مصر

منظومة الدعم في مصر.. زيادة المخصصات وخطوات للرقمنة

اتخذت الدولة المصرية خطوات جادة نحو تطبيق استراتيجية التحول الرقمي في منظومة الدعم، وخاصة “التموين”، بحيث يتم ربط جميع قواعد البيانات الموجودة بالدولة وتحويلها إلى أرقام يمكن تحليلها إحصائيًا؛ لترشيد اتخاذ ودعم القرارات بما يضمن التوزيع الأمثل للموارد، وتقديم الدعم لمستحقيه. وعلى مدار السنوات الماضية، تطورت منظومة الدعم على أصعدة متعددة، سواء في حجم الدعم، أو شكله، أو نوعه، أو إجراءات توزيعه، وكذلك آليات ضبطه، فكانت أحدث تلك الآليات ما أعلنته وزارة التموين والتجارة الداخلية عن ربط بطاقات التموين بأرقام الهواتف المحمولة، والتي تكون مسجلة بالأرقام القومية للمستفيدين ببطاقات التموين؛ بهدف إنشاء بنية تحتية وإطار عمل موحد بكل ما يتعلق بأعمال الحكومة الرقمية، ويحقق تكامل الوزارات والمؤسسات المعنية، فيدرك الدعم مستحقيه.

الدعم ليس خبزًا فقط

تدعم الدولة المصرية العديد من الخدمات والبنود والمزايا الاجتماعية والاقتصادية، بيد أن الحديث عن الدعم يكاد يُختزل في دعم السلع التموينية، ويستأثر “رغيف العيش” بالسجال وبالاهتمام الشعبي لصالحه. ويبدو هذا منطقيًا؛ فدعم السلع التموينية بما فيها الخبز يستحوذ على النصيب الأكبر من مخصصات الدعم بالموازنة العامة للدولة، والتي تخطت قيمتها نحو 51 مليار جنيه لهذا العام.

هذا بالإضافة إلى ارتفاع أعداد المستفيدين من دعم الخبز مقارنة بالمستفيدين بدعم السلع التموينية، والذين يقدر عددهم بنحو 71 مليون مواطن مقابل أكثر من 63 مليون مواطن مستفيد من دعم السلع التموينية بقيمة دعم مادي قدره 50 جنيه شهريًا للمواطن الواحد، وبحد أقصى أربعة مواطنين مقيدين على بطاقة الدعم التمويني، ويتم دعم المواطن الخامس المضاف على ذات البطاقة بقمة دعم نقدي قدره 25 جنيهًا شهريًا.

على صعيد متصل، يرتبط دعم “الخبز” بإنتاج واستيراد القمح كسلعة استراتيجية تواجه العديد من التحديات على الصعيد العالمي وليس المحلي فقط، ومن المستهدف أن يتضمن دعم الخبز من موازنة 2022/2023 حوالي 8.5 مليون طن قمح، وذلك لإنتاج حوالي 90 مليار “رغيف” خبز سنويًا وفق تصريحات وزارة التموين والتجارة الخارجية، بتكلفة فعلية تصل إلى نحو 60 قرش للرغيف الواحد تتحملها الدولة، في مقابل 5 قروش فقط يتحملها المواطن المستحق للدعم، هذا إلى جانب دعم مقابل استبدال الخبز، حيث يتم دعم الخبز بنظام النقاط (حصة الفرد الواحد = 5 أرغفة يوميًا) وعليه يمكن استبدال هذه النقاط شهريًا بسلع تموينية أخرى، وقد بلغت قيمة دعم نقاط الخبر بالاستبدال هذا العام نحو 2.5 مليار جنيه.

المعاشات تحتل المرتبة الثانية من مخصصات الدعم، وقد شهدت زيادة بنسبة قدرها 13% مقارنة بالعام الماضي؛ إذ تم إقرار صرف هذه الزيادة منذ أبريل الماضي لتستهدف 10 مليون مواطن من أرباب المعاشات، وبإجمالي تكلفة مالية قدرها 38 مليار جنيه. من جهة أخرى، بلغت تسويات معاش الأجور المتغيرة نسبة قدرها 80% من العلاوات الخاصة وغير المنتظمة، بإجمالي تكلفة مالية قدرها 35 مليار جنيه، علاوة على ارتفاع مخصصات معاش برنامج الحماية الاجتماعية “تكافل وكرامة” من 19 مليار جنيه في موازنة 2020/2021 إلى 22 مليار جنيه في موازنة 2022/2023.

وعلى صعيد الخدمات، بلغت قيمة دعم المواد البترولية أكثر من 28 مليار جنيه هذا العام بزيادة تقترب من الضعف مقارنة بالعام الماضي، أما عن توصيل الغاز الطبيعي للمنازل فقد بلغ دعم مخصصاته أكثر من 3.5 مليار جنيه، كذلك وصلت قيمة دعم الصادرات نحو 6 مليار جنيه، و5 مليار جنيه لفاتورة دعم الإسكان الاجتماعي. أما عن الدعم الصحي، فقد بلغت مخصصات دعم التأمين الصحي وعلاج المواطنين ما يقرب من 9 مليار جنيه مصري من موازنة هذا العام، وتخطت مخصصات دعم وسائل النقل العام بما فيها السكك الحديد ومترو الأنفاق مليار و700 مليون جنيه.

تطور منظومة الدعم

فرض التضخم السكاني حواجز استدعت تطوير منظومة الدعم، فقد تزايد عدد السكان من 89 مليون نسمة عام 2014 إلى 102 مليون نسمة عام 2020، ومن المتوقع أن يتخطى 104 مليون نسمة بحلول العام القادم، لذا أقرت الدولة مجموعة من ضوابط مد غطاء الحماية الاجتماعية، واستحدثت برامج مخصصة للشرائح الأولى بالرعاية منذ عام 2015، جاء ذلك بالتزامن مع إجراءات الاصلاح الاقتصادي، حيث شرعت في استبدال نوع الدعم من عيني إلى نقدي مباشر.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى اتخذت الدولة إجراءات حاسمة في القضاء على أزمات السوق السوداء “دقيق القمح بالمخابز”، والتي تعتمد على عمليات تهريب الدقيق المدعم، وكانت أولى خطوات القضاء على هذه الأزمة هي تعديل اللوائح المنظمة وإلغاء حصص المخابز من الدقيق واستبدالها الشراء بأسعار السوق بها، وهو ما يعرف بنقل دعم الخبز إلى نهاية سلسلة التوريد، فتمت تغطية تكاليف الإنتاج من خلال ودائع نقدية مباشرة يتم إيداعها في الحسابات المصرفية للمخابز بشكل يومي.

كذلك تم تدشين نظام إلكتروني تم بموجبه تحويل بطاقات التموين الورقية إلى بطاقات الكترونية “البطاقات الذكية” تُستخدم لصرف السلع التموينية والخبز، والتي كان لها أثر مباشر في القضاء على طوابير المخابز. وعلى خلفية هذه الضوابط، تم تثبيت سعر رغيف الخبز بقيمة خمسة قروش ضمن بطاقات التموين المميكنة، وتمت إتاحة بطاقات إلكترونية لأصحاب المخابز تسمى “الكارت الذهبي”، تمكنهم من صرف ما يصل إلى 500 رغيف يوميًا للمواطنين الذين لا يمتلكون بطاقات تموين إلكترونية، أو الذين يواجهون مشكلة في تسجيل البطاقات أو ربطها بمنظومة دعم الخبز.

كان لتلك الاجراءات نتائج وآثار ايجابية مباشرة، فقد أسهمت رقمنة الدعم في انشاء قاعدة بيانات الكترونية ضخمة، الأمر الذي اقتضى المضي قدمًا نحو التحول الرقمي، فدعت وزارة التموين والتجارة الداخلية المواطنين في مايو الماضي إلى تسجيل أرقام هواتفهم المحمولة على منظومة البطاقات التموينية؛ بهدف ربط المنظومة بالمحول الحكومي الرقمي، وذلك بالتعاون مع وزارة الاتصالات. وبمجرد تسجيل الرقم القومي للمواطن ورقم هاتفه المحمول ورقم بطاقته التموينية تكتمل البيانات، ويتم التأكد من استحقاقه للدعم بعد مقارنتها باشتراطات أحقية الاستفادة من الدعم، كعدم امتلاك سيارة حديثة، أو عدم الانتساب إلى الشرائح المستبعدة من الدعم كأعضاء هيئة التدريس بالجامعات وغيرهم.

وقد يسرت الحكومة سبل إجراءات تسجيل الهواتف المحمولة من خلال إطلاق منصة رقمية تحت مسمى “موقع إدارة دعم مصر”، علاوة على إتاحة التسجيل من خلال مكاتب التموين العام على مستوى الجمهورية، لكن تلك السبل لم يتم الإعلان علنًا بشكل جيد، فما لبثت أن تجمهرت أعداد غفيرة أمام مكاتب التموين الفرعية في الأسبوع الأول فقط، فأعلنت على الفور وزارة التموين عن مد فترة التسجيل على مرحلتين كان المد الأول حتى نهاية يونيو، ثم تم مده مرة أخرى حتى نهاية شهر يوليو المقبل.

مجمل القول: إن رقمنة منظومة الدعم بما فيها “التموين” هي أداة مهمة لضمان الأمن الغذائي، وترجمة حقيقية نحو تمكين وتسريع التحول الرقمي، والوصول إلى حكومة ذكية يمكنها تحليل البيانات والمؤشرات الرقمية لاتخاذ قرارات تسهم في تقديم الخدمات بكفاءة أعلى، وتحد من الفساد الاداري، حيث ترسخ التكامل بين الوزرات بما يحقق الاستثمار الأمثل للأصول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى