مصر

شراكة استراتيجية: العلاقات المصرية – السعودية كركيزة للأمن القومي العربي

تحظى زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى مصر بأهمية كبيرة، وذلك في ضوء كونها جزءًا من المشاورات التي أجراها الرئيس عبد الفتاح السيسي مع ملكي الأردن والبحرين، الملك عبد الله الثاني، والشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، وهي المباحثات التي تأتي في ظل بيئة إقليمية ودولية تشهد العديد من المتغيرات التي عززت الحاجة إلى تنسيق عربي وخليجي للتعاطي معها.

أهمية الزيارة

تكتسب زيارة ولي العهد السعودي إلى مصر أهمية متزايدة، وذلك في ضوء العوامل التالية:

1 – تأتي زيارة “ابن سلمان” إلى مصر في إطار جولة إقليمية مهمة يقوم بها ولي العهد السعودي، تشمل إلى جانب مصر، كلًا من الأردن وتركيا، وهي الجولة التي تستهدف التنسيق السعودي مع هذه الدول بشأن المتغيرات الإقليمية والدولية الحالية، والتوجه نحو إعادة هندسة العلاقات الإقليمية في مرحلة ما بعد قمة العلا، والتوجه التركي نحو الانفتاح على العديد من الأقطار العربية، ورفع مظلة الدعم والرعاية عن تيارات الإسلام السياسي، فضلًا عن المباحثات الخليجية الجارية مع إيران، وقول ولي العهد السعودي في مارس الماضي إن المملكة “تنظر إلى إسرائيل كحليف محتمل ولكن قبل ذلك عليها حل مشاكلها مع الفلسطينيين”، في إشارة عكست تبني السعودية في المرحلة الحالية لمقاربة إقليمية جديدة.

2- أحد العوامل المهمة التي أكسبت زيارة ولي العهد السعودي إلى مصر أهمية متزايدة، هو كونها تأتي قبل 3 أسابيع من القمة التي ستُعقد في جدة مع الرئيس الأمريكي جو بايدن وعدد من رؤساء وقادة الوطن العربي، وعلى رأسهم الرئيس الفتاح السيسي، وبالتالي فإن مباحثات “ابن سلمان” مع قادة مصر والأردن تستهدف بشكل رئيس بلورة رؤى مشتركة إزاء القضايا التي ستُطرح في قمة جدة المرتقبة.

3- تأتي زيارة “ابن سلمان” إلى مصر في ظل ما فرضته الأزمة الروسية – الأوكرانية من تداعيات سلبية على كافة دول العالم، ومن بينها الدول العربية، خصوصًا على مستوى التداعيات الاقتصادية، وقد أظهرت السعودية في هذا الصدد تضامنًا واضحًا مع مصر، فقامت بإيداع 5 مليارات دولار في البنك المركزي المصري، وبدأ صندوق الثروة السيادية السعودي في التحرك لضخ استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار في مصر.

4- استبق الرئيس عبد الفتاح السيسي زيارة ولي العهد السعودي لمصر بعقد قمة ثلاثية في مدينة شرم الشيخ، مع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، وملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، وهي القمة التي تأتي في إطار تحركات مصر لتعزيز آلية العمل العربي المشترك، وتمثل المباحثات بين الرئيس السيسي وولي العهد السعودي، استكمالًا لهذه الجهود.

رسائل لافتة

تحمل زيارة ولي العهد السعودي إلى مصر في هذا التوقيت عددًا من الدلالات والرسائل المهمة، وذلك على النحو التالي:

1- كانت مصر هي الوجهة الخارجية الأولى للأمير محمد بن سلمان كولي عهد جديد للمملكة العربية السعودية، في مارس 2018، ومنذ توليه ولاية عهد المملكة، عقد “ابن سلمان” العديد من المباحثات مع الرئيس والمسؤولين المصريين، فضلًا عن اختياره لمصر كوجهة أولى في جولته الإقليمية الحالية. وهو نهج الإدارة السعودية منذ عقود، أن تكون القاهرة أولى محطاتها في جولات بهذا الحجم، وهي أمور عبّرت في مجملها عن العديد من الدلالات الرمزية التي تعكس محورية وجوهرية التنسيق مع مصر في الاستراتيجية السعودية الجديدة للتعاطي مع التطورات والمتغيرات الإقليمية.

2- تُشير البيانات الرسمية بخصوص زيارة ولي العهد السعودي إلى مصر، إلى أن هذه الزيارة تركز على التباحث حول القضايا العربية والإقليمية الراهنة، وهو أمر من جانب تفرضه اللحظة الإقليمية الراهنة وما يرتبط بها من متغيرات عديدة، ومن جانب آخر تفرضه العلاقات الاستراتيجية الراسخة بين البلدين.

3- تؤكد زيارة ولي العهد السعودي إلى مصر، وما سبقها من توافقات خلال السنوات الأخيرة، على تجاوز العلاقات الثنائية بين البلدين للشراكة الاستراتيجية الكلاسيكية التي كانت سائدة لعقود، والانتقال إلى مرحلة جديدة من العلاقات تزيد فيها مساحة التوافق الاستراتيجي بين البلدين، والتكامل في القضايا الأمنية والجيواستراتيجية.

4- تأتي زيارة ولي العهد السعودي في إطار حقبة داخلية جديدة لكلا البلدين، حيث بدأت مصر في إرساء ركائز ودعائم الجمهورية الجديدة، وتبنت السعودية تغييرات داخلية جوهرية طالت كل أركان الدولة وثوابت السياسة وقواعد الحكم والفكر، وتم تبني نهج إصلاحي على كافة المستويات، وهو نهج مُكمل لجهود مصر في هذا الصدد، وهو عامل أكسب العلاقات في الحقبة الحالية المزيد من الزخم.

ركائز العلاقات الثنائية

يمكن القول إن هناك جملة من الركائز والمحددات الحاكمة للعلاقات المصرية السعودية في السنوات الأخيرة، وذلك على النحو التالي:

1- إحدى الركائز الرئيسة للعلاقات المصرية السعودية في السنوات الأخيرة تتمثل في زيادة مساحة التوافق بين البلدين إزاء العديد من القضايا الإقليمية، وهو ما تجسد في الموقف الثابت من رفض التدخلات الإقليمية في الشؤون الداخلية للدول العربية، وتبني مواقف ثابتة من أي قوى أو دول تدعم تحركات عدم الاستقرار في الدول العربية، فضلًا عن تبني البلدين للعديد من التحركات التي تُعزز من العمل العربي المشترك.

2- يعد الموقف الموحد من تيارات التطرف والعنف في المنطقة أحد المحددات الرئيسة الحاكمة للتقارب المصري السعودي في السنوات الأخيرة، فالبلدان خاضا منذ العام 2013 مواجهة كبيرة وشاملة مع هذه القوى، وهي المواجهة التي حققت الدولتان فيها انتصارات كبيرة، على مستوى تحجيم الجماعات المتطرفة سواءً عسكريًا أو فكريًا، أو على مستوى تبني نموذج معتدل والتحرك بقوة لتجديد الفكر والخطاب الديني.

3- شهد التعاون العسكري المصري السعودي تناميًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، وهو ما تجسد في كثافة المناورات العسكرية الثنائية والمتعددة بين البلدين، وفي الزيارات المتبادلة للمسؤولين العسكريين، وزيادة التنسيق المشترك بخصوص أمن البحر الأحمر، وهو التعاون الذي ارتكز على تقدير كل دولة لحجم مهددات أمنها القومي.

4- ترتكز العقيدة السياسية لمصر والسعودية على أساس أنهما ركيزة وسند استراتيجي لبعضهما، وهي العقيدة التي أفرزت تعاونًا اقتصاديًا كبيرًا بين البلدين منذ ثورة الثلاثين من يونيو 2013، كان آخره التعاون من أجل مواجهة تداعيات جائحة كورونا والأزمة الأوكرانية، وبالتالي فإن العقيدة السياسية والشراكة القائمة بين البلدين تُرجمت إلى تعاون اقتصادي واستثماري واسع.

5- شهدت العلاقات المصرية السعودية في السنوات الأخيرة تبني مقاربة جديدة استهدفت من جانب تعزيز العمل العربي المشترك، ومن جانب آخر مواجهة مهددات الأمن القومي العربي بكافة أشكالها، وهي المقاربة التي ارتكزت على تعزيز مفهوم الدولة الوطنية، ومواجهة التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول العربية، وكذا مواجهة الفاعلين المسلحين دون الدول، وحركات التطرف والعنف، وهي المقاربة التي بدأت في التأسيس لتحالفات عربية جديدة بقناعات سياسية مختلفة عن تلك التي كانت سائدة لعقود.

وختامًا، يمكن القول إن زيارة ولي العهد السعودي إلى مصر تحمل تأكيدًا على عمق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وهي الشراكة التي استندت إلى زيادة مساحة التوافق الاستراتيجي حول المتغيرات والقضايا الإقليمية والدولية الراهنة، واستهدفت بشكل رئيس تعزيز آليات العمل العربي المشترك، ومواجهة مهددات الأمن القومي للدول العربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى