دول المغرب العربي

قيس سعيد والاتحاد التونسي للشغل.. صراع أم مناورة؟

تبدو ملامح العلاقات المتشابكة بين الرئيس التونسي قيس سعيد ومعارضيه متباينة الرؤى والأهداف، بيد أن التداعيات السياسية تظل هي نقطة التفاعل المركزية في كافة تفاصيلها، خاصة مع التطورات المتسارعة التي جرت خلال الأيام الأخيرة من شهر مايو الماضي. ويتمركز الاتحاد العام للشغل في جبهة معارضة الرئيس ويطالبه منذ إجراءات الخامس والعشرين من يوليو 2021 بمشاركته الحوار والسياقات التي ينبغي أن يشرع فيها لتجاوز المرحلة الانتقالية وصياغة دستور جديد للبلاد.

في زاوية أخرى، تمترس راشد الغنوشي وقيادات حركة النهضة للرئيس التونسي، قيس سعيد، ويترقبون على مهل إجراءاته التنفيذية وما يترتب على ذلك من إرتفاع كلفتها سياسيًا، واصطفاف معارضة جديدة لتوجهاته الأحادية، مما يدفع طموحهم إلى تصور تحالفات جديدة قد تبلور تحركات ميدانية ضد الرئيس.

نحو ذلك، يمكن قراءة الأحداث الأخيرة وينبغي تفحص ما جرى بعناية ودقة شديدتين؛ إذ حرص الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل نور الدين الطبوبي على أن تتوازن تصريحاته بحيث تبدو واقعية في تبيان رفضه لإجراءات سعيد الفردية، غير أنه يحرص بشدة أن يظهر -رغم المعارضة- داخل حيز قرارات 25 يوليو وما ترتب عليها من واقع سياسي جديد.

إلى ذلك، جاءت التصريحات الأخيرة للطبوبي تقول: “يمكن الاختلاف معه (الرئيس) لكن الرجل كان واضحًا ويرفض الاستماع لهذا أو ذاك ونحن نحترم هذا.. نحن أيضًا واضحون ولن نزج بالاتحاد في المجهول”. وتابع: “لن نشارك طالما ليس هناك مراجعات لإنجاح النقاش حول الخيار السياسي وعديد الأوضاع. نحن اليوم في أمس الحاجة حتى يتجمع الجميع حول مشروع وطني”.

هذا التصور الذي يسيطر على مكونات المنظمة الشغيلة في تونس وقياداتها التنفيذية يرجع في الأساس إلى عنصري السياسة والاقتصاد؛ إذ يدرك الطبوبي ورفاقه جيدًا أن ما جرى خلال السنوات الأخيرة لا ينبغي أن يتكرر بأي صورة، وعلى الاتحاد ألا يبرح مقعده في الصفوف الأولى لصياغة القرارات والرؤى الخاصة بالبلاد. 

ولذلك يضغط الاتحاد كثيرًا بورقة الحوار وصياغة الدستور على الرئيس، فضلًا عن كون المنظمة تدرك جيدًا أن الواقع الاقتصادي للبلاد في حالة حرجة وثمة احتياج لدعم خارجي من المؤسسات الدولية التي تشترط اصطفاف القوى الوطنية وموافقة الاتحاد، الأمر الذي يبدو واضحًا في تصعيد الطبوبي بتنظيم إضراب عام، وما ينتج عن ذلك من آثار اقتصادية وتداعيات سياسية داخليًا ودوليًا.

في الجهة الأخرى وتفعيلًا لفكرة المحاسبة التي يدعو إليها عديد الفاعلين السياسيين التونسيين، شهدت المحاكم التونسية أحكامًا قضائية ضد سيف الدين مخلوف من قيادات ائتلاف الكرامة؛ بتهمة إثارة الفوضى والتهجم على عناصر الأمن في حادثة شهدها مطار قرطاج الدولي خلال شهر مارس من العام الماضي.

واقعة المطار منحت الغنوشي مساحة من الهجوم ضد الرئيس التونسي عبر بيان صدر عن رئاسة البرلمان المنحل حمل توقيعه منتقدًا الأحكام الصادرة ووصفها بـ”الجائرة”، مضيفًا أنها “دليل آخر يضاف إلى كل الأدلة السابقة والتي جاءت لتكرس أساليب الديكتاتورية التي لفظها الشعب”.

الغنوشي صاغ كلمات البيان بعناية، مشتبكًا مع قراءة مستقبلية أدرك فيها ضرورة وجود تحركات إجرائية ضده وآخرين من حركة النهضة في القضايا المنظورة أمام المحاكم التونسية، فضلًا عن صياغة البيان في صورة التنديد “بالأساليب الديكتاتورية” ليتواءم مع مقتضيات التحرك التكتيكي في تلك الأثناء، ويهدف مرحليًا إلى أن يعثر لنفسه ولحركته على مقعد في صفوف المعارضة التي تشكلت على تخوم إجراءات 25 يوليو. 

ما قدره الزعيم التاريخي للنهضة لم يتأخر كثيرًا بعد إصدار القضاء التونسي قرارًا بحظر السفر بحق أربعة وثلاثين متهما في قضية اغتيال المعارضَين اليساريَين شكري بلعيد ومحمد البراهمي عام 2013. وتعود القضية التي عرفت إعلاميا بقضية الجهاز السري للنهضة إلى عام 2018، عندما كشف فريق هيئة الدفاع عن ملف اغتيال البراهمي وبلعيد وجود وثائق وأدلة تفيد بامتلاك النهضة لجهاز سري أمني موازٍ للدولة، متورط في اغتيال المعارضين، وفي ممارسة التجسس واختراق مؤسسات الدولة، والتستر على الأدلة وملاحقة خصوم الحزب.

نقطة أخرى لافته في تلك التصريحات التي كشفت عن حظر سفر المتهمين إلى خارج تونس، وهي أن اسم الغنوشي هو الوحيد الذي كُشف، فيما لم يفصح عن الأسماء الأخرى في تصريحات الناطقة باسم المحكمة الابتدائية بأريانة فاطمة بوقطاية التي أوضحت أيضًا أن توسيع قرارات حظر السفر لتشمل 34 متهمًا جاء بطلب من وزيرة العدل ليلى جفال إلى الوكيل العام، إذ كانت القائمة تضم 16 متهمًا فقط، مما يؤكد أن المعلومة موجهة إلى شخص رئيس البرلمان المنحل.

اللقاء المرتقب بين الحكومة والمنظمة الشغيلة خلال الأسبوع الأول من شهر يونيو، بحسب الناطق الرسمي باسم الحكومة ووزير التشغيل والتكوين المهني نصر الدين نصيبي، يستهدف في الدرجة الأولى فض الاشتباك بين الحكومة والاتحاد عبر عدد من الاتفاقيات فيما بينهما، خاصة بالعمال وحقوقهم. ويأمل الرئيس أن تتحرك الأمور بين الرئاسة والاتحاد من خلال بوابة الاقتصاد وحقوق العمال.

بهذه الخطوة تسعى الحكومة التونسية، من خلال تحديد هيكل زمني لتنفيذ رزنامة اتفاقية فبراير عام 2021، نحو فض الاشتباك بين الحكومة والاتحاد حول التعاون مع صندوق النقد الدولي والتداعيات المحتملة على المواطنين جراء الأوضاع الاقتصادية التي يشهدها العالم منذ جائحة كورونا. 

وربما ذلك تجده بسهوله أيضًا في تصريحات وزير التشغيل والتكوين المهني نصر الدين نصيبي حين شدد على أن تونس لن تقبل التخفيض في كتلة الأجور أو رفع الدعم، مؤكدًا أن الحكومة بصدد التفاوض مع الصندوق قصد إكساب البرنامج “مرونة” تجعله لا يضر بالمقدرة الشرائية للمواطن، وإصلاح الاقتصاد في الوقت نفسه.

إلى ذلك لا يُرى في الأفق ما يمكن أن يجمع المنظمة الشغيلة بتشكيلها الحالي مع النهضة وزعيمها الغنوشي، لا سيما أن الأخير بصورة أو بأخرى يدرك أن ما يجمعه قديمًا بالطبوبي لن يمنحه أي مساحة حركة. بيد أنه يُعول على حرج الاتحاد وقياداته سياسيًا وهو يصطف مع الرئيس. وفي كل الأحوال، فإن الاتحاد والرئيس لن يسيرا في خطوط متوازية طويلًا، ومن المرجح أنهما سيدركان سريعًا نقاط الالتقاء، وقبل أن يقترب موعد اقتراع الدستور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى