آسيا

من علمانية الدولة إلى هندوسية الدولة.. هل يعبث رئيس الوزراء الهندي بمستقبل بلاده؟

إساءة متكررة للمسلمين في الهند، جاء بعدها الاعتذار الرسمي للحزب الحاكم سريعًا ومدفوعًا بإقدام دول خليجية على استدعاء سفراء الهند لديها، وما قد يمثله ذلك من تمهيد لأزمة دبلوماسية ضخمة بين نيوديلهي وشركائها الاستراتيجيين في العواصم الخليجية؛ خصوصًا أن ردود الفعل قد تؤثر على الاقتصاد الهندي إذا ما تفاقمت الأزمة وتم الدفع بالعمالة الهندية في الخليج للعودة إلى بلادهم. ولذلك وُصف الاعتذار الهندي بأنه مناورة سياسية لرئيس الوزراء ناريندرا مودي لاتقاء الشرور.

إساءة للمقدسات

بدأت القصة بخروج مسؤول هندي في حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في الهند عبر تغريدة في حسابه على موقع تويتر تضمنت إساءة بالغة للمسلمين في أنحاء العالم، ومساسًا بمقدساتهم، وسخرية من نبيهم الكريم. ليس ذلك فحسب، بل أن المتحدثة باسم بهارتيا جاناتا خرجت في مناظرة تلفزيونية وأساءت في تصريحاتها للديانة الإسلامية ومعتقداتها، ولكنها سرعان ما قالت إنها لا تقصد الإساءة، وإن حديثها جاء ردًا على الإساءة لإله هندوسي.

الحادثة الأخيرة ليست صدمة للمسلمين في الهند؛ فمنذ وصول رئيس الوزراء الحالي إلى السلطة في عام 2014 تزايدت حوادث العنف والاضطهاد ضد المسلمين في بلد يدعي الديمقراطية والتعايش، حتى أن منظمات حقوقية دولية مثل هيومان رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية نددت بالغطاء السياسي الذي يوفره “مودي” للعنصرة ضد المسلمين الذين يشكلون ما نسبته 14% في بلد يصل تعداد سكانه إلى حوالي مليار وأربعمائة ألف نسمة. 

ويُنظر إلى انتخاب ناريندرا مودي الذي يمثل الهندوس على أنه الخطوة التي حولت الهند إلى وطن هندوسي كما يرغب أتباع الديانة الهندوسية؛ ويرجع ذلك إلى الأساس التاريخي الذي بُني على أساسه حزب بهاراتيا جاناتا، فبالعودة إلى عام 1980 نجد إنشاء الحزب الحاكم الحالي بالاستناد إلى فكرة ” الهندوتفا” والتي تشير إلى شمولية الثقافة الهندوسية.

ولذلك انتقد الحزب بشدة أداء حزب المؤتمر وممارساته العلمانية التي حكمت الهند لسنوات مطولة، ومن هنا كانت نقطة انطلاق حزب بهاراتيا جاناتا وتميزه عن بقية الأحزاب الهندية التي تتبنى المبادئ العلمانية ولا تؤمن بتفوق ديانة على أخرى. وما إن بدأ الحزب في التمكن في التسعينيات حتى أسفر عن وجهه، وكانت بداية الحوادث التي أنبأت عن مستقبل يشوبه اضطهاد المسلمين حادثة هدم مسجد بابري والذي أسفر عن اشتباكات راح ضحيتها ألف هندي معظمهم من المسلمين.

C:\Users\owner\Desktop\ace8ecf8e54e0b852b5be6ddd0ce8353_XL.jpg

مودي رئيسًا للوزراء

بوصول مودي إلى الحكم في 2014، تم التعبير بصراحة عن هندوسية الدولة أو تعميق القومية الهندوسية في البلاد عن طريق تسكين الهندوس في مناصب سياسية رفيعة؛ ولذلك فإن مبدأ علمانية الدولة أصبح مهددًا، ليس فقط لاضطهاد مئات الملايين من المسلمين، ولكن بسبب الممارسات الفوقية ضد الديانات الأخرى الموجودة في الهند، ومنها الديانة السيخية وكذا المسيحية. 

ولكن يبقى معدل الاضطهاد ضد المسلمين أكبر، وقد انتقل الأمر من هجمات أو مجازر متفرقة كل عدة أعوام ترتكبها جماعات هندوسية متطرفة -بغض الطرف عن احتمالية وجود تواطؤ من السلطات الحاكمة- إلى طرح الحكومة “قانون تعديل المواطنة” نهاية عام 2019.

وبموجب هذا القانون تنزع الجنسية عن ملايين المسلمين، ويهجرون من أرضهم في ولاية آسام شمالي شرقي الهند التي يسكنونها منذ عشرات السنين، بحجة أنهم ليسوا هنودًا أصليين ووافدين من دولة بنجلاديش، ما لم يثبتوا قدومهم إلى إقليم آسام قبل 24 مارس 1971 وهو تاريخ قيام دولة بنجلاديش، فيما يشبه مبدأ يهودية الدولة.

ولكن القانون لم يطبق بعد الاحتجاجات الواسعة التي ضربت طول البلاد وعرضها، وما شكله وصول طالبان إلى السلطة في أفغانستان من صدمة للسلطات الهندية؛ وعلى سبيل المثال، فإنه في إحدى المدن الهندية التي تدعى غورغاون تم تخصيص 42 قطعة أرض لبناء معابد السيخ، فيما خصصت قطعة أرض واحدة لبناء مسجد، مما يجعل الهند من الدول التي تعاني نقصًا في المساجد، في نفس الوقت الذي يمنع فيه المسلمون من أداء الصلاة في الأماكن المفتوحة وقد شهدت الهند واحدة من أعنف الحوادث على تلك الخلفية في عام 2018.

C:\Users\owner\Desktop\1602060_0.jpg

تهم قبل الوصول للسلطة

وعمومًا، فإن تاريخ ناريندرا مودي السياسي حافل بحوادث اضطهاد للمسلمين؛ فعندما كان رئيس وزراء ولاية غوجارات شمال غربي البلاد، ما بين عامَي 2001 و2014، اتُهم بالتواطؤ في أعمال العنف الطائفي التي وقعت في عام 2002، وعُدت من بين الأسوأ، ولكن برأته المحكمة العليا في الهند في عام 2012. ومنذ انتخاب مودي رئيسًا للوزراء، يتم الحديث عن تزايد في “جرأة” المجموعات التي تنظر إلى الهند كدولة هندوسية، وإلى المسلمين كغرباء يشكلون خطرًا.

C:\Users\owner\Desktop\india-modi.jpeg

ويكفي أن قانون المواطنة الجديد الذي حاول مودي تمريره يجعل دولة بحجم قارة مثل الهند ضحلة وخاضعة لرؤى القوميين الهندوس وعقيدة “هندوتفا” التي تدعو إلى هيمنة الهندوس على البلاد وتؤكد على الهوية الهندوسية كرمز للدولة، وهو ما يتعارض مع القيم الديمقراطية في الهند.

وعلاوة على ذلك، تنتهج حكومة “مودي” سياسة إعلامية رسمية -من خلال شاشة التلفزيون الهندي- تثير الكراهية ضد المسلمين في أسلوب يزكم الأنوف وتعلي شعار الهند للهندوس فقط. وأصبح من الاعتيادي أن نسمع تصريحات مثل أن عددًا كبيرًا من مسلمي اليوم كانوا في يوم من الأيام يدينون بالهندوسية ومن الممكن إعادتهم مرة ثانية إلى كنف الهندوسية، فقد كان هذا جزءًا من حديث موهان بهاجوات رئيس المنظمة البرلمانية الهندوسية.

وقد خلف انفصال باكستان عن الهند المزيد من التجنيب للمسلمين الذين اختاروا البقاء في نيودلهي لأنهم لم يلتحقوا بباقي المسلمين في إسلام آباد؛ إذ يُشتبه في ولائهم للجارة الباكستانية، ويقال إن المسلمين يتعاونون مع المخابرات الباكستانية لتنفيذ أعمال إرهابية على الأراضي الهندية سواء في المدن الكبرى أم من خلال التعاون مع التنظيمات الكشميرية المسلحة التي تقدرها السلطات الهندية بالعشرات، وفي مقدمتها حركة المجاهدين، وجبهة تحرير كشمير، وحركة الأنصار، وغيرها.

ويُنظر إلى المسلمين في الهند كذلك بوصفهم السبب في تقسيم شبه القارة الهندية، ويعمد الهندوس إلى تسويق خطاب تحذيري من المسلمين في الهند، عن طريق التأكيد بأنهم يسعون إلى تحويل البلاد إلى دولة مسلمة، والحديث عن أن “طالبان” و”داعش” نموذجان لما يمكن أن يحصل، ولذلك فهم يمثلون أقلية مكشوفة لأعمال العنف والتطرف.

ونشأ نوع آخر من التطرف ناحية المسلمين ناجم عن أسباب اقتصادية، وعن منافستهم للهندوس في المعيشة ضمن الطبقة المتوسطة، وذلك على الرغم من أن -ومن منحى اقتصادي على وجه التحديد- المسلمين يقبعون في أسفل السلم الاجتماعي الهندي، لأن نخبهم هاجروا بكثافة إلى باكستان، ويمكن إرجاع ذلك إلى رفضهم قبول نظام التعليم العلماني بشكل كامل.

ويفسر هذا الرفض أسباب مختلفة، بما في ذلك شعورهم بمعاناة التمييز، عن حق أو عن خطأ؛ فهم لا يرون فائدة في اتباع التعليم العلماني، لقناعتهم بأنه لا يؤدي بالضرورة إلى وظيفة؛ لأنّ عدة قطاعات من القوى العاملة، بما في ذلك الإدارات والخدمات العامة بشكل عام تتبنى في نظرهم سياسة تمييزية تجاه المسلمين.

ولذلك فإن ناريندرا مودي ومنذ وصوله للسلطة يبدو وكأنه يسير على حد السيف؛ فمن جهة لا يريد إغضاب حلفائه الإقليميين والدوليين، ومن ناحية أخرى لا يستطيع تجاهل أجندته اليمينية الهندوسية. ولكن الأوضاع العالمية ومستقبل يشوبه كساد عظيم قد يدفع مودي إلى إعادة ترتيب أولوياته واحتواء الموقف من خلال تأجيل أحلامه القومية، خصوصًا في الوقت الذي تتطلع فيه الهند ودول الخليج إلى تعزيز شراكتهما الاقتصادية بشكل كبير.

وتتطلع نيوديلهي -كثالث أكبر مستورد للنفط في العالم- إلى الشرق الأوسط للحصول على 65٪ من وارداتها من الخام. من ناحية أخرى، ترسل الهند ملايين العمال إلى دول الخليج الذين يرسلون بدورهم حوالات بمليارات الدولارات إلى وطنهم؛ فهناك أكثر من 8 ملايين مواطن هندي يشكلون الجيل الثاني والثالث للهنود في منطقة الخليج. ولذلك فإنه ليس من قبيل الحكمة السياسية استمرار حزب بهاراتيا جاناتا في استفزاز المسلمين، وخصوصًا خارج الهند.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى