أفريقيا

هل نجحت قمتا “مالابو” في التصدي للأزمات الأفريقية؟

تواجه القارة الأفريقية جملة من التحديات المُلحة سواء تلك المُتعلقة بالأبعاد الإنسانية وكذلك النواحي الأمنية؛ فالقارة تعاني من تداعيات التغير المناخي إلى جانب التأثيرات السلبية التي خلفتها جائحة كورونا. من ناحية أخرى، تعتبر التغيرات غير الدستورية للحكومات في أفريقيا، وكذلك تصاعد العمليات الإرهابية من أبرز العوامل التي تعيق الاستقرار في القارة. ومن هذا المنطلق، احتضنت مالابو عاصمة غينيا الاستوائية في أواخر شهر مايو2022، الدورة الاستثنائية الخامسة والسادسة عشرة لمؤتمر قمتي الاتحاد الأفريقي التي انعقدت على مدار يومين. وفي اليوم الأول قام الزعماء الأفارقة بمناقشة التحديات الإنسانية التي تواجهها القارة الأفريقية، وقد جاءت القمة تحت شعار “القمة الإنسانية الاستثنائية ومؤتمر التعهدات”، وفى اليوم التالي، تم تسليط الضوء على الإرهاب والتغييرات غير الدستورية للحكومات في أفريقيا. 

سياق انعقاد قمتي مالابو

تأتي القمتان الاستثنائيتان في سياق انشغال المجتمع الدولي بمتابعة مستجدات الحرب الروسية الأوكرانية الجارية، وبلا شك أن البلدان الأفريقية تعاني من تداعيات هذه الحرب؛ إذ تعاني البلدان الأفريقية من ارتفاع أسعار السلع الغذائية، لاعتماد أغلب الدول الأفريقية على روسيا وأوكرانيا في استيراد السلع الغذائية، بوصفهما المصدرين الرئيسين للقمح والذرة، كما ترتب على الحرب الجارية توجيه المجتمع الدولي جزء كبير من المساعدات الإنسانية لصالح شرق أوروبا على حساب الدول الأفريقية. 

من ناحية أخرى، يتسم السياق الأفريقي بعدم الاستقرار؛ إذ تشهد منطقة القرن الأفريقي تصاعد هجمات حركة الشباب المجاهدين في الصومال، كما تتسم الأوضاع في غرب أفريقيا بالتوتر، حيث شهدت هذه المنطقة حدوث 3 محاولات انقلابية خلال 2021-2022، إلى جانب قيام الجماعات الإرهابية لاسيما تنظيما القاعدة وداعش باستغلال البيئة المضطربة للانتشار وشن الهجمات الإرهابية.

قمة التحديات الإنسانية الأفريقية 

نُلاحظ أن التحديات ذات الطابع الإنساني تحتل أهمية لدى القادة الأفارقة، وهو ما تجلى في تخصيص اليوم الأول لمؤتمر قمة الاتحاد الأفريقي لمناقشة التحديات الإنسانية التي تواجه القارة الأفريقية ومحاولة إيجاد حلول لها. وقد استعرض رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فقي خلال “القمة الإنسانية الاستثنائية ومؤتمر التعهدات”، الأوضاع الإنسانية الحرجة التي تمر بها دول القارة؛ إذ تشهد بلدان القارة أعلى مستوى لانعدام الأمن الغذائي، حيث يعاني أكثر من 25 مليون شخص في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي من انعدام الأمن الغذائي، وكذلك معاناة 58 مليون شخص في غرب ووسط أفريقيا. كما تطرق إلى قضية اللاجئين والمشردين داخليًا في القارة، حيث يتواجد 4.5 ملايين لاجئ في منطقة شرق أفريقيا والقرن الأفريقي. 

وهناك عدد من العوامل تؤدى إلى تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي، نجد من أبرزها التغير المناخي، فبحسب تقرير حالة المناخ في قارة أفريقيا الصادر عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، سيؤدى التغير المناخي إلى انخفاض 3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2050، وسيواجه 118 مليون أفريقي الذين يعانون من الفقر المدقع الظواهر المناخية الشديدة مثل الفيضانات وموجات الجفاف المتلاحقة. 

وفى هذا الجزء من التقرير، نحاول استعراض أبرز مخرجات القمة الإنسانية، وذلك على النحو التالي:   

  • جائحة فيروس كورونا: تعزيز البنية التحتية للقارة الأفريقية والقدرات في مجال تصنيع اللقاحات ونقل التكنولوجيا لتمكين القارة من مواجهة الطوارئ الصحية في المستقبل، وكذلك دعم إنشاء الوكالة الأفريقية للأدوية لضمان جودة وسلامة التكنولوجيا وتوفير الوصول العادل إلى الأدوية بأسعار معقولة بما في ذلك للمهاجرين واللاجئين والنازحين.
  • الأمن الغذائي: قررت القمة إنشاء شبكات أمان للحماية الاجتماعية تكون شاملة للجميع، وتعزيزها لتلبية احتياجات المجتمعات المتضررة من الأزمات، وتفعيل مبادرات التكيف الأفريقية ولا سيما التكيف في القطاع الزراعي الأفريقي، وصياغة سياسة قارية للتنمية المستدامة للحد من مخاطر الكوارث ووضع أنظمة الإنذار المبكر.
  • التغير المناخي: الدعوة لإنشاء تحالف أفريقي للتصدي للتغير المناخي من خلال تنفيذ المبادرات الأفريقية، بحيث يرتكز التحالف على أساس تنسيق الإجراءات على المستويين الإقليمي والقاري. 
  • وفيما يتعلق بإعادة الإعمار والتنمية في فترة ما بعد النزاعات: قررت القمة دعم مركز “الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية في فترة ما بعد النزاعات ” الذي تحتضنه القاهرة، لضمانة التنفيذ الفعال لمشاريع الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية في فترة ما بعد النزاعات والتي تعالج الاستجابات الإنسانية والاستجابة لحالات الطوارئ في القارة.
  • وجدير بالذكر أن، أهم ما تمخضت عنه القمة الإنسانية هو إنشاء الوكالة الإنسانية الأفريقية، بحيث تكون تابعة لمنظمة الاتحاد الأفريقي، وتعمل على صياغة موقف أفريقي مشترك إزاء التحديات الإنسانية في القارة الأفريقية، وهو ما يتطلب تعبئة الموارد الأفريقية لتمويل العمل الإنساني.   

قمة الإرهاب والتغيرات غير الدستورية

جاءت القمة الاستثنائية لتسلط الضوء على التهديدات التي تزعزع أمن واستقرار القارة الأفريقية، وقد دقت القمة ناقوس الخطر بشأن التغيرات غير الدستورية للحكومات الأفريقية باعتبارها ظاهرة تشكل تراجعًا في العملية الديمقراطية، وكذلك اتساع نطاق ظاهرة الإرهاب والتطرف العنيف في القارة. وتعكس كلمة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فقي عن الإدانة الكاملة لحدوث الانقلابات العسكرية في القارة الأفريقية بذريعة عجز الحكومات المدنية على مكافحة الإرهاب. 

ونجد أن سوء الإدارة وتدني المستوى الاقتصادي والفساد عوامل مُحفزة لحدوث ظاهرتي الإرهاب والتغيرات غير الدستورية؛ إذ تستغل الجماعات الإرهابية هشاشة الدولة وتدهور مستوى المعيشة لتجنيد المزيد من المقاتلين وتشجيعهم للانضمام في صفوفهم، كما أن هذه الأوضاع المضطربة تُشجع القادة العسكريين للاستيلاء على السلطة وإزاحة الحكومات المدنية. 

ولعل أبرز مخرجات هذه القمة الاستثنائية هو تبني مبادرة الجزائر بشأن تعزيز التعاون بين بلدان القارة الأفريقية لمكافحة الإرهاب من خلال صياغة استراتيجية أفريقية لتجفيف منابع الإرهاب، والتأكيد على أن التغيرات غير الدستورية للحكومات الأفريقية عامل محفز للفوضى واستدعاء التدخلات الخارجية في شؤون القارة، وهو ما يتوجب تكثيف الجهود الأفريقية لمعالجة هذه التهديدات التي تشكل حجر عثرة أمام التنمية السياسية والاقتصادية

وفي الختام، يمكن القول إن انعقاد القمّتين الاستثنائيتين بمثابة فرصة لمناقشة الأزمات التي تواجه القارة الأفريقية، ولكن تحتاج الدول الأفريقية إلى تنفيذ ما تم التوافق عليه وتحويله على أرض الواقع لمعالجة الأزمات المركبة التي تعاني منها القارة، كتعزيز دور المؤسسات الأفريقية المعنية بمحاربة الإرهاب والتطرف ولجنة أجهزة الأمن والاستخبارات الأفريقية. والعمل على البدء في إنشاء الوكالة الإنسانية الأفريقية وتفعيل دورها في التصدي للأزمات الإنسانية التي تعاني منها القارة. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى