مصر

“الهُوية المصرية” بين الماضي والحاضر والمستقبل

عندما نقف أمام معنى” الهوية” نجد أنفسنا أمام كلمة تحتوي على مزيج من الخصائص والطبقات التي يتقاسمها الأفراد، ووحدها الظروف هي التي تفرض أولوية طبقة على أخرى، وعلى أساسها يمكن التمييز بين شخص وآخر. ليس هذا وفقط، بل تغوص بداخلها مجموعة من الانتماءات التي يميل إليها الفرد، وتحدد من خلالها سلوكياته وإدراكه لنفسه. وتتأثر الهوية بعدة خصائص لا يختارها الفرد بنفسه كالعرق والطبقة الاجتماعية والاقتصادية، والآراء السياسية، والمواقف الأخلاقية، وبالطبع المعتقدات الدينية، ولكن السؤال هنا: كيف يعرف الشخص هويته؟

تزيد معرفة الشخص بهويته من خلال فهمه لذاته واحترامها في المقام الأول، والوعي جيدًا أن هوية الفرد ليست أمرًا مسلمًا به، وإنما تتغير وتتطور مع الزمن، ولهذا تحول فهم موضوع الهوية إلى قضية فلسفية ومنطقية، وطورها علماء النفس وأكدوا أنها لا تقتصر على كونها فردية، بل هي قضية جماعية واجتماعية، تتوسع لتشمل الاختلافات والشعور بالانتماء بين الأشخاص في المجتمع.

هوية مصر في أبعادها الزمنية

مصر.. هي القاسم المشترك الأعظم في كل كتب التاريخ، فلا يوجد كتاب يستعرض أي حقبة تاريخية لا يذكر مصر مرارًا بين ثناياه، فهي دائما مؤثرة ومتأثرة. وعلى مدار العصور، مرت مصر بتغيرات عديدة تركت أثرًا لا يمكن محوه بسهولة بعد كل مرحلة، سواء أن استمرت فترة أو امتدت قرونًا. وتراكمت هذه الآثار فوق بعضها وتطورت بتطور من سكنها وعاش فيها.

فنجد أن هوية مصر تشكلت بالأساس من الصراعات والمراحل التاريخية التي عاشتها، والأساليب العديدة التي حُكمت بها، والتي على إثرها ازدهرت الحضارات المتراكمة والصناعات واللغات والديانات، ولهذا تحاول مصر جاهدة أن تحافظ على شكلها القديم، وأن تظهر للعالم أن التاريخ قد جعلها تمر بكل هذه المراحل وهي صامدة بين كل ذلك، تمزج لوحة فريدة للمصريين حتى يستمدوا بقاءهم من حكايات التاريخ.

وعن رقائق الحضارات المختلفة التي مرت عليها مصر، فكان أقدمها “الفرعونية”، فما من مصري إلا ويعتز بانتمائه للحضارة الفرعونية وأن أجداده من المصريين القدماء، الذين تركوا له تراثًا إنسانيًا فريدًا من نوعه؛ فهم الذين شيدوا أول دولة وحكومة مركزية في التاريخ، بدءًا من عصر الدولة العتيقة، مرورًا بالدولة القديمة، أو حقبة بناة الأهرامات. وهذه الحضارة هي الركيزة الثقافية التي يقف عليها أي مصري بصرف النظر عن أي انتماءات أخرى، وهو أحد أسرار التماسك الوطني الذي يعيشه شعب مصر.

وعن باقي الأحقاب والرقائق التاريخية التي تلت الحقبة الفرعونية طويلة الأمد، كانت الحقبة ” اليونانية – الرومانية”، وهي في واقع الأمر حقبتان قصيرتان تداخلتا في مرحلة انتقالية مهمة، فصلتا بين المرحلة الفرعونية، وحقبة الأديان السماوية ما بين المسيحية القبطية والإسلام. ويعتز المصريون بهذه الحقبة التي نقلت العقل الأوروبي إلى مصر، وكذلك العكس؛ إذ اعترف اليونانيون أنفسهم بفضل حضارات الشرق عليهم، ويفتخر الكثير منهم ممن وضع أسس العلوم اليونانية أنهم درسوا سنوات عدة في مصر، فهذا الدمج جعل العلوم والفنون والفكر ينصهرون في بوتقة الإنسانية والحضارة الجديدة.

تأتي بعدها الحقبة “القبطية”، التي تداخلت مع الحقبة التي قبلها وبعدها، لتستمر المسيحية القبطية مؤثرة في التركيبة المصرية حتى الآن، حتى بعد دخول العرب مصر عام 641م، واستمرت اللغة القبطية كلغة شعبية سائدة مشاركة اللغة العربية طوال القرنين التاسع والعاشر.

وأخيرًا، حقبة ” الحضارة الإسلامية”، فقد كان لمصر إسهاماتها في الحضارة والفكر والفقه الإسلامي، وهي كذلك تتميز في إسلامها بخصائص فريدة. ولا ننسى أنها مرت في هذه الحقبة بعدد من الفترات، فشهدت عصر الخلفاء الراشدين، والعصر الأموي، حيث صار الإسلام خلافة وإمبراطورية معًا، ثم عصر العباسيين، وصولًا إلى الحروب الصليبية التي انحاز فيها الأقباط إلى المسلمين في مصر، حتى الحقبة العثمانية.

وهكذا، تفاعلت هذه الطبقات الحضارية مع بعضها البعض، وتمكنت مصر من استيعابها جميعًا وشكلت منها هويتها التي أضفت على كل طبقة حضارية منها سمة من سماتها الخاصة. ولهذا إن صح القول، فإن مصر قد قامت بـ “تمصير” كل الحضارات التي عاشت معها وعاشتها، لتصبح كل حضارة تحمل سمة مصرية خالصة.

فعلى سبيل المثال، عندما اعتنقت مصر الديانة المسيحية وكانت تحت الاحتلال الروماني حينها، تحدت بذلك الإمبراطورية الرومانية بعظمتها، ونجحت في نهاية الأمر في تحويل روما نفسها إلى المسيحية، ليعترف الإمبراطور بالمسيحية ويعتبرها الديانة الرسمية للإمبراطورية، ومن مصر خرجت الرهبنة إلى العالم، وساهمت مصر في الفكر اللاهوتي المسيحي، بل وشهدت مصر على خلاف بين بابا الإسكندرية مع روما حول قضايا لاهوتية أدى إلى الانشقاق الأكبر في تاريخ المسيحية ما بين النهج المصري الملتزم “الأرثوذكسي”، وبين منهج روما “الكاثوليكي”.

والأمر نفسه انطبق على مصر عندما اعتنق غالبية شعبها الإسلام، فنشأ على أرضها “الأزهر” الذي يعد المرجع السني للعالم، بالإضافة إلى إسهام واجتهاد العلماء المصريين في علوم الفقه والتفسير والترجمة، ونجحت مصر في وضع لمساتها وبصماتها الخاصة، حتى أن الكل يشهد أن مصر بات لها “نكهة” خاصة في الاحتفالات الدينية التي تجعل آلاف البشر يفدون إليها من مختلف أنحاء العالم خصيصًا لعيش أجواء هذه المناسبات، فضلًا عن محبة المصريين الخاصة لآل البيت.

تضارب الآراء وتمايزها حول الهوية الحقيقية لمصر

الصراع في هذا الأمر لم يكن مجرد صراع ثقافي، بل امتد إلى تحديدات دستورية وقانونية أيضًا، لنجد أنفسنا أمام ” صراع مفتوح” بين من ينسب إلى مصر هوية دينية أو عرقية أو حضارية أو ثقافية أو تاريخية. ووفقًا لدراسة أجراها ” ج. جانكوفكسي”، و” أ.جرشوني”، من خلال كتابهم “هوية مصر بين العرب والإسلام”، أرجعا بداية الصراع على الهوية المصرية في سبعينات وثمانينات القرن التاسع عشر، ولكنهم رأوا أن هذا الصراع غير متكافئ، ونظرياته غير ناضجة، مرجحين أن من ابتدأ بفكر الهوية المصرية كان ” رفاعة الطهطاوي”.

وفى العصر الحديث، بدأت صحوة جديدة تبحث عن الهوية التي تساعدها على الانطلاق والتقدم إلى الأمام، فكان مصطفى كامل هو أول زعيم وطني شعبي يطالب بالاستقلال، وبالرغم من أنه تلقى تعليمًا فرنسيًا حديثًا في كلية الحقوق الفرنسية، وبعد أن أصبح عقله مرتبًا بالمنطق، وجد معظم الشارع المصري يغط في الجهل والأمية، وأن القليل منهم قد تلقى تعليمًا أزهريًا تقليديًا ما جعل تفكيرهم إسلاميًا وفقط، وهو ما جعله يقع في إشكالية كبرى حين أنشأ ” الحزب الوطني”، ليجد أن محاربة الانجليز تحتاج مساندة خارجية، فأعلن ولاءه للدولة العثمانية وللخليفة الإسلامي، ووجد أن خير وقود يلهب مشاعر الجماهير هو الدين.

وهذه كانت بداية الحزب الوطني القديم التي كانت قيادته من العلمانيين لكن الأفكار التي ينادى بها كانت أفكارًا إسلامية ذات ولاء لتركيا، وتتابع الصراع بعد ذلك مع بدء حركة عرابي، واستمر حتى الحرب العالمية الأولى 1914، فترددت الكثير من الأسئلة عن هوية مصر، هل هي مصرية أم عثمانية، وبعد الاحتلال البريطاني، ظهرت موجات دينية متعالية تطرح أسئلة أخرى من نوع هل مصر قبطية أم إسلامية، خاصة في الفترة ما بين 1905 إلى 1912.

إلى أن تصاعدت الحركة القومية بقيادة “سعد زغلول”، الذي انطلق بجدية شديدة مطالبًا بالاستقلال، والتف حوله كل السياسيين المصريين من مختلف الاتجاهات، ما جعل نيران هذا الصراع تهدأ لتستقر على أن “مصر للمصريين”، ولا فرق بين دين وعرق، فطالما أنت تعيش على أرض مصر وتحبها وتخلص لها، إذًا أنت مصري لا غير، وهو الأمر الذي لاقى موافقة الأمة بمسلميها ومسيحييها على إلقاء الهوية الدينية جانبًا، والتمسك بالهوية المصرية التي تحققت لأول مرة في مصر بعد قرون طويلة، تحت شعار:” الدين لله والوطن للجميع”.

هذه الهوية المصرية التي رفض سعد زغلول بوضوح أن يدخلها في هوية عربية أو أفريقية، وإنما أصر أن تكون مصرية؛ حققت نجاحات ضخمة في توحيد الأمة وفى إدخال التعليم الحديث مع تطوير جهاز الدولة، وتطور كبير في الثقافة المصرية، وبدأ الشعب يتمتع بحرية لم يعهدها من قبل لعدة قرون.

ولكن بعد عقد واحد، بدت مناوشات جديدة حول الهوية المصرية، خاصة بعد ظهور جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، وبدأت الهوية الإسلامية تطل من جديد وتظهر في شعب الإخوان الذي يقتنع أن جنسية المسلم هي دينه، والتي تلاها كرد فعل ظهور الهوية القبطية، وفى هذه الأثناء ظهر تيار من المثقفين قاده طه حسين مطالبًا بالاحتفاظ بالهوية المصرية مع اندماجها تحت لواء الثقافة البحر متوسطية التي حاول أن يشرح ارتباطها بمصر طويلًا في العهود الرومانية واليونانية المختلفة.

ثم جاء عام 1952 وقام الضباط الأحرار بثورة 23 يوليو، وفى الخمسينيات من القرن العشرين بدأت تظهر الهوية العربية بدفع من القيادة الناصرية، وإبراز الوجه العروبي للهوية المصرية التي كان لها رونق وتأثير على كافة شعوب المنطقة.

ربما يمكننا الاتفاق على أن الوصول إلى الهوية المصرية أمر معقد جدًا، فمثلًا لو تناولنا شق اللغة، فنحن نتحدث لكنة مصرية خالصة تمثل رد فعل لدمج التراثين العربي والمصري، فأنتج تراكيب ومفردات متنوعة، لا هي مصرية قبطية ولا هي عربية فصيحة، هي مصرية فقط. ولو تناولنا شق جغرافية مصر التي تقع في أفريقيا وتطل على البحر المتوسط، نجد أنه من المستحيل أن ننسبها إلى أي منطقة بعينها، فهي دولة خُلقت لتكون مركزًا حرًا غير تابع لأي قسم، ولكن الأكيد أنها كانت وستظل قلب الأمة العربية، متشابهة مع كثير من شعوب البحر المتوسط، وتعتز بامتدادها الأفريقي الثري.

وفى النهاية، تمزقت مصر بين هوية فرعونية وإسلامية وقبطية وعربية وبحر متوسطية، ونسي الجميع أن هويتنا الأصلية مصرية، ولهذا فشل وسقط كل من حاول اختصار هوية مصر في أنها “فرعونية فقط”، أو “إسلامية فقط”، أو “عربية فقط”؛ فهوية مصر هي أنها “مصر”، والتي كونت أقدم دولة في تاريخ البشرية، علمتهم احترام الطرف الآخر والتعايش معه وتقبله.

وعلى الرغم من المحاولات الهائلة التي استهدفت الهوية المصرية وحاولت تغييرها عكس السياق التاريخي لها، فإن الهوية المصرية صمدت أمام كل هذه المحاولات، ولن تجد أي مصري لا يوجد بداخله انتماء ولو بدرجات متفاوتة، للحضارة الفرعونية والافتخار بها وسط باقي الشعوب، متأثرًا أيضًا بالحقبة اليونانية- الرومانية، وله انتماء عربي وأفريقي، ومتعايشًا مع الإسلام والمسيحية في وطن واحد.

مي صلاح

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى