مصراليمن

محورية الدور المصري: أبعاد وأهمية زيارة رئيس المجلس الرئاسي اليمني للقاهرة

اكتسبت زيارة رئيس المجلس الرئاسي اليمني “محمد رشاد العليمي” إلى القاهرة في إطار الجولة العربية التي يقوم بها، أهمية متزايدة في ضوء التطورات المهمة التي تشهدها الساحة اليمنية خلال الآونة الأخيرة، فضلًا عن الملفات الجوهرية التي تم التباحث بخصوصها بين الجانبين، وذلك في إطار التعويل اليمني على الدور المصري من أجل الدفع باتجاه إيجاد حلول نهائية للأزمة اليمنية، تُنهي حالة الاقتتال وتدفع باتجاه التسوية السياسية للأزمة، وفي المقابل الحرص المصري على التعاطي بفاعلية مع الأزمة اليمنية في ضوء ثوابت سياستها الخارجية، ورؤيتها للتعامل مع مُهددات الأمن القومي العربي.

أهمية الزيارة

اكتسبت زيارة “العليمي” للقاهرة أهمية كبيرة، وذلك في ضوء الاعتبارات التالية:

1- تأتي زيارة “العليمي” لمصر في إطار جولة عربية بدأها من الكويت، مرورًا بالبحرين، ووصولًا لمصر، على أن تنتهي الجولة بزيارة قطر، وهي الجولة الخارجية الأولى لرئيس المجلس الرئاسي اليمني الجديد، وهو الأمر الذي يحمل دلالة رمزية حول توجهات المجلس الرئاسي الجديد في اليمن في المرحلة المقبلة، والتي ستكون متماشية مع ثوابت وتوجهات محور الاعتدال العربي.

2- ضم الوفد اليمني الذي زار القاهرة إلى جانب “العليمي”، كلًا من مدير مكتب رئاسة الجمهورية اليمنية الدكتور يحيى الشعيبي، ووزير الخارجية أحمد بن مبارك، ووزير التخطيط والتعاون الدولي واعد باذيب، ووزير النقل عبد السلام حميد، ووزير الصحة قاسم بحيبح، والمدير التنفيذي لجهاز تسريع استيعاب تعهدات المانحين أفراح الزوبة، وبالنظر إلى الشخصيات التي تضمنها الوفد، يُمكن فهم محورية الموضوعات التي تم التباحث حولها، خصوصًا ما يتعلق بآخر التطورات السياسية والميدانية في اليمن، وجهود استعادة الاستقرار هناك، فضلًا عن الجهود الإقليمية والدولية الرامية لإحلال السلام، إضافة إلى ملفات الأمن المائي في البحر الأحمر والعلاقات الثنائية بين البلدين، وعلى رأسها ملف اليمنيين المقيمين في مصر.

3- تأتي زيارة الوفد اليمني إلى القاهرة عقب تطورات سياسية وميدانية مهمة في اليمن، والتي كان أهمها إطلاق عملية الهدنة بين الحوثيين والحكومة الشرعية برعاية الأمم المتحدة، والإعلان عن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي بقيادة “العليمي”، وهي التطورات التي أكسبت الجولة أهمية متزايدة.

دلالات مهمة

حملت زيارة الوفد اليمني إلى القاهرة، وما شهدته من مباحثات وتصريحات من كلا الجانبين، العديد من الدلالات المهمة، وذلك على النحو التالي: 

1- حملت الزيارة تأكيدًا على توجه المجلس الرئاسي اليمني نحو الانفتاح وزيادة التعاون مع حاضنته العربية، وهو التوجه الذي يأتي انطلاقًا من إدراك المجلس الرئاسي للتداعيات الكارثية التي سببها الدور الإقليمي غير العربي في اليمن، وبالتحديد الدور الإيراني، وهو ما أكده “العليمي” بقوله: “مصر تقف معنا أيضًا في إطار التحالف الداعم للشرعية الدستورية، بهدف استعادة الدولة وإسقاط الانقلاب المدعوم من إيران”.

2- أشار “العليمي” إلى أنه ناقش مع الرئيس “عبد الفتاح السيسي” المخاطر المحدقة بأمن وسلامة الملاحة الدولية، مشيرًا إلى اتفاقهما على تضافر جهود تأمين الملاحة البحرية، وهو ما يتماشى مع الرؤية المصرية – اليمنية التي تستهدف مواجهة التهديدات المحدقة بهذا الممر المائي الاستراتيجي، خصوصًا في ضوء تنامي معدلات الأنشطة الإرهابية الإيرانية في البحر الأحمر، واستغلال الجزر المتناثرة في البحر الأحمر في عمليات تهريب الأسلحة، وهي الاعتبارات التي عززت الحاجة لوجود دور تكاملي للدول المشاطئة للبحر الأحمر، لمواجهة هذه التهديدات.

3- أعرب “العليمي” عن تقدير المجلس الرئاسي لمواقف مصر الثابتة والداعمة لأمن واستقرار اليمن والمحيط الإقليمي ككل، مشيرًا إلى تطلع اليمن لتكثيف التعاون المشترك بين البلدين على مختلف الأصعدة خلال الفترة المقبلة، فضلًا عن الإشارة إلى دور مصر التاريخي في الدفاع عن استقلال جنوب اليمن من الاستعمار، وبناء الجمهورية والدولة اليمنية في ستينيات القرن الماضي، وهي تصريحات عبرت عن قناعة راسخة لدى المجلس الرئاسي الجديد، بمحورية الدور المصري في اليمن، واستراتيجية وتاريخية العلاقات الثنائية.

4- يُمكن القول إن زيارة وفد المجلس للقاهرة، والتأكيد على محورية الدور المصري في اليمن، تُمثل استجابة طبيعية للعديد من التحركات المصرية في الآونة الأخيرة إزاء الملف اليمني، حيث كانت مصر من أوائل الدول التي رحبت بتشكيل مجلس القيادة الرئاسي، وأثنت على الخطوة باعتبارها أساسًا للحل السياسي، وبالإضافة لذلك قام الرئيس “عبد الفتاح السيسي” منذ بداية العام الحالي بعقد العديد من المباحثات مع زعماء دول: الإمارات، والسعودية، والأردن، وكانت الأزمة اليمنية أحد الملفات الرئيسة في هذه المباحثات.

محددات السياسة الخارجية المصرية إزاء الأزمة اليمنية

تبنت مصر في السنوات الأخيرة مقاربة مُركبة إزاء الأزمة اليمنية، وازنت بين ثوابت السياسة الخارجية المصرية ومقتضيات الأمن القومي العربي، وكان من أبرز ركائز هذه المقاربة: 

1- تعامل الدولة المصرية مع الأزمة اليمنية بخصوصية شديدة، وذلك في ضوء الإدراك المصري للأهمية الجيواستراتيجية لليمن، وتأثير التطورات فيها على الأمن القومي العربي والمصري، فضلًا عن إدراك مصر أن حالة الاحتراب في اليمن سوف تؤثر على دور الدولة اليمنية على مستوى الإشراف على وتأمين مضيق باب المندب، وهو ما سيترتب عليه خلل فيما يتعلق باستقرار الإمدادات النفطية والملاحة البحرية، وبالتالي ترى مصر أن مسألة تأمين وحماية الممرات البحرية المرتبطة باليمن هي الأهم استراتيجيًا.

2- كان أحد المحددات الرئيسة الحاكمة للسياسة الخارجية المصرية في مرحلة ما بعد ثورة الثلاثين من يونيو 2013، هو التأكيد على ضرورة تعزيز مفهوم الدولة الوطنية في الدول العربية المأزومة، وفرض نفوذ الدولة على كافة أراضيها، وتوحيد الجيوش الوطنية، في مقابل الصعود الميليشياوي والإرهابي، خصوصًا وأن موجة التفكك والتجزؤ داخل هذه الدول، وصعود الميليشيات الإرهابية تمثل تهديدًا للأمن القومي العربي ككل.

3- في ذات السياق، كان أحد الثوابت بالنسبة للسياسة الخارجية المصرية منذ وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الحكم يتمثل في أولوية مواجهة تهديدات الميليشيات المسلحة والفاعلين المسلحين من دون الدول (على كافة اتجاهاتهم الفكرية والعقدية والأيديولوجية)، خصوصًا في ضوء ما يمثله صعود هذه الاتجاهات من تهديد لمفهوم الدولة الوطنية الموحدة، وما يترتب عليه من تفكيك لمؤسسات الدول.

4- دائمًا ما تؤكد مصر في تعاطيها مع القضايا الإقليمية والعربية على أن سلوك الدول الإقليمية غير العربية خصوصًا المنخرطة في أزمات الدول العربية هو سلوك يدفع باتجاه زعزعة الاستقرار في المنطقة ككل، وهو نهج يتفق مع أحد ثوابت السياسة الخارجية المصرية، والمرتبط برفض التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول العربية.

5- أكد الرئيس “عبد الفتاح السيسي” في مباحثاته مع “العليمي” ووفد مجلس الرئاسة اليمني، على دعم مصر لكافة الجهود الهادفة إلى تحقيق السلام في اليمن وفقًا لمرجعيات الحوار الوطني اليمني، والمبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية، ونتائج المشاورات اليمنية الأخيرة في “الرياض” برعاية مجلس التعاون الخليجي، وقـرارات مجلـس الأمن ذات الصلة، وهو تأكيد يرتبط بنهج مصر في التعاطي مع الأزمة اليمنية، وهو النهج الذي يستند إلى أولوية الحل السياسي الشامل.

6- تحرص مصر بالتزامن مع ما سبق على بذل كافة الجهود للتخفيف من معاناة الشعب اليمني، وهو ما تجسد مؤخرًا في ترحيب مصر باتفاق الهدنة، والاستجابة لطلب الحكومة الشرعية اليمنية والأمم المتحدة بتسيير رحلات طيران مباشرة بين مطاري “القاهرة” و”صنعاء” حيث انطلقت أول رحلة منها بالفعل أوائل الشهر الجاري، وتأكيد مصر على الحرص على مساعدة اليمن، وتقديم كافة أوجه الدعم للشعب اليمني.

وختامًا يمكن القول إن الزيارة الأخيرة للمجلس الرئاسي الجديد في اليمن إلى القاهرة حملت تأكيدًا على محورية الدور المصري في الأزمة اليمنية، وهو الدور الذي اتسم منذ بداية الأزمة بالموازنة بين ثوابت السياسة الخارجية المصرية، ومقتضيات الأمن القومي العربي، واستهدف بشكل رئيس دعم جهود الاستقرار في اليمن، والوصول إلى حل شامل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى