الأزمة الأوكرانية

توجهات الداخل الروسي فيما بعد الحرب.. كيف يمتص الكرملين الغضب الشعبي؟!

أدلى الرئيس الروسي، “فلاديمير بوتين”، 9 مايو، بخطاب محوري بمناسبة ذكرى “يوم النصر”. ويستمد هذا الخطاب أهميته “المحورية”، ليس انطلاقًا مما احتوى عليه من الإعلان عن قرارات جديدة بشأن الحرب في أوكرانيا كما هيأت صحف دولية الرأي العام العالمي قبيل ذلك التاريخ. بل من منطلق الاهتمام الكبير الذي أولاه، “بوتين”، خلال خطابه للجبهة الداخلية وتهيئتها وإعادة توجيهها نحو قبول حتمية الحرب. بالشكل الذي يأخذنا للبحث في تساؤلات عديدة حول تحولات الرأي العام الداخلي في روسيا إزاء الأحداث الجارية. وكيف من الممكن حساب المسافات بين الشعب والحرب من جهة، والكرملين والشعب أمام الحرب من جهة أخرى. وصولًا إلى الإجابة عن سؤال نهائي حول هل من الممكن أن تدفع الحرب الشعب الروسي للثورة على “بوتين”؟ 

تقلبات الداخل الروسي: صعود خافت وصمت غاضب

نقترب من مرور مائة يوم على اندلاع الحرب بين روسيا والعالم الغربي متمثل في أوكرانيا. وليس من الممكن احتساب تقلبات الرأي العام الداخلي على أساس دفعة واحدة على طول فترة الحرب. نظرًا لأن الموقف قد شهد تقلبات تضمنت صعودًا وهبوطًا على طول فترة الحرب الجارية، وخلال الأيام التي سبقت اندلاعها كذلك. لذلك ينقسم الحديث عن موقف الداخل الروسي من الحرب إلى شقين؛ الشق الأول، يبدأ من فترة التصعيد الروسي والحشود العسكرية على الحدود منذ أواخر ديسمبر في العام الماضي، ويمتد للأيام الأولى من الحرب والتي تمتد إلى فترة أقصاها منتصف مارس. والشق الثاني، يبدأ من بعد ذلك، وصولًا للحظة الراهنة. 

 يُنظر إلى موقف الداخل الروسي خلال الشق الأول، عبر ثلاث محاور رئيسية؛ الأول، احتجاجات مواقع التواصل الاجتماعي، الثاني، الاحتجاجات الشعبية، الثالث، والمعارضة من النخبة. أولًا: نشط مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي الروسي على موقع “فيسبوك”، وقاموا بتفعيل عدد من الوسوم المضادة للحرب كان أشهرها وسم “لا للحرب”، الذي تم تداوله على نطاق وسع. وروى المستخدمين الروس من خلاله عن روابط الأخوة والصداقة والقرابة التي تربطهم ببلدهم الثاني أوكرانيا مُعلنين رفضهم التام لما أطلقت عليه روسيا عملية عسكرية. بينما عبر آخرين عن إحساسهم بالخجل من كونهم حاملين للجنسية الروسية. واتخذ هذا النوع من الوسوم منحنى تصاعدي وصولًا ليوم 4 مارس، ومن ثم اتجه هبوطًا. ومنذ ذلك الحين، بدأت هذه الوسوم في الخفوت تدريجيًا حتى انتهت. ولم يبق هناك أي تفاعل فعلي لها من داخل روسيا. وما يجري الآن تداوله من وسوم مشابهة على موقع “فيسبوك”، يكون عبارة عن عرض مقاطع فيديو مصورة من المناطق المدمرة في أوكرانيا بعد الحرب، أو عرض لقصص مقاتلي آزوفستال، وقصص أخرى لا تنم عن أنها صادرة عن حراك شعبي روسي حقيقي. 

ثانيًا: ما يتعلق بالاحتجاجات الشعبية التي شهدتها الشوارع، يُشار إلى أن عددًا من المدن الرئيسية في روسيا مثل موسكو وسانت بطرسبرج قد شهدت حركة احتجاجات بالفعل. غير أنه من الصعب إعطاء تقديرات دقيقة لأعداد المتظاهرين نظرًا لندرة المعلومات التي تم تداولها في هذا السياق في الصحافة الروسية. لذلك، وبالنظر إلى مقاطع الفيديو التي تم تداولها، فإنه من المرجح أن أعدادهم لم تتجاوز الألفي متظاهر على حد أقصى. 

ثالثًا: وبالنظر إلى موقف النخبة الروسية وتحديدًا من المحسوبين على أوساط المثقفين والفنانين والإعلاميين، برزت من بين اعتراضاتهم أصوات معروفة، مثل الكاتب المعروف “بوريس أكونين”، و”ديميتري بيكوف”، و”ديميتري جلوخوفسكي”، و”ميخائيل زيجار”، والكاتب المسرحي “إيفان فيربييف”، والفنانة “تشوليان خاماتوفا”، بالإضافة إلى عدد من الأسماء الفنية الأخرى. وهؤلاء عبروا عن اعتراضهم على الحرب من خلال بيان مشترك حذروا فيه من مغبة الحرب على الأطفال والشباب الروس واللذين لم يولدوا بعد. كما امتدت خطابات وبيانات الاعتراض نفسها للأوساط الأكاديمية والأوساط الإعلامية أيضًا. ونشر الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام، بتاريخ 24 فبراير، بيانًا عبر الإنترنت أدانوا من خلاله العملية العسكرية التي شنتها روسيا في أوكرانيا. 

وبالانتقال إلى الفترة التي تصنف كـ “الشق الثاني” من الحرب، نجد أن موقع التواصل الاجتماعي الروسي، “فكانتاكتي”، الذي يعتمد عليه داخل الحدود الروسية كبديل موثوق عن موقع “فيسبوك”. لا يحتوي على ردود فعل عدوانية أو غاضبة من الحرب الروسية بشكل يضاهي مثيلتها الشق خلال الأول. في الوقت نفسه، من الاجدر بالقول إن الوسوم المضادة للحرب شبه اختفت من على موقع “فيسبوك”، بعد أن فقدت فاعليتها بسبب اعتماد مستخدمين أوكرانيين عليها بشكل أكبر بغرض الترويج لمقاطع فيديو ومنشورات الهدف منها فضح الاعتداءات الروسية في الأراضي الأوكرانية وما إلى آخره. 

ومن ناحية الاحتجاجات الشعبية، نجد صعوبة في تتبع طبيعة هذه الاحتجاجات التي يكاد يكون لا يظهر لها أي أثر على صفحات الصحف ووكالات الأنباء الروسية. فيما تتحدث عنها صحف غربية وتقوم بوضع تقديرات محددة للأعداد. مثال على ذلك،  تقرير نشرته وكالة “دويتش فيله” الألمانية بتاريخ 2 مايو، قالت خلاله إن القوات الروسية اعتقلت 200 شخص بعد اندلاع مظاهرات حاشدة مضادة للحرب في شتى أنحاء البلاد.  فيما نشر موقع قناة (UATV) الأوكرانية المخصصة للبث الخارجي باللغة الروسية، تقريرًا، بتاريخ 30 مايو، تداولت من خلاله أنه تم اعتقال نحو 15.5 ألف مواطن روسي على خلفية مشاركتهم في احتجاجات مناهضة للحرب. وأوضحت أن هذا العدد لا يشتمل على أولئك اللذين تمت إدانتهم بتهمة تشويه سمعة الجيش. 

ونخلص من كل ذلك، إلى أنه لو كانت هناك حشود غاضبة بهذا القدر الذي تتحدث عنه الصحافة الغربية أو الأوكرانية، كان من الأجدر أن يتم إرفاق الحديث عنهم بصور أو مقاطع فيديو تعكس تقديرات أعدادهم الحقيقية. لذلك، من الأرجح القول إن الغضب الشعبي يشهد انحسارًا في الوقت الراهن، بعد أن أثرت الخطوات التي اتخذها الكرملين في تطويق الاحتجاجات الشعبية ودفعها للتراجع من غضب ظاهر إلى غضب مكتوم لا يكفي للخروج إلى الشارع مرة أخرى. 

وفيما يتعلق بغضب النخب الروسية، هنا يطرح السؤال نفسه؟! أين النخبة الروسية الآن؟ ردًا على ذلك، نجد أن هذه النخب التي سبق لها الحديث والتعبير عن اعتراضها العلني في الماضي قد آثرت الصمت في المرحلة اللاحقة. ولا يُمكن أن يُفسر هذا الصمت على أساس أنه تأييد منهم للحرب، لأنه لو كان تأييد لظهر بصوت مسموع بصفته تأييدًا علنيًا. ونفهم من ذلك، أن هذا الصمت يُفسر كذلك كغضب مكتوم لا يُحسن الخروج للعلن. 

كيف احتوى الكرملين الغضب الشعبي؟

من خلال المُتابعة، نجد أن الكرملين اعتمد في استراتيجيته على احتواء الموقف الداخلي بالارتكاز إلى ثلاثة محاور؛ أولًا: عقوبات جنائية صارمة، ثانيًا: تحريك الآلة الإعلامية الروسية، ثالثًا: الطريقة التي أدار الكرملين علاقاته مع الشعب؟!

أولًا: من الممكن النظر إلى اليوم 4 مارس، باعتباره يومًا بارزًا بالنسبة لخطوات احتواء الكرملين للحراك الشعبي المضاد للحرب. فقد شهد هذا اليوم قرارات بارزة مثل قرار حظر موقع “فيسبوك” في روسيا، وتقييد الوصول لـ “تويتر”، بالإضافة إلى أنه اليوم نفسه الذي قام فيه مجلس الدوما الروسي باعتماد قانون يحظر نشر أو تداول أي معلومات كاذبة عن الحرب ويتم بموجبه فرض عقوبات جنائية تتراوح ما بين 5 إلى عشر سنوات، وغرامات مالية تصل قيمتها إلى 5 ملايين روبل، على كل من يتداول منشورات مزيفة بوسعها تشويه سمعة الجيش أو تهدف لمعارضة الحرب. وقد ساهمت هذه الإجراءات في كبح جماح أي حركات ثورية مضادة للحرب في توقيت حساس لا يقبل فيه الكرملين أي ثورة مضادة. 

ثانيًا: تحركت الآلة الإعلامية الروسية بكفاءة فيما يتعلق بتحريك الجبهة الداخلية نحو تمرير رسائل محددة وإشاعتها في الوعي الجمعي الداخلي. وتنوعت تلك الرسائل فيما بين، “التبرير المنطقي للحرب والتركيز على فكرة أن اندلاعها كان ضرورة حتمية لابد منها، وإقناع الشعب بإمكانية الحياة في الحصار الاقتصادي الغربي، وقبول رحيل العلامات التجارية الغربية المحببة للشعب الروسي عن بلادهم، والأهم من كل ذلك، التأكيد على فكرة أن شهداء الجيش اللذين ماتوا في الحرب كانوا ثمنًا لابد لروسيا دفعه كي تتقدم روسيا للأمام وتستعيد مجدها”. وكنتيجة منطقية للتكثيف الإعلامي لرسائل محددة، يصبح من الطبيعي فهم كيف تحرك الوعي الجمعي الروسي في إطار يسمح بقبول هذه الرسائل وتفهمها. رُغم وجود غضب لا يمكن إنكاره ينجم بشكل عكسي عن كل وفاة تسقط في صفوف الجيش الروسي، وعن كل جندي أو ضابط روسي يخرج من بيته سيرًا على الأقدام فيعود إلى أحضان عائلته محمولًا في نعش. 

ثالثُا: اعتمد الكرملين في إدارته –داخليًا- للأزمة، منذ اليوم الأول، على مبدأ يعكس استيعابه لحقيقة أن أقوى مبررات الثورة لابد وأن تكون نابعة من تضرر المواطنين اقتصاديًا. ونرى ذلك بوضوح من خلال متابعة سلسلة المراسيم الرئاسية التي عكف، الرئيس الروسي، “بوتين”، على إصدارها بنفسه منذ بدايات الأزمة. وبهذه الطريقة، نفهم أن الكرملين عكف على احتواء الأزمة بشكل يهدف في النهاية إلى توصيل رسالة للشعب الروسي، مفادها أن الحرب عادت عليهم بمنفعة اقتصادية وليس العكس. 

وفي هذا الإطار، قدمت الحكومة الروسية برامج إعانة سخية لهؤلاء الذين تم تسريحهم عن العمل من جهة، وللشركات بهدف تحفيزها على توظيف عمالة جديدة من جهة أخرى. وبتاريخ 19 مارس، وقع رئيس الوزراء الروسي، “ميخائيل ميشوستين”، أمرًا يتم بموجبه تخصيص ما يقرب من 40 مليار روبل لدعم سوق العمل في المناطق الروسية المختلفة. وتضمنت قرارات رئيس الوزراء، أن تتم إتاحة خدمة التوظيف التي تقدمها الحكومة الروسية ليس فقط للعاطلين بالفعل عن العمل، بل أمام هؤلاء الذين يشعرون أنهم باتوا معرضون لخطر الفصل أو النقل التعسفي من أعمالهم بدوام كلي إلى أخرى بدوام جزئي. 

وبمراجعة مرسوم 16 مارس، الرئاسي الصادر عن الكرملين، بشأن تدابير لضمان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي وحماية السكان في روسيا. نجد أنه نص على إجراءات عديدة من ضمنها؛ أن يتخذ المسؤولون المعنيون على عاتقهم تنفيذ تدابير دعم إضافية للفئات اللذين يجدون أنفسهم في وضع معيشي صعب. ويتم، إذا لزم الأمر، دفع مبالغ نقدية لهؤلاء. بالإضافة إلى إجراء مراقبة تشغيلية لأسعار التجزئة للسلع الرئيسية والأدوية والأجهزة الطبية في روسيا، وغيرها من التدابير الأخرى في السياق نفسه، بشكل يضمن عدم خروجها عن السيطرة فيترتب عليها غضب شعبي.  وبالنسبة للمعاشات، ننظر أيضًا إلى مرسوم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشأن الحد الأدنى للأجور، والذي يدخل حيز التنفيذ اعتبارًا من يوم 1 يونيو. ويتم بموجبه، رفع المعاشات التقاعدية بنسبة 10%، بحيث ستؤثر هذه الإجراءات على نحو 35 مليون متقاعد روسي. كما سيرتفع الحد الأدنى للأجور بالنسبة نفسها، بمتوسط تكلفة معيشية في البلاد تصل إلى 13919 روبل. 

ومن الضروري أيضًا الأخذ في عين الاعتبار، المرسوم الرئاسي الصادر بتاريخ 9 مايو، والذي يستهدف دعم أسر العسكريين وموظفي الهيئات الفيدرالية اللذين شاركوا في العملية العسكرية الخاصة في أراضي إقليم دونباس وأوكرانيا بوجه عام. وهو المرسوم الصادر في ذكرى يوم النصر، عقب خطاب “بوتين” الشهير الذي وعد فيه عائلات شهداء القوات المسلحة بالحصول على كل أشكال الرعاية من كافة هيئات وجهات الدولة. 

كما أن روسيا انسحبت، منذ بدء الحرب وعلى مدار الثلاثة أشهر الماضية، بشكل منهجي من الهياكل الدولية المختلفة. حيث كانت بطبيعة الحال تشارك بمبلغ من ميزانيتها الخاصة في هياكل هذه المؤسسات، لكن بعد انسحابها منها تم تخصيص هذه المبالغ لتقديم المزيد من الدعم الاقتصادي للفئات الاجتماعية المتضررة من الحرب في روسيا. مثال على ذلك، أن روسيا كانت تدفع سنويًا، 33 مليون يورو لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وتسعة ملايين يورو لمنظمة العمل الدولية، و11,7 مليون دولار لصندوق النقد الدولي. وبهذه الطريقة نفهم كيف تعكف موسكو على إقناع شعبها بأن الحرب وما نتج عنها من قطيعة غربية أدت في النهاية إلى وقوع منفعة اقتصادية مباشرة على الشعب الروسي.  

وأخيرًا: بمراجعة الملامح العامة لطبيعة الخطابات التي توجه فيها الرئيس بوتين بالحديث إلى شعبه فيما بعد الحرب، نجد أنه وبدوره يولي اهتمامًا شديدًا بإظهار التعاطف مع الشعب، ومع ضحايا أسر شهداء القوات المسلحة، ويؤكد على شرعية الحرب التي لولاها لبات الأمن الشخصي لكل فرد يعيش في روسيا على المحك. يأتي ذلك بالتزامن مع ورود تقارير صحفية حول انخفاض أسعار اللحوم والدواجن في السوق الداخلي الروسي في وقت يعاصر فيه العالم أجمع أزمة اقتصادية طاحنة وتضخمًا مبالغًا فيه في أسعار كل شيء. 

ونخلص من كل ما سبق، أنه كان هناك مؤشرات تفيد بوجود غضب شعبي على التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا. لكن من الممكن الاستنتاج أن هذا الغضب الذي بدأ كبيرًا بشكل متوسط، قد انخفضت حدته تدريجيًا. كما أنه ليس من الممكن، في الوقت نفسه، أن نفهم الصمت الشعبي، أو حتى صمت النخبة الروسية وتحديدًا من الشخصيات التي تحدثت علانية في بدايات الحرب وأعلنت اعتراضها، أنه تأييدًا أو يرجع لتغيير جذري في مواقفها، بقدر ما يُفهم منه أن الاحتمال الأكبر يذهب إلى أن هؤلاء وهؤلاء يعيشون مرحلة من الغضب المكتوم، أو الغضب اليائس الذي لا يوجد جدوى حقيقية من الإفصاح عنه. 

وهناك أيضًا مصادر غربية تتحدث من حين إلى آخر عن وجود مظاهرات شعبية مناهضة للحرب في شوارع المدن الروسية، ونقول إنه ليس من الممكن الاعتداد بما يرد على صفحات هذه المصادر الغربية سواء كانت مصادر دبلوماسية أو صحافية، في توقيت تدور فيه حربًا نرى أن الحقيقة هي أول ضحاياها. خاصة في ظل وجود سوابق مشهودة لذات المصادر الغربية قامت خلالها بنقل معلومات في توقيتات حساسة من عُمر الأمم واتضح مع مرور الوقت أنها كانت إما كاذبة أو مبالغ فيها. 

وكجواب نهائي، عن سؤال حول ما هي احتماليات أن تشهد روسيا في الوقت الراهن ثورة شعبية مناهضة للحرب ضد الرئيس الروسي وسياساته. نرى أنها احتمالات موجودة لكنها تظل مستبعدة، نظرًا لإجمالي العوامل التي تم ذكرها أعلاه، والتي تتنوع ما بين إحكام القبضة القانونية على الشعب، وتطويقه إعلاميًا، وحالة الرفاه الاقتصادية التي يحاول الكرملين توفيرها لشعبه كدلالة على المنافع الاقتصادية والرغد الذي حل على مواطني بلاده بعد الحرب، بالإضافة للسعي الروسي المستمر لاحتواء كل موجات الغضب التي تترتب بشكل عكسي على كل وفيات القوات المسلحة الروسية في الحرب أول بأول، وهو ما نراه واضحًا في كلمات خطاب “بوتين” بتاريخ 9 مايو، وما احتوى عليه من قرارات مخصصة لفئة عائلات شهداء القوات المسلحة. 

بالإضافة إلى ذلك، ومن منطلق “أن الجوع هو أقوى مبرر للثورة”، نطرح سؤالًا حول لماذا يثور الروس؟ وردًا على ذلك، نجد أنه من الصعب التحقق بشكل ملموس من طبيعة الارتفاعات التي شهدتها الأسعار في السوق الروسي الداخلي في الوقت الراهن. لكن يوجد في الوقت نفسه تقارير صدرت عن صحف روسية، تناولت معلومات بشأن انخفاض أسعار الدواجن واللحوم في السوق الروسي، ونقول إن هذه المعلومات تتسم بطابع المنطقية. والسبب في ذلك، يرجع إلى أنه لا يوجد مبرر لارتفاع أسعار اللحوم والدواجن في دولة مصدرة للحبوب بكل أشكالها. من ناحية أخرى، لماذا قد يُعاني المواطن الروسي من مغبة ارتفاع أسعار النفط في أسواق أوروبا والولايات المتحدة بينما بلاده هي واحد من أكبر مصدري الطاقة؟ وبهذه الطريقة أيضًا، نفهم أنه من المنطقي ألا يجد الكرملين أي مبرر لرفع أسعار موارد الطاقة على المستوى الداخلي خاصة في ظل توقيت تسعى فيه كل الأطراف الروسية لكبح جماح أي غضب شعبي محتمل. 

داليا يسري

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى