أفريقيا

اتفاقية اللجوء وأثرها على رواندا

تستعد المملكة المتحدة خلال أيام لبدء تنفيذ اتفاقية ترحيل اللاجئين على أراضيها التي وقعتها مع رواندا؛ فقد تم بالفعل احتجاز اللاجئين الذين صدر قرار بترحيلهم في مقرات احتجاز لتحملهم أول طائرة يوم 14 يونيو القادم. وفي هذا السياق، أعلنت حكومة المملكة المتحدة إنها “ستستثمر 120 مليون يورو (150 مليون دولار) في التنمية الاقتصادية والنمو في رواندا”، بالإضافة إلى تمويل “عمليات اللجوء والإقامة والاندماج على غرار التكاليف المتكبدة في المملكة المتحدة لهذه الخدمات”، ووصفت الحكومتان الصفقة بأنها “شراكة في الهجرة والتنمية الاقتصادية”.

بالرغم من تعارض هذه الاتفاقية مع مبادئ قانون اللجوء وخصوصًا “مبدأ إعادة التوطين” التي يجب أن تتم طوعيا؛[1] لكن ما لم يتم قياسه هو مردود هذا القرار بإعادة التوطين في رواندا على المجتمع، وخاصة في هذا التوقيت الذي تعاني فيه رواندا من توتر العلاقات مع جيرانها من الدول الأفريقية، وخاصة الكونغو الديمقراطية.

اللجوء في المملكة المتحدة

وفقًا لإحصاءات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وبدءًا من منتصف عام 2021؛ كان هناك 135,912 لاجئًا، أي ما يوازي 0.2% من إجمالي سكان المملكة المتحدة. وذكرت الإحصائيات أن هناك 83489 حالة لجوء معلقة، و3968 شخصًا عديم الجنسية في المملكة المتحدة، علاوة على تلقي المملكة المتحدة 48540 طلب لجوء جديد.

احتلت إيران المرتبة الأولى في قائمة الجنسيات طالبة اللجوء إلى المملكة المتحدة عام 2021 (9800 طلب). أما في النصف الثاني من عام 2021، فكانت الجنسيات الخمس الأولى في طلبات اللجوء هي: إيران (6002)، وإريتريا (4412)، وألبانيا (4.010)، والعراق (3042) وسوريا (2303). وأظهر التصنيف أن اجمالي اللاجئين هو سوريين (75615)، وأفغان (49905)، وفنزويليين (19235)، وكولومبيين (18.160)، وباكستانيين (17960)، وعراقيين (16.420)، وأتراك (13845).[2]

أما عن الأسباب التي أدت إلى حالة اللجوء في المملكة المتحدة وأسباب اللجوء ففي الحقيقة تشمل كل الاسباب؛ أهم هذه الأسباب هي:

  • الأسباب السياسة والاضطهاد في الدولة الأم مثل إيران وباكستان وكولومبيا.
  • الهروب من ويلات الحروب الناشبة في الدولة الأم مثل سوريا والسودان وأفغانستان.
  • أسباب اقتصادية لسوء الأحوال الاقتصادية في الدولة الام وارتفاع نسب البطالة.
  • أسباب دينية مثل الاضطهاد الديني للأقليات وتغيير الدين.. إلخ
  • أسباب أخرى متنوعة منها ما هو اجتماعي وثقافي وبيولوجي وجنسي؛ كالصراعات العرقية.[3]

رواندا ومستويات اللجوء

قامت رواندا بإعداد فنادق خاصة لاستقبال دفعة اللجوء القادمة من المملكة المتحدة؛ أحد هذه الفنادق Rouge by Desir الذي يقع على بعد حوالي 10 دقائق بالسيارة من وسط عاصمة رواندا كيجالي. ويحتوي الفندق المكون من ستة طوابق على 72 غرفة مطلة على المدينة، ويقع في منطقة سكنية بها مزيج من المنازل والشركات المستقلة. لم يكن هذا هو الفندق الوحيد الذي تعاقدت معه الحكومة الرواندية لاستقبال القادمين من المملكة المتحدة؛ فهناك فنادق عدة كلها قريبة من العاصمة، بالرغم من عدم الإفصاح حتى الآن عن العدد الفعلي للفوج الأول.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تستقبل فيها الأراضي الرواندية لاجئين من دول أخرى؛ ففي عام 2017، قبلت رواندا 4000 لاجئ تم ترحيلهم من إسرائيل، لكن لم يتم إضفاء الطابع الرسمي على هذه العملية، وكان أغلبهم من إريتريا وجنوب السودان. ولم يبق اللاجئون في رواندا لفترة طويلة.[4] كذلك تم ترحيل لاجئين من ليبيا قُدروا بأكثر من 900 طالب لجوء، وصلوا في ثماني رحلات إجلاء من ليبيا إلى منطقة العبور عبر الحدود منذ إنشائها؛ لكن 67٪ منهم أعيد توطينهم في دول أخرى.[5]

ومن المتوقع أن من سيلتحقون بطائرة 14 يونيو سيكونون من الذين لم يتمكنوا من الحصول على الموافقة على اللجوء؛ أي من المعلقين والمتقدمين الجدد بطلبات؛ لكونهم لم يحصلوا على حق اللجوء بعد وبالتالي لا يخضعون لـ”إعادة التوطين”. لكن يصبح السؤال الذي يجب أن يطرح هنا هو مدى قدرة رواندا على استيعاب هؤلاء المُرحّلين، خاصة وأن هذه الرحلة لن تكون الوحيدة؛ فالخطة الإنجليزية ستستمر لمدة 5 سنوات، وقد تجدد في السنة الرابعة لخمس أخرى.

ويبلغ عدد سكان رواندا نحو 12,952,218 نسمة لعام 2021، وبالتالي إذا تم قبول طالبي اللجوء الجدد وعديمي الجنسية ستبلغ نسبتهم لعدد السكان 0.675%؛ هذا بخلاف اللاجئين والنازحين من دول الجوار. وفي دولة تعد الدولة الأكثر كثافة سكانية في أفريقيا يعد أي طالب لجوء ضغطا على قدراتها. وهناك 5 معكسرات بعيدة عن كيجالي العاصمة وتقع على الحدود الرواندية؛ يتراوح عدد اللاجئين ما بين 10 -20 ألف في المعسكر الواحد.[6]

يتميز الاقتصاد بمتوسط ​​نمو جيد بلغ 7.2٪ خلال العقد الماضي حتى عام 2019، بينما نما نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5٪ سنويًا، لكنه تراجع بسبب تدابير الإغلاق والتباعد الاجتماعي للسيطرة على جائحة COVID-19، مما أدى إلى تقليص الأنشطة الاقتصادية بشكل حاد عام 2020، فانخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.4٪، وهو الركود الأول منذ عام 1994.

ثم ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 11.1٪ في الأشهر التسعة الأولى من 2021، مما عكس انتعاشًا واسع النطاق مقارنة 2020. وتوسع الإنتاج الصناعي بنسبة 16.5٪ وارتفع الإنتاج الزراعي إلى 6.8٪ في نفس العام، بينما زادت الصادرات التقليدية (البن والشاي والكاسيتريت والولفرام والكولتان) بنحو 35٪ في الأشهر التسعة الأولى من نفس العام.[7]

رواندا بين المغانم والمغارم

بالطبع لم تُقدم رواندا على التوقيع على هذه الاتفاقية بدون استهداف العديد من المغانم المحفزة لاتخاذ مثل هذه الخطوة، لكن في نفس الوقت يشوب هذه الاتفاقية العديد من الخطوط الحمراء التي قد تكلف كيجالي الكثير.

أولًا- المغانم:

  • تعهدت الحكومة الرواندية بدمج المهاجرين في المجتمع الرواندي؛ لذا ستتلقى كيجالي 120 مليون يورو (145 مليون دولار) ليس للاستضافة وحدها؛ بل للتدريب المهني وتوفير أنشطة التعليم الأخرى، والوصول لسوق العمل دون معوقات. ولن يشمل هذا البرنامج الوافدين الجدد فحسب، بل سيكون متاحًا أيضًا للروانديين، الأمر الذي يعني تحسنًا ملحوظًا في الاقتصاد الرواندي مع توفير خدمات تدريبية.
  • تحاول رواندا أن تقدم نفسها للغرب على أنها الدولة الأكثر استقرارًا، ولا غنى عنها في منطقة شديدة الاضطراب. وقد نجحت بشكل جيد في هدفها؛ من خلال المشاركة في جميع بعثات السلام التابعة للاتحاد الأفريقي. ولذلك تسعى إلى تحقيقه أيضًا على أساس ثنائي، وعند نجاحه مع المملكة المتحدة يمكن أن يتكرر مع فرنسا أو ألمانيا، وهما الدولتان الاكثر استقبالًا للاجئين بأعداد أضعاف لاجئي المملكة المتحدة.
  • قد يكون من بين هؤلاء القادمين من يحمل مستويات تعليمية عالية، وبالتالي يعد مكسبًا لنقل خبرات جديدة.
  • محاولة محو الصورة القديمة عن رواندا المتعلقة بالإبادة الجماعية؛ وتقديم صورة جديدة أكثر تحضرًا.
https://www.unhcr.org/rw/wp-content/uploads/sites/4/2016/06/file-page1.jpg

ثانيًا- المغارم:

  • أثيرت مخاوف في شرق الكونغو ولا سيما شمال كيفو، المتاخمة لرواندا. حيث توجد في محيط مدينة بيني الميليشيات الجهادية “تحالف القوات الديمقراطية” منذ سنوات. ويُخشى أن يتحول اللاجئون كمصدر تجنيد لتلك الميليشيا، خاصة وأنهم ناقمون بسبب ترحيلهم قسريا.
  • غضب المؤسسات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش من هذه الاتفاقية؛ كونها تنتهك أهم المعاهدات الدولية للاجئين وهي اتفاقية جنيف، لقيام المملكة المتحدة بترحيل طالبي اللجوء إلى دولة متهمة بعدم احترام حقوق الإنسان، والقمع السياسي، والاعتقالات التعسفية وتسييس القضاء. فقد اتُهمت كيجالي باغتيال معارضين في الخارج وفي عام 2018، قتلت الشرطة الرواندية 12 لاجئًا بعد احتجاج في منطقة كارونجي بسبب التدافع أثناء توزيع حصص الطعام.[8]
  • السماح للاجئين الجدد بالنفاذ إلى سوق العمل سيخلق منافسة شديدة مما يزيد من فرص عدم الاستقرار.
  • قد تتسبب التفرقة ما بين معاملة لاجئي المملكة المتحدة وباقي اللاجئين القادمين من جهات أخرى في نشوب نزاع داخلي؛ نظرًا إلى عدم المعاملة بالمثل، مما سيضع عبئًا ثقيلًا مستقبلًا على النظام لحفظ الأمن. ويتمثل الكيل بمكيالين ليس فقط في اختلاف مستوى مناطق الاستضافة من معسكرات في مناطق حدودية نائية لا تتوافر فيها الخدمات الأساسية إلى فنادق مجهزة بتجهيزات أفضل؛ بل أيضًا حجم الانفاق على كل منهما.
  • اختلاف الثقافة ما بين المُرحّلين قسريًا وبين الروانديين قد يتسبب في نشوب الصراع، وخاصة أن منهم أسباب لجوئه قد لا تجعله مقبولًا في المجتمع الحاضن الجديد، ومنهم من أتى من مجتمعات غير أفريقية.
  • ما هو الضامن لعدم عودة هؤلاء المرحّلين قسرًا من المملكة المتحدة والهرب مرة أخرى؛ خاصة إذا تمت عملية الترحيل قسريًا كما هو حادث بالفعل؟ فقد نشرت الصحف البريطانية دخول 17 من المحتجزين بهدف الترحيل في حالة إضراب عن الطعام بل والتهديد بالانتحار.[9]
  • ما الذي يضمن استمرار النظام في كيجالي في معاملة اللاجئين وفقًا للاتفاقية واستمرارهم في نفس المستوى الحالي من توفر الحياة الفندقية وقلة الأعداد مقارنة بمعسكرات اللجوء الأخرى؟

ومن ثم قد تكون هذه الاتفاقية -إذا تم تنفيذها فعليًا- طوق نجاة لنظام الرئيس الرواندي كاجامي داخليًا وإقليميًا ودوليًا؛ لكنها في نفس الوقت قد تصبح القنبلة التي يمكن أن تفجر نظامه.. وهو الاحتمال المرجح.


[1] المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين

[2] Asylum in the UK, UNHCR (Geneva: UN, 1st. May. 2022)

[3] أسباب مثل الهوية الجندرية والتمييز الجندري

[4] What does Rwanda gain from the refugee deal with the UK?, Kris Berwouts (Brussel: Mondiaal Nieuws, 26th. Apr. 2022)

[5] First evacuation flight of 2022 from Libya to Rwanda brings over 100 asylum seekers to safety, UNHCR (Geneva: UN, 30th. Mar, 2022)

[6] Where We Work, UNHCR’s Presence in Rwanda, UNHCR (Geneva: UN, Dec, 2019)

[7] The World Bank in Rwanda, world Bank (Washington, D.C.,: 15th. Feb., 2022)

[8] UK-Rwanda asylum seekers’ deal: Good news for Kigali hotels, BBC (London: 20th. May. 2022)

[9] Asylum seekers stage hunger strike as UK prepares Rwanda deportation: Mohamed Shalaby and Emir Nader, BBC (London: BBC, 3rd. Jun. 2022)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى