مصر

جهود الدولة لتنمية الثروة الحيوانية

أزمة جائحة كورونا وبعدها الأزمة الأوكرانية، وما تبعهما من زيادة معدلات التضخم العالمي، وتعطل سلاسل الإمداد الذي طال المواد الغذائية أيضًا، وارتفاع أسعار مواد الإنتاج والوقود؛ أزمات مركبة أكدت بما لا يدع مجال للشك لكافة دول العالم أن الغذاء قد تحول من مجرد سلعة تجارية قابلة للبيع والشراء إلى سلاح يستطيع من يملكه أن يصوبه نحو من يحتاج إليه لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية معينة. وهو ما دفع كافة دول العالم إلى البحث عن مسارات جديدة لتأمين احتياجاتها داخليًا، وتأمين أمنها الغذائي على وجه الخصوص.  

ويعد قطاع الثروة الحيوانية أحد أهم القطاعات الأسرع نموًا بين قطاعات الاقتصاد الزراعي العالمي؛ إذ يسهم بنسبة تتراوح ما بين 20- 40% من إجمالي الناتج الزراعي في أي دولة، وتتمثل أهمية الثروة الحيوانية في توفير فرص مهمة للتنمية الزراعية المستدامة وتحقيق مكاسب على صعيد الأمن الغذائي وتحسين تغذية الإنسان، وأيضًا تحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية مع زيادة قدرة الأسر على الصمود في مواجهة التغيرات المناخية، وتوفير فرص عمل وحياة كريمة لصغار المربين مع زيادة تمكين المرأة والشباب في الريف.

وكان لمصر خطى استباقية في هذا الأمر، فخلال السنوات الأخيرة سعت الدولة المصرية إلى سد أو تقليل الفجوة الغذائية التي نعاني منها منذ عقود طويلة، نتيجة لتآكل الرقعة الزراعية من جهة وزيادة معدلات النمو السكاني من جهة أخرى. وذلك لتحقيق أمنها الغذائي وتحقيق فائض قابل للتصدير على مستوى كافة السلع الغذائية والإنتاج الحيواني على وجه التحديد، بتعظيم مواردها من خلال مشروعات زراعية وحيوانية وسمكية.

فاللحوم ومنتجات الألبان تعد واحدة من بين أهم السلع الغذائية المتوقع تأثرها كالقمح على خلفية الأزمة الأخيرة، وذلك ليس لاستيراد اللحوم من روسيا أو أوكرانيا كالقمح لكن لاستيراد غالبية الأعلاف من الخارج. وهو ما ألقى بظلاله بالضرورة على الأسعار وحجم المعروض. 

فتعد روسيا وأوكرانيا أهم مصدري خامات ومستلزمات الأعلاف، وتعتمد مصر على استيراد خامات كثيرة منهما –إلى جانب البرازيل، والأرجنتين- لتلبية احتياجات السوق. ومنذ اندلاع الأزمة الأوكرانية، ارتفع سعر طن العلف في مارس إلى 10500 جنيه مقابل 9 آلاف قبل الزيادة، نتيجة تعطل حركة التجارة؛ إذ تنتج مصر نسبة لا تتعدى 15 إلى 20% من خامات الأعلاف التي يتم استهلاكها محليًا، والباقي يتم استيراده. 

ويوجد بمصر نحو 100 مصنع أعلاف، بمتوسط إنتاج سنوي نحو 3000 طن. وتستورد مصر على مدار العام الذرة الصفراء من الخارج لتلبية احتياجات صناعة الأعلاف والتي يتم الاعتماد عليها في إنتاج الأعلاف بنسبة تتراوح ما من 50 إلى %60.

وبعيدًا عن الأزمة الأوكرانية –حديثة العهد–فتنمية الثروة الحيوانية تواجه 6 تحديات وهي:

  • عدم وجود قاعدة للبيانات عن توزيع الثروة الحيوانية في المحافظات المختلفة.
  • قلة وجود المراعي الطبيعية.
  •  ارتفاع الأسعار العالمية للأعلاف ومكوناتها.
  • تنامي ظاهرة التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة والذي أدى إلى خلق مناطق جديدة جاذبة للعوائل والنواقل المرضية.
  •  الحاجة إلى زيادة الوعي لدى صغار المربين بأساليب الرعاية التي تتناسب مع السلالات الجديدة.
  •  تسارع نمو الطلب على المنتجات الحيوانية نتيجة الزيادة المضطردة في عدد السكان.

لذا كان يجب على الدولة إسراع الخطى في تنمية القطاع الزراعي، بما يشمله من الحفاظ على الرقعة الزراعية من التآكل، بل استصلاح مزيد من الأراضي الزراعية لمجابهة النمو السكاني المتزايد، وسد الفجوات الاستهلاكية ببعض السلع الغذائية. وهو ما يسهم في دعم الصناعة الغذائية، ما ينعكس بدوره على أسعار السلع الغذائية المختلفة، وتوافرها بالسوق المحلية. 

خطة الدولة

وبالفعل خلال الـ8 سنوات الماضية، شهد القطاع الزراعي دعمًا من القيادة السياسية، ونهضة لتحقيق تنمية متوازنة ومستدامة، وذلك إيمانًا من الرئيس السيسي بأن لكل مواطن على أرض هذا الوطن العظيم الحق في الحصول على احتياجاته من الغذاء الآمن والصحي والمستدام.

وقد كلف الرئيس السيسي وزارة الزراعة بوضع خطة لتعزيز وتنمية الثروة الحيوانية، لتحسين سلالات قطعان الأبقار والجاموس المحلية، وتمصير السلالات المتخصصة في إنتاج الألبان واللحوم ذات الإنتاجية العالية والمتأقلمة مع الظروف المصرية، مع زيادة الإنتاجية من الألبان واللحوم؛ لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتقليل فجوات الاستيراد، وتدعيم ورفع مستوى معيشة صغار المربين والمزارعين.

وفي سبيل ذلك، تم إنشاء قاعدة بيانات، وتحسين سلالات رؤوس الماشية المحلية، والاهتمام بالصحة والرعاية البيطرية، ودعم المشروع القومى للبتلو، وتطوير مراكز تجميع الألبان، وتنفيذ مجموعة من الإجراءات الداعمة للخطة. 

ومن أجل إعداد قاعدة بيانات مدققة، تم التوجيه بإجراء حصر شامل للثروة الحيوانية في كل أنحاء الجمهورية؛ بهدف التخطيط وتحديد الاحتياجات من اللحوم وإدارة ملف الاستيراد، من خلال تحديد أعداد العجول الذكور وحساب الناتج المحلي منها وتحديد الكميات المسموح باستيرادها بما يحقق التوازن المطلوب.

كذلك تحديد وتخطيط كميات الألبان المنتجة، من خلال تحديد أعداد الإناث وأعمارها وسلالاتها وأماكن تمركزها؛ لربطها بسلاسل القيمة ومراكز تجميع الألبان. ورسم خريطة توزيع الثروة الحيوانية؛ بهدف تحديد أماكن تمركز السلالات المحلية والمستوردة، وتحديد احتياجاتها، ورسم خريطة الاحتياجات من الرعاية البيطرية ومن الأمصال واللقاحات، بما يسهم في توزيعها على أماكن تمركز الثروة الحيوانية، وبما يساعد في تخطيط توزيع الأمصال واللقاحات اللازمة للتحصين قبل المواعيد بوقت مناسب، وتحديد احتياجات صغار المربيين الأولى بالرعاية في القرى وتوابعها من الخدمات التمويلية والتأمينية وأساليب التربية والرعاية؛ بهدف مساعدتهم على زيادة الإنتاجية وتحسين مستوى دخولهم استهدافًا لحياة كريمة لهم.

وكذلك تم رفع كفاءة بعض الوحدات البيطرية وتدعيمها بالأجهزة اللازمة، وتطوير مراكز التلقيح الاصطناعي التابعة لوزارة الزراعة (وتشمل عدد 4 مراكز في: العباسية – العامرية – سخا – بني سويف)، وتوفير احتياجاتها من الأجهزة. كذلك تجهيز أكثر من 630 نقطة تلقيح اصطناعي جديدة بالقرى؛ بهدف الوصول إلى صغار المربين وتدريب وإعداد ملقحين اصطناعيين وإكسابهم الخبرات اللازمة لنشر الوعي والإسراع في تنفيذ الخطة وتدريب صغار المربين على برامج التغذية والرعاية للقطعان، بما يتناسب مع نوعية السلالات والغرض من التربية. 

وبلغ عدد الحالات التي تم تنفيذ هذا البرنامج عليها حوالى 2.6 مليون جرعة أعطت نتائج إيجابية لأكثر من مليون رأس خلال الفترة من 2020 حتى الآن. وأكدت نتائج المتابعة من جانب المختصين بوزارة الزراعة أنه قد حدث بالفعل تغير في صفات الولادات من السلالات المحلية، وزيادة في معدل تحويل تسمين الذكور المولودة (من 0.8 – 1 كجم) لتصل إلى (1.2 كجم /يوم)، وزيادة في كميات الألبان من 5-7 كجم لبن/يوم لتصل إلى 10 كجم لبن يوميًا.

وبالنسبة لاستيراد سلالات عالية الإنتاجية، فقد قامت وزارة الزراعة بتشجيع صغار المزارعين على إحلال سلالات الأبقار عالية الإنتاجية من الألبان واللحوم محل السلالات المحلية، فقد تم الترخيص باستيراد الرؤوس ذات الإنتاجية العالية (عجلات عشار وتحت العشار) سواء للمزارع النظامية أو لتوزيعها على صغار المربين لإحلالها محل الرؤوس المحلية، بإجراءات تمويلية ميسرة بتصديق من الرئيس على مبلغ 10 مليارات جنيه كقروض ميسرة وأسعار فائدة منخفضة تصل إلى 5% وفترات سداد تصل إلى 5 سنوات تتناسب مع الإيرادات من الرؤوس (لحوم وألبان)؛ وذلك لدعم محاور تنمية الثروة الحيوانية وتحسين مستوى معيشة هؤلاء المربين وزيادة دخولهم، 

وفي هذا الصدد، تم التنسيق مع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية وجهات التمويل ومنظمات المجتمع المدني وكبرى شركات استيراد رؤوس الماشية ذات الإنتاجية العالية، والاتفاق على أسس ومعايير ومواصفات السلالات التي يتم استيرادها لتحقيق هذا الهدف. فتم توقيع عدة بروتوكولات مع الجهات ذات الصلة للقيام بتوفير الرؤوس ذات المواصفات المطلوبة مثل: (مؤسسة مصر الخير – وزارة الأوقاف – وزارة التضامن – وأيضًا بعض مستثمري القطاع الخاص لتدعيم شراكة القطاع الخاص في هذا المحور). 

وقامت الشركة الوطنية للإنتاج الحيواني بـ: أولًا المساهمة في تدبير رؤوس الماشية وتوزيعها على صغار المربين من خلال المشروع القومي للبتلو، ثانيًا إبرام عقود مع كبرى شركات القطاع الخاص في العديد من المحافظات بتوريد عدد 60 ألف رأس تسمين لعدد 2 مجمع للإنتاج الحيواني بمحافظة البحيرة، وإدارة وتشغيل كل من المجمع المتكامل للإنتاج الحيواني والألبان بمدينة السادات بمحافظة المنوفية، ومصنع الجبن الجاف والنصف جاف ببرج العرب بمحافظة الإسكندرية.

وثالثًا توقيع بروتوكول تعاون مع أكاديمية البحث العلمي للاستغلال الأمثل للمراكز العلمية والبحثية وكافة إمكانيات الشركة من خلال مشروعات بحثية؛ بهدف توطين السلالات عالية الإنتاج من اللحوم والألبان، ورابعا قامت الشركة بالاتفاق مع الشركة المصرية السودانية على توريد 10 آلاف رأس للذببيح الفوري من دولة السودان الشقيق، وتم توريد ألف رأس للذبيح الفوري بمجزر سفاجا ويجرى استلام باقي الشحنات على دفعات.

ولتكامل المنظومة، يأتي دور منظومة المحاجر البيطرية والرقابة عليهاـ وخاصة المحاجر الحدودية -والتي تم تجهيزها بمعامل الصحة الحيوانية، والبالغ عددها 28 محجرًا- للحفاظ على الصحة الحيوانية ومنع انتقال أي أمراض عابرة للحدود.

مجمع السادات

قد تم افتتاح مجمع إنتاج الألبان بمدينة السادات بمحافظة المنوفية، الاثنين 13 من يونيو الجاري، المقام على مساحة ألف فدان ويتكون من 6 مزارع نموذجية و5 مزراع حلاب بإجمالي طاقة استيعابية 5 آلاف رأس حلاب، مزودة بأحدث المحالب الآلية، وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمجمع 1.5 طن لحوم حية دورة ونحو 3 آلاف رأس تسمين على مساحة ألف فدان. 

ويشمل المجمع مستشفىً بيطريًا، ومبنى للولادة وآخر للتلقيح الصناعي، و6 مزارع فرعية، و5 حلاب، ومزرعة تسمين على مساحة ألف فدان. بالإضافة إلى توفير الأجهزة والمعدات الخاصة بحفظ الألبان ونقلها. وهذا بخلاف محطة معالجة مياه الصرف الصحي الآدمي بطاقة 100 متر مكعب/يوم. ويضم المركز محرقتين للتخلص الآمن والصحي من المخلفات البيولوجية، بجانب مجرشتين بقدرة 10 أطنان/ساعة لجرش الحبوب وتجهيز الأعلاف و7 آبار إرتوازية. 

ويضم المجمع المركز العلمي البيطري للأبحاث والتدريب، والذي تم إنشاؤه ليكون مركزًا للأبحاث والتطوير لمواكبة التطور العلمي في مجال تنمية الثروة الحيوانية والمساهمة في التحسينات الوراثية؛ بغرض توطين السلالات عالية الإنتاج من اللحوم والألبان، وإتاحة الفرصة لتدريب طلبة الدراسات العليا بالجامعات المصرية والمراكز البحثية. وتم إنشاء المزرعة البحثية التي تقع على مساحة 4 أفدنة والتي تهدف إلى إجراء الأبحاث اللازمة لتحسين السلالات العلفية المحلية وإنتاج سلالات علفية جديدة ملائمة للبيئة المصرية.

وبخلاف المجمع المتكامل للإنتاج الحيواني والألبان بمدينة السادات، تم إنشاء المجزر الآلي المتكامل بسفاجا بمحافظة البحر الأحمر بطاقة إنتاجية 320 رأسًا على الوردية، ومحجر بيطري بطاقة استيعابية 5 آلاف رأس، ومصنع لإنتاج مصنعات اللحوم بطاقة إنتاجية 150 طنا/اليوم، ووحدة معالجة المخلفات للحفاظ على البيئة والصحة العامة. وتم إنشاء 3 مجمعات للإنتاج الحيواني وإنتاج الألبان بطاقة استيعابية 30 ألف رأس تسمين وألفي رأس حلاب بمحافظتي البحيرة والوادي الجديد.

ختامًا، الدولة اتخذت العديد من الخطوات لتأمين أمنها الغذائي، وكان افتتاح مجمع الإنتاج الحيواني والألبان والمجازر الآلية في مدينة السادات بالمنوفية آخر حبات هذا العقد، لكن ما زال أمامها الكثير لتنفيذه لتحقيق الاكتفاء الذاتي بكثير من السلع التي مازالت تعاني من فجوة إنتاجية، كالتوسع في استصلاح وزراعة الأراضي الجديدة بمشروع المليون ونصف مليون فدان والدلتا الجديدة وتوشكى وشرق العوينات، لإنتاج المزيد من محاصيل الاستهلاك البشري، أو المحاصيل العلفية (مثل السورجم أو الذرة الرفيعة والذرة والصويا وعباد الشمس) لتغطية العجز في مصر الذي لا يقل عن 80%، مع التوسع الأفقي في المحاصيل باللجوء للأصناف والهجن عالية الإنتاجية التي تنتج 40 إردبًا للفدان، وهو ما يؤدي إلى انخفاض تكاليف إنتاج الثروة الحيوانية، وتشجيع المستثمرين على الاستثمار في صناعة الإنتاج الحيواني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى