عدد من الكُتل السياسية العسكرية، والمنظمات السياسية والاقتصادية كذلك؛ مثل منظمة معاهدة الأمن الجماعي، ومنظمة معاهدة شنغهاي، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا. وأصبحت روسيا والصين والولايات المتحدة شُركاء سياسيين واقتصاديين رئيسين لكازخستان في عهده. 

وبصفتها دولة جوار للاتحاد الروسي، نجد أن تصرفات أول رئيس لكازخستان –رغم علاقته الجيدة مع روسيا- كانت تعكس في الكثير من الأحيان مخاوف من رغبات روسيا الاستعمارية. مثال على ذلك، عندما أقدم في عام 1997 على نقل العاصمة من جنوب البلاد “آلما آتا”، إلى مدينة “أستانا” في الشمال؛ خوفًا من خسارة الأراضي الشمالية التي كان يسكنها أغلبية روسية. 

وفيما يتعلق بشبهات الفساد التي شابت رحلته السياسية، فإلى جانب هيمنة أقاربه وأفراد عائلته على أهم مراكز السلطة والنفوذ في الدولة، والتي أدت في نهاية المطاف إلى اشتعال احتجاجات شعبية ضدهم في يناير 2022، لا يجب أن نغفل أيضًا تورطه في قضية الفساد الشهيرة التي ظهرت إلى العلن في أواخر التسعينيات، تحديدًا العام 1999، والمعروفة إعلاميًا باسم “بوابة كازاخستان”. 

علاوة على ذلك، لا نغفل، أنه عندما قرر التنازل عن منصب الرئيس وإنهاء مسيرته السياسية، لم يُنهها في حقيقة الأمر، بل قدم لها امتدادًا جديدًا في شكل منصب أكثر أهمية وحيوية من منصب الرئيس نفسه، وهو منصب رئيس مجلس الأمة الذي احتفظ به “نازاربييف” لنفسه بعد مغادرته السلطة في 2019. بجانب أنه حصل على وضع خاص ممنوح له بحكم القانون، بوصفه الرئيس الأول، وصاحب لقب “أبو الأمة”. وحرص كذلك على بقاء أقاربه في مناصبهم حتى بعد تركه منصب الرئيس. 

لماذا اندلعت احتجاجات يناير 2022؟!

ارتفعت أسعار مواد الطاقة بشكل حاد ومفاجئ في يناير 2022، مما أدى إلى إشعال فتيل احتجاجات شعبية اتخذت في البداية حجم ضيق النطاق، ومن ثم أخذت في الاتساع، وصولًا إلى انتشارها وخروجها عن المطالب الاقتصادية إلى مطالب سياسية؛ تعددت ما بين: استقالة الحكومة، واستقالة الرئيس قاسم جومارت توكاييف، وإزالة الحصانة السياسية عن أول رئيس للبلاد وإقالته من منصبه الحالي، ومنع أفراد أسرته من الاحتفاظ بمناصبهم. 

وسُرعان ما تحولت هذه الاحتجاجات إلى أحداث مأساوية بعد أن تحولت من السلمية إلى العنف، ووقع ضحايا بين المتظاهرين. وفرضت السلطات الكازاخية، 5 يناير، حالة الطوارئ في جميع أنخاء البلاد، وأعلنت بدء عملية لمكافحة الإرهاب، وأعلن الرئيس الكازخستاني، “قاسم جومارت توكاييف”، في اليوم نفسه إقالة الحكومة وترؤسه لمجلس الامن. وطلب من منظمة معاهدة الأمن الجماعي التدخل بداعي مكافحة الإرهاب. وعليه، استجابت المنظمة وتم إرسال قوات حفظ سلام جماعية إلى كازاخستان قوامها 2300 جندي. وبتاريخ 13 يناير، أعلنت المنظمة نجاح مهمتها في قمع الاحتجاجات وغادرت قوات حفظ السلام الأراضي الكازاخية.  

وبتاريخ 16 مارس، أعلن “توكاييف” البدء في تنفيذ إصلاحات اجتماعية واقتصادية وسياسية، كان من أهمها الإعلان عن إجراء استفتاء دستوري جديد بتاريخ 5 يونيو. ووفقًا للبيانات النهائية للجنة المركزية للانتخابات، صوت في الاستفتاء 77,18% من مواطني كازاخستان، بالموافقة عليه. وفي الاستفتاء، قام الناخبون بالموافقة على تعديل 56 مادة من الدستور.

يأتي من أهمها؛ أن “تتحول البلاد من شكل فوق رئاسي إلى شكل جمهورية رئاسية فقط، وأن يتم إعادة توزيع السلطات من الرئيس على البرلمان، وحظر عقوبة الإعدام، وزيادة دور المواطنين في عملية حكم الدولة، واستبعاد المادة المخصصة لامتيازات الرئيس الأول “أبو الأمة” للجمهورية، فحرمته من معظم امتيازاته.” بالإضافة إلى حرمان أفراد عائلته وأقاربه من أي مناصب قيادية. ومع ذلك، يظل من حق أفراد عائلة “نازارابييف” أن يتم إجراء مهام الحفاظ على حياتهم خصمًا من ميزانية الدولة، وفقًا للتعديلات الدستورية الجديدة. 

موقف كازاخستان من الحرب الروسية الأوكرانية

في الماضي غير البعيد، كانت هناك قصة قصيرة ورمزية عن دولة يجمعها تاريخ مشترك مع الاتحاد الروسي، أرادت التمرد على نفوذه والتصرف بطريقة تنطوي على شيء من الاستقلالية، فشهدت احتجاجات حاشدة كادت تطيح بالنظام في 2020. ولولا تدخل موسكو العاجل وإنقاذ الأمر، واتخاذ كل ما يلزم للإبقاء على رئيس هذه الدولة في منصبه، لكان النظام قد سقط تمامًا بحلول اليوم الذي نتحدث نحن فيه عن هذه القصة. ومنذ ذلك الوقت، ورأى العالم أجمع كيف تلاشت الخلافات القديمة بين الرئيسين وباتت هذه الدولة هي الحليف الأوحد لروسيا في حربها على أوكرانيا. يعرف الجميع بالطبع أن بطلة هذه القصة هي بيلاروسيا. 

وفي سياق موازٍ، تقول الرواية الغربية –غير المُدعمة بمصادر موثوقة- أن خلافات مماثلة ربما تكون وقعت بين الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” ورئيس مجلس الأمة “نور سلطان نازارباييف” في أواخر العام الماضي حول الموقف الكازاخستاني المحتمل في خلافات موسكو مع كييف. وفي نسخة أكثر تطرفًا، تقول رواية أخرى مماثلة للأحداث إن الرئيس الروسي أفصح عن نيته غزو أوكرانيا لنازاربييف، وطلب من الأخير دعمه، لكنه رفض هذا الأمر تمامًا. لذلك، تلاعبت روسيا في الأوضاع الداخلية وأشعلت فتيل الاحتجاجات التي آلت في نهاية المطاف إلى استنجاد كازاخستان رسميًا بالمنظمة التي أرسلت قوات حفظ سلام كل أفرادها روس، وتمت الإطاحة بنازارباييف للأبد وتجريده من امتيازات منصبه ومكانته في كازاخستان. 

وعلى الرغم من أن بيلاروسيا كانت قد أعلنت رسميًا، في 9 أغسطس 2020، عشية الانتخابات الرئاسية التي أعقبتها حركة الاحتجاجات المذكورة آنفًا عن القبض على 33 فردًا من مرتزقة فاجنر الروس يشتبه أنهم دخلوا البلاد للتخطيط للقيام بأعمال تخريبية قبيل الانتخابات، بشكل يشير إلى احتمالات ضلوع روسيا في ترتيب الاحتجاجات البيلاروسية 2020، وعلى الرغم أيضًا من الروايات الغربية التي تسربت عبر مصادر وصحف غربية بشأن رواية مماثلة لترتيب الأحداث في كازاخستان؛ إلا أنه من الصعب التأكيد على موثوقية أي منهم، خاصة في ظل الافتقار إلى مصادر مؤكدة أو دلالات واضحة ومباشرة تؤكد هذه النظريات أو دحضها.

لكن ما يجوز تأكيده يظل دائمًا هو موقف كازاخستان من الحرب في أوكرانيا وهو الرفض، حتى وإن كان رفضها مكتومًا وغير مُعلن عنه صراحة، سيظل موقفها هو الرفض بل حتى النظر إلى الأوضاع في أوكرانيا بعين من الخوف والرهبة؛ فمن ناحية، تكافح كازاخستان بضراوة للتمسك بسياستها الخارجية القائمة على التعددية القطبية، والتي من المؤكد أنها ستخسرها بالكامل لو أعلنت موافقتها على تصرفات الكرملين، أو حتى لو تصرفت بشكل يجعلها تساعد موسكو على كسر عزلتها التجارية الناجمة عن العقوبات الغربية المشددة التي باتت تخضع لها بشكل متزايد في الفترة الأخيرة. 

وتوجد هناك مؤشرات على أن العقوبات تؤثر بالفعل على التجارة بين روسيا وكازاخستان، وعليه نرى كيف انخفضت الصادرات إلى روسيا بنسبة 10,6%  في مارس الماضي. فيما يتخذ “توكاييف”، أيضًا خطوات تهدف إلى إثبات أن لديه خيارات جيوسياسية خارج موسكو، وأنه لن يسير على ذات الدرب الذي مشى عليه من قبل الرئيس البيلاروسي “ألكسندر لوكاشينكو”. والدليل على ذلك، اللقاء الذي جمعه بنظيره التركي، رجب طيب أردوغان، في 11 مايو، والذي تم خلاله التوقيع على عدد من الاتفاقيات المهمة؛ كان من بينها: اتفاقية إنتاج طائرات بدون طيار. 

ومن ناحية أخرى، لطالما عرفت كازاخستان محطات مختلفة في تاريخها جرى من خلالها الحديث علانية من قِبل مسؤولين وشخصيات روسية بارزة حول الأحقية التاريخية لروسيا في ضم أراضي كازاخية شمالية، ولطالما كان الرد الكازاخي دائمًا يأتي بالشجب والرفض الصريح، بالإضافة إلى عدم إظهار أي بوادر ممكنة على إمكانية الانصياع لإرادة موسكو.

وفي مقابلة مع صحيفة “نيزافيسيمايا جازيتا”، مايو 1992، قال نازارباييف صراحة: “أي مطالبات حدودية بشأن كازاخستان، وفي الواقع، بشأن أي جمهورية أخرى –سوفيتية سابقة- تعني إراقة دماء لا مفر منها”. مضيفًا، “إنه لن يسمح أبدًا بإزالة أي جزء من أراضي كازاخستان”. 

ومادام الشيء بالشيء يُذكر، فإنه من الضروري أيضًا ذكر المقال الذي نشره الكاتب الروسي الحائز على جائزة نوبل، “ألكسندر سولجينتسين”، في 23 إبريل 1996، في صحيفة “كومسومولكايا برافدا” الروسية البارزة، والذي قال فيه إن هناك أجزاء من كازاخستان تنتمي بشكل طبيعي وتاريخي إلى روسيا. وبعدها مباشرة، حظرت السلطات الكازاخية الصحيفة برمتها، وتم رفض دعوى قضائية من اتحاد الكتاب الكازاخيين ضد الصحيفة قالوا فيها إن هذا المقال يمثل انتهاكًا لسيادة بلادهم ووحدة أراضيها. والأهم من كل ذلك، تصريح “بوتين”، بتاريخ 29 أغسطس 2020 –بعد أقل من 6 أشهر من ضم شبه جزيرة القِرم- “إن الرئيس نازارباييف أنشأ دولة على أرض لم يكن لها دولة من قبل”. متابعًا، “أن الكازاخيين لم يكن لديهم أي دولة، لقد أنشأها نازارباييف””. 

نخلص من كل ما سبق أن كازاخستان دولة جوار روسي ولكنها تتمتع بإرادة سياسية مستقلة ونمط متوازن فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. ومن الممكن القول إنها نجحت فيما فشلت فيه كُل من أوكرانيا وبيلاروسيا على حد سواء. وعليه، لا يمكنها بأي شكل من الأشكال الموافقة على الحرب في أوكرانيا، ولا يمكنها في الوقت نفسه معاداة موسكو أو معاداة الغرب لأجل موسكو؛ والسبب ببساطة أنها هي أيضًا لديها مخاوفها الخاصة من غزو روسي وضم محتمل لأي أراضي سوفيتية سابقة. 

وبهذه الطريقة، نفهم أيضًا أن كازاخستان بات لديها اليوم مخاوف متضاعفة، والسبب أيضًا هو اضطرارها لطلب وقبول المساعدة العاجلة التي قدمتها روسيا لقمع الاحتجاجات الأخيرة في يناير، وهو شيء يجعل شبح التحول إلى نسخة أخرى من بيلاروسيا يلوح في أفق أي رئيس يحكم كازاخستان. 

لذلك، تتبع حكومة “توكاييف” نهجًا أكثر توازنًا بشكل نسبي تجاه الغزو الروسي لأوكرانيا؛ فقد حاولت كازاخستان تهدئة المخاوف الغربية من الانصياع لموسكو، جنبًا إلى جنب مع حرصها على عدم إظهار أي بوادر ظاهرة أو علامات واضحة على عدم الولاء لموسكو.  ونرى دلائل واضحة على هذه السياسات، في قرار “توكاييف” بتعليق احتفالات يوم النصر، 9 مايو، خلال العام الجاري. وامتناع كازاخستان عن التصويت في إدانة روسيا أمام الأمم المتحدة، وتصويتها ضد قرار آخر، بشأن تجريد روسيا من عضويتها في مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة.

داليا يسري

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى