الأزمة الأوكرانية

ملامح وأبعاد أزمة شحنات القمح الأوكرانية

يشهد العالم الآن رَحَى معارك ضارية بين روسيا وأوكرانيا. وكعادة الحرب، أي حرب عرفها التاريخ، لطالما كانت مصحوبة بثمن ينبغي على أطرافها المتحاربة أن تدفعه. غير أن أكثر ما يميز هذه الحرب أنه ربما سيتعين على العالم أجمع أن يدفع ثمنها وفي مقدمته القمح. إذ تنتج روسيا وأوكرانيا ما يقرب من 30% من إجمالي إنتاج القمح على مستوى العالم. لذلك أثارت مخاوف عدم قدرة شحنات القمح الأوكرانية للوصول إلى طريقها في البحر المخاوف من مجاعة عالمية، وخلافات حادة بين قادة الغرب وروسيا، واتهامات ألقى بها كل طرف على الآخر بأنه هو المذنب وهو الملوم في الأمر. وسط تحذيرات أممية متلاحقة بضرورة احتواء الموقف في أسرع وقت ممكن قبل أن تتفاقم الأمور وتصل إلى نقطة يصعب تداركها، خاصة مع وجود دول تعتمد بالكامل على صادرات القمح من الدولتين، وعلى رأسهم دول أفريقية ودول شرق أوسطية. لذلك، نحاول الآن الإجابة على أسئلة حول أبرز ملامح أزمة القمح العالمية وسيناريوهات تطورها المتوقعة. 

أبرز ملامح الأزمة

سيطرت روسيا، خلال عملياتها العسكرية في أوكرانيا على معظم وأهم الموانئ الأوكرانية المُطلة على بحر آزوف. وكان من أهم هذه الموانئ؛ ميناء ماريوبول، وميناء خيرسون على البحر الأسود، فيما فرضت السفن الحربية الروسية حصارًا على ميناء اوديسا الذي لا يزال خاضعًا للسيطرة الأوكرانية. وترتب على ذلك منع خروج صادرات القمح الأوكرانية من صوامعها باتجاه تصديرها للخارج. من ناحية أخرى، يقترب في أوكرانيا موسم الحصاد الصيفي الممتد ما بين (يوليو- أغسطس)، وفي الوقت الحالي، لو استمرت الأزمة على ما هي عليه فإن أوكرانيا لن تجد أماكن متاحة في صوامعها تكفي لتخزين المحصول الجديد.

وعلى الصعيد السياسي، هناك طرفان يديران الأزمة، روسيا من جهة، والغرب ممثل في أوكرانيا من جهة أخرى. وكلا الطرفين يلقيان باللوم على بعضهما البعض في التسبب بالأزمة. فقد توالت تصريحات القادة والمسؤولون الغربيون والتي كانت جميعها تُلقي باللوم على روسيا في التسبب بالأزمة. وألقى وزير الخارجية الأمريكي، “أنتوني بلينكن”، اللوم على روسيا في أزمة الغذاء العالمية. وقال “إنه من الخطأ القول إن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها على روسيا أدت إلى تفاقم أزمة الغذاء الناتجة عن حرب أوكرانيا”.

وأضاف بلينكن خلال كلمته في الأمم المتحدة، 19 مايو، أثناء اجتماع وزاري حول الأمن الغذائي العالمي: “حاول البعض إلقاء اللوم على العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والعديد من الدول الأخرى على روسيا لتفاقم هذه الأزمة، هذا غير صحيح، عندما فرضنا عقوبات على روسيا من أجل إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن، قمنا عن عمد وبعناية بعمل استثناءات للسلع الزراعية والأسمدة”. وتابع: “نحن نعمل كل يوم لتزويد البلدان بأي معلومات أو مساعدة تحتاجها للتأكد من أن العقوبات لا تمنع الطعام أو الأسمدة من مغادرة روسيا أو أي مكان آخر”. وقال وزير الخارجية الأمريكي إن “روسيا وحدها هي المسؤولة عن تحديات الأمن الغذائي”، وأضاف: “فيما يتعلق بقرارها بدء هذه الحرب غير المبررة، فإن المسؤولية عن انقطاع هذه الإمدادات والمعاناة التي تسببها حول العالم تقع بشكل مباشر على عاتق الحكومة الروسية وحدها”. وفي موقف آخر، قال “بلينكن” أن الرئيس الروسي يبتز العالم من خلال احتجاز الإمدادات الغذائية.

من ناحية أخرى، كرر الرئيس الروسي، “فلاديمير بوتين”، تصريحاته حول نفي المسؤولة عن بلاده. وأوضح، في 3 يونيو، إن هناك محاولات لإلقاء اللوم على روسيا بشأن أزمة الغذاء في العالم. وقال: “إن تقديراتنا تُشير إلى أن أوكرانيا يمكنها تصدير 5 ملايين طن من القمح، و7 ملايين طن من الذرة”. مشيرًا إلى أن أزمة الغذاء في العالم مرتبطة بسياسة أوروبا في مجال الطاقة. وأضاف؛ “إن التقارير التي تفيد بأن روسيا لا تسمح بصادرات الحبوب من الموانئ الأوكرانية تعتبر خدعة”. مؤكدًا أن الوضع سيزداد سوءًا في العالم بسبب العقوبات على روسيا.

مسارات وبدائل

هناك بدائل ومسارات متعددة لحل الأزمة، من ضمنها بدائل مطروحة بالفعل منها ما اقترحته روسيا نفسها، وهي كالتالي: 

  • أن يتم نقل البضائع عبر مينائي أوكرانيا المطلين على نهر الدانوب، “رينيه” و”إزمايل” وصولًا إلى ميناء “كونتسانتا” في رومانيا. ويُعيب هذا المسار، أن طاقاته محدودة. فقد أكدت السلطات الرومانية في شهر مايو الماضي، أنه لم ينقل سوى 240 ألف طن من الحبوب الأوكرانية فقط، علمًا بأن إجمالي الصادرات من أوكرانيا كانت تتراوح- قبل الحرب- ما بين 5و6 ملايين طن شهريًا. 
  • أن يتم نقل القمح والمنتجات الزراعية عبر القطارات إلى بولندا وليتوانيا، ومن هناك، يتم تصديرها عبر بحر البلطيق. ومشكلة “المسار البولندي” تتمثل بالدرجة الأولى في الاختلاف بين عرض السكة الحديد في أوكرانيا وبولندا، إذ إن السكة في أوكرانيا، كما في غيرها من الجمهوريات السوفيتية السابقة، أوسع بـ 10 سنتيمترات منها في بولندا والدول الأوروبية، ما يتطلب إما إعادة تحميل العربات على الحدود، أو نقلها إلى العجلات الأخرى. كما يشير مسؤولون بولنديون إلى أن الإمكانات التقنية للمعابر الحدودية لا تسمح بمرور أكثر من مليون أو مليوني طن من الحبوب شهريا. فضلًا عن أن هذه المنتجات بعد وصولها إلى بحر البلطيق سيكون أمامها مسار بحري طويل ومختلف للغاية، والذي سيترتب عليه بالطبع زيادة كبيرة في تكاليف وأسعار هذه المنتجات. 
  • عبر بيلاروس إلى ليتوانيا، وهو المسار الأبسط والأرخص، لكنه يتطلب رفع العقوبات الغربية عن مينسك أولًا. 
  • عبر الموانئ الخاضعة لسيطرة روسيا في بحر آزوف والبحر الأسود (ماريوبول، بيرديانسك وخيرسون)، وهذا المسار تقول روسيا إنها ستكون مفتوحة شريطة أن تقوم أوكرانيا بنزع الألغام البحرية التي زرعتها حول سفنها في بحر آزوف. وهو الحل الذي ترفضه أوكرانيا، التي تتهم موسكو بسرقة الحبوب المنتجة في أراضيها من جهة، وتخشى إزالة الألغام حتى لا تقوم روسيا بشن هجمات عليها من هذا الاتجاه من جهة أخرى. 

جهود دولية لاحتواء الأزمة

بذلت أطراف دولية عديدة جهودًا لكبح جماح أزمة الجوع المرتقبة. مثال على ذلك؛ أعلن البنك الدولي، في مايو 2022، عن تخصيص البنك الدولي مبالغ تقدر بأكثر من 30 مليار دولار للتصدي لانعدام الأمن الغذائي في العالم على مدار الـ 15 شهرًا المقبلة. كما ينوي الاتحاد الأوروبي تقديم تمويلات تصل إلى 225 مليون يورو لمساعدة شركائهم في دول الجوار الجنوبي عبر مبادرة بعنوان “مرفق الغذاء والقدرة على الصمود”. كما وافق بنك التنمية الإفريقي على تسهيلات بقيمة 1,5 مليار دولار لمساعدة 20 مليون مزارع أفريقي على إنتاج 38 مليون طن متري إضافي من الغذاء. 

وعلى الجانب الدبلوماسي، ركزت عددًا من المؤسسات والبنوك التنموية الإقليمية الأخرى على توفير الغذاء في المناطق المتأثرة بشدة بسبب الحرب الأوكرانية. وسيقدم بنك التنمية الآسيوي إعانات غذائية لبلدان مثل أفغانستان وسريلانكا لمواجهة تحديات انعدام الأمن الغذائي. كما تسعى قوى دولية، برعاية أممية، التوصل إلى اتفاقيات مع روسيا تهدف لإعادة تشغيل الموانئ الأوكرانية المُطلة على البحر الأسود. كما تحاول تركيا التوسط لأجل إنهاء الأزمة، وبدأت بالفعل المضي قدمًا في سبيل إتمام اتفاق مع روسيا وأوكرانيا بهذا الخصوص ويأتي ضمن ذلك؛ الزيارة التي أجراها وزير الخارجية الروسي، “سيرجي لافروف” إلى أنقرة، 8 يونيو. ومن ناحية أخرى، كانت مجموعة السبع بعدم فرض حظر على تصدير المواد الغذائية، من أجل دعم الأمن الغذائي العالمي. كما تعهد الأعضاء الـ 51 في منظمة التجارة العالمية بضمان توفير ما يكفي من الغذاء للجميع، والحفاظ على الأسواق مفتوحة، فيما طالب بعض أعضاء مجموعة السبع الحكومة الهندية بإعادة النظر في قرار حظر الصادرات.

ختامًا، نفهم من كل ما سبق أن القمح والذرة صاروا مثل المواد النفطية، مواد يُباح استخدامها كأدوات عسكرية في الحرب. ونجد كذلك، أن مدى تجاوب روسيا مع أي حلول ومقترحات لإحداث انفراجة قريبة في الأزمة قبل بدء موسم الحصاد ستكون مرهونة بما تحصل عليه من مكتسبات نظير ذلك. بمعنى، لو رُفعت العقوبات عن مينسك –باعتباره الحل الأفضل الآن- سيكون ذلك بمثابة ثمن مقبول بالنسبة لموسكو. وفي الوقت نفسه، من المستبعد أن تقوم الدول الأوروبية برفع أي عقوبات من على روسيا نفسها نظير القمح، والسبب يكمن في عدم رغبتهم بالتنازل والانصياع لإرادة الكرملين ولو حتى على مستوى خطوة واحدة فقط على الأقل. 

داليا يسري

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى